تحاليلسياسيةشأن دولي

هل يستطيع الحلف الجديد اقناع الأمريكيين والمصريين بالمضي في العبث بمنطقة الشرق الأوسط ؟

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

 

يتحدث بعض الوظيفيين العرب عن سعي دؤوب تقوم به دولة الامارات وبعض حلفائها في المنطقة لجر الإدارة الأمريكية الحالية والمؤسسة العسكرية المصرية الى خططهم الاستئصالية في إعادة رسم وتشكيل المنطقة وفقا لهواهم وأحلامهم المبنية على الوظيفية للاستعمار الجديد وللصهيونية العالمية وقراءاتها التوراتية، ومعلوم أنه يجري منذ مدة الحديث عن خطة تُنسب الى الإدارة الأمريكية بناء على وجود استراتيجيا مغادرة الشرق الأوسط وهي قراءات قائمة على أن إدارة “بايدن” تسعى الى تحويل ملفات الشرق الأوسط وشمال افريقيا وغربها الى ملفات نائمة مقابل التفرغ للخطر الصيني والملف النووي الإيراني وحصر التواجد الروسي ومتابعته بدقة، ولكن ماهي موضوعية هذا الطرح ومدى إمكانية تحقق هذه الخطط/الاحلام في المستقبل، وهل ستسمح الإدارة الأمريكية فعلا بإسناد أدوار وظيفية لأطراف قد تُهدد مستقبلها وارباك استراتيجياتها طويلة المدى؟

 

** حول موضوع رحيل الأمريكيين من الشرق الأوسط

 

1- الثابت أن هناك حشد أمريكي كبير وغير مسبوق في المنطقة وأن قاذفات تدخل وتخرج وكل ذلك مصحوب بارتباك أمريكي مرحلي بين:

  • خيار أول، ويتمثل في المُضي في اعتبار أن ملفات المنطقة يجب ابقائها ملفات نائمة مع الحذر وهو ما يعني البقاء المباشر والمتابعة عبر الدبلوماسية والفاعلين الأمريكيين مقابل الحفاظ على أدوار وظيفية لبعض دول ولكن جزئيا فقط …
  • خيار ثان، ويتمثل في المضي في معالجة تلك الملفات بالجدية الكاملة وتقديمها كأولويات مرحلية او في الأخير الخروج من المنطقة واسناد الأدوار الوظيفية مرحليا الى دول أخرى…

ولكن السؤال في الخيار الثاني (وهو الأقرب): هل سيتم الاحتفاظ بالحلفاء الحاليين (تركيا – إيطاليا – اسبانيا – المانيا –مصر) أو في تغيير بعض وظيفيين الى حلفاء على غرار الامارات والسعودية والأردن ودول أخرى مقابل تحويل تركيا من حليف الى خصم في مرحلة لاحقة لتناقض سياساتها مع بعض حلفاء آخرين ولتغير المعطيات والاستراتيجيات ومن ثم يتم التسليم لشخصي “بن سلمان/بن زايد” لتشكيل المنطقة على هواهما رغم مغادرة حليفهما “نتنياهو” وهو الذي وضعت معه استراتيجيات سابقة لم تر النور الى حد الآن…

 

2- هناك بالتوازي سياسة/استراتيجيا صهيونية ترتكز أساسا على المُضي في اغتيال أهم علماء إيران ومحاصرة ناعمة لتركيا وضرب مصالحها بشكل متدرج ومن ثم تمويل هدم أساس أي فكر اسلامي معتدل في كل البلدان العربية والإسلامية عبر صنع فكر جهادي وتنمية التطرف المُعد له في الغرف وداخل مكاتب أجهزة إقليمية ودولية بغاية تنزيل سياسات بعينها…

 

3- تَابع الجميع وجود مناورات عسكرية ضخمة بالمنطقة تقودها مصر بشكل سري- وفقا لما هو متداول- وبالإضافة الي ذلك فان السعودية تقوم حاليا بوضع سلاح الدفاع الجوي في حالة تأهب قصوى رغم فشل هذه المنظومة أمام الصواريخ اليمنية، ومن المهم القول أن كل المتابعين طرحوا خلال الفترة الماضية أسئلة واستفهامات حول ما يجري بالمنطقة، وهنا يمكن التأكيد أن الموضوع يتمثل في أن الشرق الاوسط يُوجد به اليوم مشروع يبحث لنفسه عن التشكل بناء على اعتقاد ودراسة لإمكانية خروج امريكا تدريجيا من المنطقة…

 

** الحلف الجديد والمُرتقب: من هم قادته، وما هي أهدافه وأيُّ تفاصيل متداولة لخطته الجهنمية؟

 

1- وفقا لرؤية الاماراتيين ولقناعات الجناح الاستئصالي في المملكة العربية وحلفائهما في “تل أبيب” فان الحلف سيتشكل من مصر وإسرائيل أولا أمااعضاء الحلففهم: السعودية و الامارات و الاردن والبحرين والعراق و السودان ومن الوارد أيضا دخول دول أخرى غير مصرح بها حاليا…

 

2- تُبيّن عمليات رصد المواقف والفعل السياسي للساسة الاماراتيين وحلفائهم من الوظيفين العرب (من نخب وفاعلين سياسيين وباحثين في مجال الدراسات الاستراتيجية)أن اهداف الحلفالجديد والمرتقب أو المأمول تشكله وفقا للحلم الاماراتي، تتمثل في التصدي لمخططات ايران والتخلص من مراكز القوى التابعة لها بالمنطقة العربية على غرار:

 

  • “حزب الله” في لبنان و”الحشد الشعبي” في العراق و”الحوثيين” في اليمن…
  • حركات المقاومة على غرار “حماس”و”الجهاد الإسلامي” في فلسطين…

 

3- لن يقتصر الامر على ذلك بل تم برمجة التصدي للأطماع التركية وطردها من ليبيا وسوريا والعراق ومحاصرتها اقتصاديا وقطع جميع اوصالها بالشرق الاوسط مع وضع كماشة عليها في شرق المتوسط من خلال تحالف المصري/اليوناني/ القبرصي (قيد الترتيب والدفع اليه باعتبار ان جزء من المصريين وخاصة العسكريين يتحفظون على هذا الحلف وبعض جزئياته) و أيضا عبر التحالف الاماراتي اليوناني) مع تأييد الكيان الصهيوني لمواقف اصدقائه بالحلف ضد تركيا وتسليح اليونان بمقاتلات “الرافال” و”الآف 35″ من خلال اقناع الإدارتين الفرنسية والأمريكية وتواجد كبير للجيش المصري في العراق لتأمين عمل الشركات المصرية لإعادة إعمار العراق ثم التحول لطرد الاتراك من العراق، وستكون مصر والاردن بديل تركيا في العراق وخاصة في مشروعات النفط الضخمة التي سيتم تنفيذها قريبا و الغاء خط الانابيب التركي…

 

4- كما سيتم العودة الى سياسات تحجيم “قطر” والضغط عليها للخروج من تحت العباءة التركية والزعم بإعادتها مرة ثانية للمنطقة العربية، وستقضي مقتضيات الخطة لاحقا الى حل مرحلي لمشاكل اليمن وليبيا وسوريا واعادة اعمارهم وبسط الاستقرار في المنطقة ومن ثم الاتجاه نحو المشروعات الاقتصادية المشتركة ونشأة تكتلات وتحالفات اقتصادية ضخمة جدا وفقا لما يتم ترويجه ما بين الفاعلين في مراكز القرار الضيقة في ابوظبي وفي عواصم أخرى معنية بذلك على غرار “المنامة”…

 

5- تؤكد بعض التسريبات من محيط صانعي القرار في “أبوظبي” و”الرياض” ودول أخرى أنه ستكون هناك مناورات عسكرية ضخمة وتدريبات مشتركة وتوحيد المفاهيم العسكرية بين دول الحلف الجديد والمرتقب بما فيهم الكيان الصهيوني ليكونوا علي الاستعداد للتدخل في مناطق الصراع التي تمت الاشارة إليها أعلاه، والضرب بيد من حديد علي ايران وتركيا والاستعداد والجاهزية لأي تطور يحدث والتعامل معهما بمواجهات عسكرية فورية لبسط السيطرة علي الارض وبدء ظهور ملامح وقوة الحلف الجديد الذي يقوم بطرد حلف الشيطان التوسعي حسب ظنهم من المنطقة و التخلص من الارهاب واسترجاع الاستقرار بالدول العربية محل الصراعات…

 

6- تقوم الخطة أن يأخذ الحلف الجديد مكانه بدلا من امريكا في صورة النجاح في دفع مساعدي “بايدن” الى خروج الأمريكيين من الشرق الأوسط فعليا(وفي صورة عدم التوصل يتم بناء خطة بديلة تبدأ التنفيذ سنة 2024 على أمل عودة ترامب او وصول شبيه له على ان يتم تهيئة الأجواء والاعدادات منذ الآن وحتى نهاية 2023)

 

7- الترتيبات الجارية والاستعدادات تقوم أيضا أنه قبل خروج الأمريكيين فانهلابد من ضمان قيام حلف متماسك بين الدول المعنية حتى يكون حلف شريك للأمريكيين ويضمن لهم عدم تدخل روسيا او الصين لبسط نفوذهما وحتى لا تضطر أمريكا للعودة ومن ثم الغاء تنفيذ باقي بنود الخطة …

 

8- التردد المصري سيدفع الاماراتيين – باعتبارهم على تباين مع المصريين منذ صائفة 2018 وخاصة في ظل التوترات الأخيرة- على اقناع القاهرة انها ستكون في موقف ممتاز وتقوم فكرة الاقناع والتمرير ، على أن الجميع يلعب لصالح مصر ولخدمة قضاياها وتوفير مزيدا من الاستقرار لها مع تولي مسئولية اعادة اعمار الدول العربية ومن ثم بسط نفوذها العسكري المتنامي بطريقة عظيمة شرق اوسطيا وافريقيا، مع تنمية اقتصادية ضخمة جدا عن طريق التحالفات في مشروعات استراتيجية ضخمة، مع التحول لجعلها مركز موزع لجميع انواع الطاقة للسوق الاوربي ، وستعامل القاهرة بعد اقناعها علي انها الفتى المدلل وهو ما يظهر بوضوح في صفقات الاسلحة الاخيرة مع المانيا و ايطاليا و يظهر ايضا في الموافقة علي كافة طلبات مصر سواء في القروض او المنح او المساعدات فمصر اصبحت مفتاح الشرق الاوسط و القائد الجديد والبديل لتركيا وايرانولكافة دول المنطقة اقتصاديا وعسكريا وسياسيا…

9-سيواصل الاماراتيون ولاشك في مزيد توظيف فاعلين سياسيين وجامعيين ودفعهم الوظيفية العالية كما سيركزون على استقطاب نخب يسارية وقومين عرب ممن لهم علاقات سابقة بالايرانيين وهو هدف مهم في تنفيذ خطتهم وخاصة في الملفين السوري واليمني

 

** في مقتضيات الخطة فكريا وثقافيا واجتماعيا

 

1- تقوم الخطة على الدفع الى صراع بين محوري “المقاومة” و”الثورات العربية” واحداث صراعات كلامية وفكرية وثقافية بين فكر “جماعة الاخوان” و”الفكر السياسي الشيعي” وتنمية الفكر المتطرف عبر ضخ كمي للأدبيات السلفية، ومن ثم الدعوة الى العودة الى مربعات الصراع السني/الشيعي بكل أشكاله الفكرية والسياسية والاجتماعية، وقد يتم ذلك عبر نشر كمي ومهول للأدبيات التي تكفر الشيعة عقديا وفكريا وسياسيا والعكس أيضا أيضا صحيح ومبرمج أيضا، ومن ثم قطع الطريق على أي حل إقليمي للملف السوري أو يتم الدفع الى حل أعرج ومعوج وغير دائم – باعتبار أن الجراح في سورية أكبر من أن تندمل سريعا بناء على الاحداث منذ 2011 الى اليوم- …

 

2- أما في المنطقة المغاربية وشمال افريقيا وغربها، فسيتم دعم الاحباش (وقد تم العمل عليهم منذ 2006 في عدد من العواصم العربية)، ومن ثم تقليص حجم أدوار التصوف السني مقابل دعم التصوف الطرقي بهدف ايجاد مربعات لضرب عقلانية التفكير السياسي والثقافي والاجتماعي بالتوازي مع التطور السياسي للخطة وتسهيل فكرة التطبيع والانخرام الحضاري ومضاف الى ذلك نشر ادبيات التشكيك في السنة النبوية وفي القرآن الكريم بعد أن تم في وقت سابق وفي تونس تحديدا ترذيل المدارس القرآنية وبناء واعمار المساجد، وسيتم التشكيك المنهجي وبلافتة الأبحاث لكل الرموز الحضارية والتاريخية (والسؤال هنا مثلا من وقف وراء تمسية كتيبة إرهابية باسم كتيبة عقبة ابن نافع؟، أو تمسية أولى الخلايا الإرهابية في تونس سنة 2007 بخلية “أسد بن الفرات”؟)…

 

3- الثابت أن هناك ملاحق فكرية وإعلامية وثقافية واجتماعية لمثل تلك الخطط السياسية والدليل أن جهنميتها تقتضي ذلك عبر نشر سرديات اجتماعية والدليل ان “خطة تجفيف منابع التدين” في بداية تسعينات القرن الماضي تضمنت تلك الابعاد ومن المهم التذكير ان سياسات التمييع الأخلاقي في عقد سبعينات القرن الماضي تضمنت نشر أغنية شعبية تتضمن كلماتها استهتارا بفريضة “الصلاة”وتحبيذا لشرب الخمرة واتاء المنكرات “وما نحباش يصلي نحبك يسكر ويغني…”

 

 

** هل فعلا سترى الخطة النور على الأرض؟

 

1- الأكيد أن الخطة بقد ُنيت بعقلية شاملة -وهي تتضمن وقاعية من حيث أسس تخطيطها-كما هي بُنيت على قراءات واقعية لقوة وضعف خصومها، كما أن الوقائع تشير الى إمكانية المحاولة في بداية تنفيذ الخطة الجهنمية بل أن لبناتها الأولى قد تكون انطلقت قبل الإعلان عن أولى خطواتها، ولعل زياراتي “السيسي” غير المسبوقتين للعراق والأردن خلال اليومين الماضيين ربما لهما مرام ليست بالبعيدة عن أحلام الاماراتيين وحلفائهم من الوظيفيين العرب رغم أن قادة المؤسسة العسكرية المصرية لهم أراء أخرى وهذا موضوع ثان حري بالتفصيل في مقال ثان…

 

2- يُمكن التأكيد أن جميع السيناريوهات متاحة الآن امام الحلف الجديد بوجود امريكا التي لن تخرج الا بعد سيطرة حلفاء لها على المنطقة بالكامل، ولكن السؤال الرئيسي هو: من هم أولك الحلفاء وهل ستكون طبيعتهم مواتية للإماراتيين وحلفائهم من واضعي ذلك الحلم/الخطة؟ …

 

 

3- الأيام القادمة قد تعرف توجيه ضربات عسكرية أو مواجهات عسكرية مفاجئة تحدث في المنطقة أو اشتعال للمواقف او حدوث ضغوطات وتنازلات كبيرةوهو ما قد يقرب الحلم الاماراتي ولكنه أيضا قد يجهضه، ويمكن إضافةأن مشكلة كل واضعي مثل هذه الخطط،أنهم لا يضعون مواقف وردود فعل وقدرات وفعل من تستهدفهم خططهم، كما أنهم يُغيّبون العامل الغيبي (وهو أعلى من كل علي في الأرض) …

 

4- تقتضي الخطة الجهنمية التماهي مع الخطط الأمريكية بالأساس باعتبار ان الاماراتيين ليسوا سوى وظيفيين وأنهم مثلهم مثل الإسرائيليين يلعبون على الهوامش للحصول على منافع أو تحقيق بعض أهداف، كما لا يمكن تغييب أهمية أو اهمال الاستراتيجيات الصينية والروسية وبقية أطراف دولية وإقليمية…

5-ستصطدم الخطة بواقعية خطة الدفع لتقارب مصري تركي وهو ما من شأنه ان يحدث توازن في المنطقة ويعوض الغياب الامريكي الجزئي عنها ولو تم ذلك فستسقط الخطة الجهنمية وتترنح بالكامل وهو ما يمكن التأكد منه في افق ربيع 2022

6- ما قد يغيب على أولئك الوظيفيين دولا وجماعات وأفرادهو أنهم مجرد وظيفيين جزئيين ومرحليين، وأن الفاعل الأمريكي وصانع القرار ومراقبي تنفيذ السياسات ومنذ سنوات لا تهمه ثقافات الشعوب ولا أديانها – وهو ليس عدوا لها-بقدر ما يهمه مصالح أمريكا وأن حتى الانحياز لإسرائيل/الكيان أصبح محل نظر امام مصالح بلادهم وخاصة في ظل عُرف الديمقراطيين تحديدا، كما أن عهد بناء الدكتاتوريات قد انقضى ولن يعود أبدا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق