المغربتحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

هذه أبرز التحديات التي تواجه المغرب في “عالم المفارقات والتناقضات”

ادريس القري 

ليس من السهل اليوم مُطلقاً فهمُ وإدراك السياق الذي يتحرك فيه المغرب، على أعلى مستويات التخطيط والتدبير والتقرير السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، وبالتالي الأمني والعسكري إستراتيجيا. نعتقد من خلال متابعة هذا السياق لأكثر من عشريتين أن الأمر يتعلق بسياق يتميز بتحولات كبيرة وجد هامة، رغم كونها في العمق استمرارية جوهرية لوضع دولي تحكُمه آليات ما بعد الحرب الباردة، وطبيعة الليبرالية الجديدة، وصعود التنين الصيني، وطموح الدب الروسي. وبين هاته وتلك سعي إيران وتركيا إلى استعادة دور إقليمي قوي، وازدياد جذوة العداء والعدوانية الجزائرية اشتعالا بازدياد ضعف توازنها الاقتصادي والدبلوماسي، وتلاشي مشروعية الدولة العسكرية وأسلوب تعاطيها واستيعابها للمتغيرات الإقليمية والدولية.

عالمٌ يتطور ويتغير بقوة مدٍّ وجزر ينضاف لمُتغيرات وطنية وإقليمية، وذلك على الرغم من الاستقرار والخصائص الثابتة التي تطبع تعامل الدولة المغربية، تقليديا، معه سياسيا على وجه الخصوص. فالفعل السياسي المغربي مؤسسيا وعلى أعلى المستويات معروف بقدرته على التريث والتمعُّن والاستقراء من خلال المعطيات، والحفاظ على العلاقات التقليدية والتحالفات الإستراتيجية والمكتسبات المتراكمة، قبل اتخاذ القرار الذي غالبا ما يكون هادئا ورصينا ومعتدلا.

موقع المغرب.. وراء كل نعمة نقمة

يتواجد المغرب في موقع إستراتيجي بكل المقاييس: إنه في أقصى الشمال الغربي لإفريقيا، يطل على مضيق جبل طارق، بوابة البحر الأبيض المتوسط الغربية، هو المنفذ نحو أوروبا، وهو بوابة أوروبا نحو الساحل والعمق الإفريقيين؛ يجمع بين سواحله بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي على امتداد آلاف الكيلومترات.

أراضيه تتمتع بما يمكن أن نسميها الفصول الأربعة: سهول وهضاب وسلاسل جبلية وصحاري وأنهار ووديان. أراض فلاحية بامتياز وقمم ثلجية على مدار السنة وكثبان رملية ساحرة؛ ناهيك عن عشرات المدن الكبرى والثروات البحرية والمعدنية. دولة مستقرة منذ عقود ومؤسسة ملكية مُوحِّدَةٌ وتقدم مطرد أصبح متسارعا… وعلى الرغم من كل النقائص والمؤاخذات لكن النهضات الوطنية الكبرى لا تتم في سنين قليلة، خاصة في عالم اليوم، حيث ترتبط قرارات الدول بإرادة الكبار والمنافسين والسوق العالمية وقوانينها.

يتعلق الأمر بموقعٍ نِعمة، لكن وراء كل نعمة نقمة.

تعرض المغرب دائما لضغوط خارجية متنوعة، ذلك أنه محاصر بطبيعة وجوده الجيو-سياسي والإستراتيجي، (عبد الله العروي). لكل نعمة نقمة، لذلك ينبغي على المغرب التفكير والتخطيط والتدبير دائما، انطلاقا من هذا المُعطى الجيو-سياسي والإستراتيجي الأساسي.

سياق الطموح وثمنه

تصاعدت الضغوط على المغرب مؤخرا بشكل غير مسبوق، في الفترة المعاصرة من جهات متعددة، منها المناوئة له والمتنافسة معه في ما يسعى إليه إقليميا ودوليا من مكانة، كما هناك القوى المُهيمنة، تقليديا، التي تريد إخضاعه واستعماله أو تحجيمه دون ما يريده ويسعى إليه إستراتيجيا. تُمارَسُ على المغرب هذه الضغوط والعالم يعيش تحت القوة الضاربة لتحوُّلات كونية، أسبابها مُتعددة، منها الصحية مع كوفيد 19 وما سبقه وما سيلحقه من جائحات، ومنها التغيرات المناخية التي تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وانتشار التصحُّر وتهديد شُح مياه الري والشرب، (الصراع الإثيوبي السوداني المصري حول مياه النيل، وما خفي منها، مثلها الصراع بين لبنان وإسرائيل، نهر الليطاني مثلا، وبين سوريا والعراق وتركيا، نهري دجلة والفرات على سبيل المثال)، وسوء تدبير موارد الماء والفيضانات غير المعتادة، (ما حدث في الصين وألمانيا وبلجيكا والهند…)، وتداخل الفصول الأربعة. كما يعيش هذا العالم أيضا تحت وطأة تحوُّلات سياسية واقتصادية ومالية وتجارية وثقافية عالمية ترتبط بشكل جدلي، من جهة بطبيعة النيوليبرالية، وأزماتها الدورية من جهة أخرى، ومدى قدرتها على الاستمرار والتطور من جهة ثانية وبأي ثمن.

كوفيد 19 أو الزيت على النار

يتسِمُ السِّياق العام والبنيوي الذي يتحول ويطمح فيه المغرب إلى بناء دولة قوية ومجتمع جديد أيضا بِمضاعفاتِ جائحة كوفيد 19 غير المسبُوقة على اقتصاديات الدول وعلى الاقتصاد العالمي، وبالتالي (الانكماش الاقتصادي واللجوء إلى الصناديق السيادية ومفاقمة التضخم بهدف مواجهة الإنفاق الصحي والاجتماعي حفاظا على السِّلم والاستقرار الاجتماعيين…).

جعلت مضاعفات جائحة كوفيد 19، التي اضطرت العالم إلى إغلاقٍ قُطرِيٍّ صارِم لأشهر عديدة، مراكز خلق وتدبير الصِّراعات العالمية المُحركة للتاريخ تعيد النظر في مساحات وفي طبيعة مجالاتها الحيوية، (قرارات حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا في ما يتعلق بأزمات اليمن وسوريا وأفغانستان وإيران… وعلاقاتها مع الصين ومع روسيا، وفي ما يتعلق بمعاهدات الحد من انتشار السلاح النووي والصواريخ البالتسية العابرة للقارات…). جعلت مضاعفات جائحة كوفيد19 هذه القوى تُعيد ترتيبَ مجالاتِ أمْنها الحيوي أيضا، حسب قوتها وهيمنتها ووسائلها المكتسبة، مُسْتغِلّة كل بؤر التوتر، القديم منها والجديد، وفي كل جهات المعمور، لتسليح نفسها أكثر بأوراق ضغط في خوض المعترك الدولي السياسي والمالي والتجاري والدبلوماسي.

في هذا السياق يتحرك المغرب بشكل غير مسبوق– لربما يسترجع روح الإمبراطورية المغربية التي كانت تمتد من تخوم تونس إلى جزر الأطلسي ومن الأندلس إلى نهر السنغال – منذ عشريتين، أي منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش المملكة، قصد استرجاعٍ معاصرٍ لقوة إقليمية هي له، تُحَرِّره من ربقة وضع دولي وإقليمي سياسي، يكبح طموحاته التنموية والسياسية والاقتصادية والثقافية، فما أهم ملامح هذا السياق وما آفاق التعامل معه ببراغماتية، دون مُغامرات لن تكون مفيدة ولا منتجة، في منطقة مغاربية تغلي بالمفارقات وبالتناقضات وبسيادة عقلية المُغامرة والتخبط والعجز السياسي والاقتصادي والأمني؟.

شمال إفريقي ومغرب عربي مُثَبِّط للهِمَم

وترتبط هذه التحديات أيضا بشمالٍ إفريقيٍّ ومغاربي ضعيف سياسيا واقتصاديا كما هو واضح في ليبيا وتونس والجزائر، وهي دُول تُكابِر في تصحيح أوضاعها العامة، لكن بنوع من العجز عن وضع البلد على سكة جريئة وواضحة من التغيير الداخلي، نحو ديمقراطية سليمة وتنمية عقلانية وبراغماتية، في ظل تكريس تحوُّلات صعبة تقع ضحية صراعات ومنافسات وسوء تدبير للاختلاف، كما هو الأمر في دولة تونس، وهو ما قد يجر إلى اتخاذ قرارات صعبة وحاملة لمخاطر جسيمة، كما هو الحال في تونس اليوم، أو تحت تأثير آليات قديمة للتدبير السياسي ترتبط بنخب مهترئة وعقليات جيوسياسية وإستراتيجيات تدبيرية متجاوزة. هذه الآليات القديمة تحكمُها تحالفاتٌ وتسيطر عليها ولاءاتٌ ورُؤًى لا تُساير التطور العالمي المتسارع ولا المصلحة الإقليمية المُلحة كما هو الأمر في دولة الجزائر. يزيد من عمق هذه الشروخ المغاربية تشابكها مع المصالح القطرية لكل دولة على حدة، ومع عدم وعي النخب القديمة أو الجديدة نسبيا ذات الولاء للزعامات التقليدية بالعمق الحالي والمستقبلي لوضع عالمي جيو-استراتيجي، وهو عُمق خلفيٌّ مُتحول بتسارُعٍ، لا تستوعِبه آليات تفكير هذه الزعامات التقليدية ومقاربات رموزها السياسية غير الملائمة.

المغرب العربي أو الحُلم الممنوع

من نتائج هذا التيه السياسي عن الواقع المغاربي، التضحية بالمستقبل المُوحَّد الذي لا يمكن تحقيقه دون تعاون واتحاد عقلاني براغماتي من دول المنطقة، المغرب والجزائر خاصة. اتحاد المغرب العربي الذي لم يُفَعَّل يوما رغم كل الجهود التي بذلت من قبل ومازالت لتفعيله.

إننا، في الواقع – واستقراءً لما يصدر من قرارات وما يتم من تدبير لموارد هذه الدول في المغرب العربي وشمال إفريقيا سياسيا واقتصاديا – أمام شمال إفريقي ومغرب عربي مُمزَّق الأوصال سياسيا. يجد المغرب نفسه في هذا السياق المغاربي أمام ضرورة تحقيق وصيانة وحدتِه القطرية، إلى حين حدوث تحول عميق وملائم في السياسات والدبلوماسيات المغربية بما يتخلى عن الماضي باعتباره تراثا جامدا، والتوجه نحو مستقبل طري وواعد وغني للجميع.

عمق إفريقي غني ومُكبَّل

المغرب أيضا، وفي سياق عوامل التحديات التي تواجهه، حيث أصبح العالم قرية صغيرة لا يمكن مطلقا تدبير الشأن الوطني والسياسات العمومية فيها دون إدماج إستراتيجي عميق للمحيط العام في طبيعة هذا التدبير وهذه السياسات ومنظومتها، يجد نفسه أمام عُمق إفريقي يخترقه الفقر والإرهاب وعدم الاستقرار، تُكبِّله توجُّهاتٌ وطنية ضيقة النظر عتيقة التحالفات برؤية عقيمة واضحة بالمنطق العقلاني البراغماتي والديمقراطي الوطني. إنه عمق إفريقي تؤطره منظمة “اتحاد إفريقي” تعاني كثيرا كي تنعتق من ربقة ممارسات سياسية عتيقة وعقيمة وغير عقلانية، عاجِزة عن نسج والاشتغال بِتمثُّلٍ مُستقبليٍّ براغماتي ووحدوي قاري، يجمع شتات قوة كامنة إفريقية جامدة ومُجمدة، في وقت تستثمر القوى العالمية الكبرى بلايين الدولارات لإعادة اختراق إفريقيا، باعتبارها منجَمًا بِكْرًا لِمُستقبلِ قارَّات يُحاصِرها: نفاد الثروات وخطر التغيرات المناخية وشيخوخة البنيات الديموغرافية وانحسار الأسواق وشُح الموارد الطبيعية.

امتداد أوروبي مُتغطرس

ترتبط التحديات أمام المغرب الساعي اليوم إلى بناء نفسه حداثيا اليوم بقارة عجوز أوروبية لم تنس عقدة تفوقها الاستعماري، ولا هي منسجمة مع ما تعلنه من مبادئ وقيم كونية نبيلة، لم تخلصها من مركزية إدراكها لذاتها، ولا من “فوبياتها” تجاه المختلف عن صورتها “الغربية” كثقافة سائدة استيطانية، ولا هي تخلَّصت من براغماتية “الخُبث” في إبقائها على سرِّية وثائق قرارات التفتيت، التي نفذتها إبان فترة “الحماية”/الاستعمار، على دول عديدة، تتصارعُ اليَوم بسبب سرية هذه الوثائق وتلك القرارات الاستعمارية، التي مزقت وحدة ثقافات وأراضي وقيم وأواصر دول منها المغرب بالتخصيص، ودول المغرب العربي وإفريقيا وكل المستعمرات السابقة عموما، بدافع أحلام امتلاكٍ دائم لم يتحقق لها، لأن الشعوب تنعتق في النهاية مهما كانت القوة الغاشمة للاحتلال.

امتداد أطلسي ممكن

نُسطِّرُ على هذه العناصر المُشكِّلة لتحديات مغرب اليوم الجيو-استراتيجية، ولا ننسى انفتاح سواحل المغرب العريضة الطويلة الأطلسية مباشرة على الأمريكيتين. يتعلق الأمر بفضاء واسع نحو تحالفات أخرى اقتصادية وسياسية وأمنية وعسكرية، على رأسها التحالف والشراكة المغربية الأمريكية القائمة فعلا، لكن هذا الامتداد يحتاج لوجيستيكيا إلى تطور اقتصادي وتكنولوجي وصناعي وقدرة عملية مغربية لعلها في طريق التحقق.

المغرب الليبرالي الديمقراطي الحداثي هو الأساس

ترتبط التحديات التي يواجهها المغرب اليوم كذلك باختياراته السياسية الليبرالية؛ وهي اختيارات لم تمنعه خلال العقدين الأخيرين من تنويع زبائنه وشركائه وأسواقه، وكذا تحيين وتقوية دبلوماسيته في وظيفيتها البراغماتية. هكذا عرفت الدبلوماسية المغربية تغييرا واضحا في آليات اشتغالها وأدوات مقاربتها، منسقة بين الاقتصادي والتجاري والسياسي والروحي والأمني، حسب السياق وحسب المخاطب وحسب الأهداف المتوخاة.

هكذا غدت الأحداث العالمية الكبرى لا تهم المغرب من باب المتابعة في حد ذاتها قصد الوعي بالعالم، بل متابعتها في ما يتعلق بتداعياتها، الظاهرة والخفية، على إستراتيجياته التنموية التي لا فصل بينها وبين هذا السياق العالمي وتطوراته وخريطة تحالفاته وتوزيع خيراته وانتقال ونقل تكنولوجياته، وتطور مواقف القوى الكبرى من كل بؤر الصراع وأسواق الاقتصاد وآليات صناعة الرأي والقوة المالية والتكنولوجية.

مثال عما تنبغي متابعته قمة الرئيسين الأكثر قوة في العالم حتى اليوم: الأمريكي “جو بايدن” والروسي “فلاديمير بوتين”، وما سبقها من قمة أمريكية أوروبية، وما تكشف عنه من توجهات للدول الكبرى في الوضع الجيو-استراتيجي العالمي، وخاصة في مناطق الساحل الإفريقي والمغرب العربي والشرق الأوسط وأوروبا، وهي مناطق نرتبط بها كفضاءات جيوسياسية حيوية، تؤثر على سياساتنا وتنميتنا واستقرارنا عموما، وعلى قضايانا الكبرى السياسية والاقتصادية والترابية.

شيء عن العوائق والموانع في طريق مغرب المستقبل: آلية التجسس

تفجرت منذ مدة قصيرة قضية تجسس الولايات المتحدة على حكومات أوروبا، كما انفضحت أنظمة تجسس إسرائيل على الولايات المتحدة الأمريكية. بسرعة همدت نيران الخبر ولا مضاعفات تبعت ذلك، على الرغم مما تمت تعريته من كون النظام العالمي الليبرالي مبنيا أساسا على التجسس بين الدول وكبريات الشركات والمؤسسات الدولية المالية والإستراتيجية والتكنولوجية والعسكرية والأمنية.

من يملك أقوى شبكات وسائل الإعلام اليوم بإمكانه صناعة الرأي والرأي المضاد، في تناقض صارخ مع المنطق والواقع، بل انسجاما مع ميزان المصالح الإستراتيجية والإيديولوجيات التابعة لعُقَدِ الهيمنة، بل وحتى العنصرية، (التي لا تخلو حتى من نفوس وعقول وثقافات من هم ضحاياها)، التي يرفع الغرب شعار محاربتها وهو صنعها وممارسها وحاميها.

لم يكن العالم يوما، ومازال وسيبقى، يسير ويحيى ويتطور بدون تجسس. إنها حقيقة بسيطة غدت مألوفة إلى درجة أن إثارتها بنوايا قصدية للتضييق على دولة أو مؤسسة، بتنسيق مع جوقة أذرُعٍ إعلامية دولية قوية التمويل والخبرة والدهاء في اختيار التوقيت والسياق، قد تجعل هذه الحقيقة البديهية والقديمة حقيقية و”حدثا” استثنائيا كما يريد أسياد Forbidden Storiesو Amnesty International إيهام الرأي العام العالمي بتطويع من جهات سياسية واقتصادية معينة، تستخدم وتوظف وتسخر إعلاما مغرضا عديم المهنية أو قل سمسارها.

تنبني كل الكتابات، التخييلية منها والأكاديمية والفلسفية التركيبية، وكذا الطروحات النقدية لوسائل التواصل الاجتماعي والتواصل التكنولوجي الحديث، ومنذ بداياته الأولى بل إرهاصاته، تنبني على التكهن والتحذير من الاختراقات المُمكنة والمتزايدة التطور، لحميمية الأفراد، ولسرية معلومات المنظمات والمؤسسات ومكونات المجتمع المدني والمعارضين، بوسائل مُتطورة ما تفتأ تتطور بشكل مذهل، تحت سلطة ورعاية واستعمال نادٍ مغلق، (ككل التكنولوجيات المتقدمة)، نظام عالمي ومُعَولِم، مُتعدد المكاييل حسب المصالح ووفقا لقوة الخصم أو الحليف من ضعفه وتبعيته وخضوعه.

عندما يلاحظ المتتبع أن مثيري قضية التجسس الدولي عن طريق برنامج بيغاسوس هم أساسا تجمع إعلامي، (Forbidden Stories ورئيسها فرنسي يُدعى Laurent Richard، من بين مكوناته هيئات غير مهنية بالمَرَّة)، لا قُوة ولا حول له لتقديم حجج ودلائل مهنية وتقنية وقانونية بمعايير محترفة وقوية المقبولية.. وعندما يُسجل المُلاحظ والدَّارس المتخصص معا الفرق في التغطية الإعلامية بين قنوات تلفزيونية مِهنية مثل BBC الجزيرة CNN… التي أمسكت عن ترديد أسماء الدُّول الثلاثين التي نعتتها شكوك التجمع الإعلامي ومنظمة “أمنستي” الدولية المعروفة بميولاتها السياسية وبمواقفها الإيديولوجية وبتبعيتها للجهات المُمولة، وللمؤثرين من كبار موجهي عملها الحقوقي، وقنوات غير مِهنية صَحافيا وإعلاميا مثل قناة France 24 كنموذج لقنوات فرنسية، وصحف عديدة على رأسها Le Monde، والقنوات الرسمية الجزائرية مثلا، الفضيحة/الحكاية المفبركة، وكل هذه المؤسسات الإعلامية انخرطت بقوة ودون تردد في ضرب كل قرائن البراءة وانتظار نتائج التحقيقات السياسية والتقنية والقانونية، بل وأكثر من ذلك التركيز على دولة أساسا وهي المغرب، من بين ثلاثين دولة مذكورة في التقرير، (يتحدث رئيس كونسورتيوم Forbidden Stories، في استجواب تلفزيوني فرنسي حذر ومتوازن عن كون المكسيك ظهرت لمنظمته بأكثر من 15.000رقم هاتف تتابعه) فإن المُلاحظ يضيف إلى سياق اشتغال المغرب في الحاضر على بناء ذاته المذكورة عناصره أعلاه، عوامل عدوانية ومُغرضة، (ترتبط بالتأكيد بميول إيديولوجية وببقايا جهات استعمارية وعنصرية التوجهات، وبمنافسات غير شريفة.. (متى كانت في السياسة قيم أو أن زمنها ولى على مستوى الصراعات الدولية!))، يعمل المغرب ضمنها على بناء مستقبله الطموح بكل شجاعة وحكمة ورصانة ونضج، سيجعلها تفشل بالتأكيد في تحقيق ما تريد من عرقلة للتوجهات التنموية المغربية في ظل مستقبل ينذر بصعوبات جمة ومتغيرا قاسية في الحياة على كوكبنا.

وبتفصيل إعلامي أكثر فإن الفرق في التغطية الإعلامية لخبر التجسس العالمي عبر برنامج بيغاسوس في القنوات والصحف المذكورة يتبين في الخصائص التالية:

– تكرار إذاعة الخبر يوميا عبر النشرات (الإلحاح)، فكلما تكرر الخبر كلما رسخ في الأذهان وحقق المأمول منه والهدف ضمن خصائص أخرى منها.

– مكانة الخبر ضمن العناوين الأهم من النشرة (تقديمه مع الأخبار الأولى والأهم والأكثر إثارة).

– صياغة الخبر وطريقة تقديمه (صيغة الإثارة والخطورة والجدة والاستثنائية ومنح اسم للمتهم الرئيسي لتجسيد الإثارة وإثارة النعرات وجر جهات أخرى للدعم الإعلامي والانتشار الدعائي).

– الكلمات المفاتيح Key words المستعملة للتعليق على الموضوع، خبرا كان أو حوارات لتحليله، (كلمات اتهامية وتحريضية واستهجانية، تحمل حكم القيمة والإيحاء بصحة الخبر ويقينيته، وربطه بقيم نبيلة كونية تم خرقها: الحرية وحقوق الإنسان في سياقنا هذا)، وذلك على الرغم من أن خبر الاستعمال التجسسي لهذا البرنامج والترويج الإعلامي الممنهج ضعيف الحجج والدلائل، واضح فيه الطابع المصلحي وواضحة الدوافع التي من ورائه تمويلا وصياغة محتويات وتوجها سياسيا.

ثم، ماذا عن غافام GAFAM، (Google, Apple, Facebook, Amazon, Microsoft)، التي غدت أكبر “جاسوس” يجمع معلومات بلايين البشر ويتاجر فيها، إشهارا وتجارة، بل وأمنيا وسياسيا لصالح جهة ما، (بلغ الأمر حد حظر حسابات مسؤولين سياسيين رفيعي المستوى رؤساء وشخصيات عمومية وفنانين كبار ومثقفين بدعوى القيم الكونية، وهو ما لا ينطبق على الجميع، بل وفقا لاعتبارات التحكم في ناصية هذه المؤسسات وولاءاتها الثقافية والعرقية والسياسية وإن ادعت العكس)، رغم كل ما يقال من الحماية القانونية للحميمية وصرامتها في الدول المتقدمة.

عناصر أخرى في نسيج السياق

تتطور العلاقات المغربية الإسرائيلية من منظور يستبعد البعد الإيديولوجي-القومي الذي يلتزم به المغرب بشكل براغماتي ودون ضجيج ولا مزايدات. تعتبر هذه العلاقات علاقات مصلحية جد مهمة إستراتيجيا لكلا الطرفين، يجمعها ما يجمع المغرب وإسرائيل من تاريخ يهودي، وتواجد ثقافي يهودي مغربي في دولة إسرائيل، والبعد الإفريقي الإستراتيجي، والمناوئين الساعين لتصدير قلاقل ونزعات انفصالية ودينية متشددة، وإرهاب منظم ومخطط له يلتقي مع يدعون معاداته أحيانا. هي سلع/أوراق للضغط فيها ما فيها من تجسس وضغوط وتهريب لا يستنكرها أحد ولا يبحث فيها كونسورتيوم ولا منظمات صحافية ولا خدام جهات القوى العالمية تحت يافطة حقوق الإنسان.

وصل العمى السياسي والوعي الشقي القومي السطحي والخلط حد الإشادة والتصفيق بل والفخر بمبادرات “خطابية”، تلقيها دول ترتبط باتفاقيات استخباراتية وعسكرية واقتصادية وسياسية رسمية مع دولة إسرائيل، مقابل إدانات وتنديدات بتطبيع مشروع قطريا، يوازيه تفانٍ صادق ومنتظم وقوي ودائم لقضية يشوبها الكثير من التحريف والاستغلال والتلاعب الديماغوجي والإيديولوجي العقيم والخبيث في الكثير من الأحيان.

إن استغلال ورقة تطبيع المغرب مع إسرائيل لإدانته والتضييق عليه، وعرقلة تطوره وتقوية العدوانيات ضده، لمن أهم العناصر المستجدة في السياق العام الذي يميز مسيرة المغرب نحو التنمية والتقدم.

الانتخابات البلدية والتشريعية المقبلة، والمرتقب منها في سياق تغيير وجه الأداء السياسي بالمغرب على كل المستويات، وتقوية دولة الحق والقانون والحكامة والقيم، ومواجهة بل وتحدي “الهيجان” الدبلوماسي والإعلامي الرسمي للدول التي تعادي المغرب كليا وتاريخيا من جهة، وتلك التي تحمل ضمن مكوناتها أعداء مبدئيين للمملكة ولكل ما يماثل عراقتها واستقرارها واعتدادها بكرامتها، هذه الانتخابات المقبلة سيكون لها أثر مباشر وقوي على مستقبل المغرب وما يسعى إليه من بناء لدولة ومجتمع قويين واعيين بما سبق ذكره من سياق، وكيف يمكن تجاوزه وتحويله لطاقة إيجابية للتقدم، وليس لعرقلة مسيرة البلاد التحديثية.

يتعلق الأمر بفرصة لتجديد نخب أدت دورها ولا تصلح البتة للآني ولا للقادم والسياقات، والتخلص من أكثريتها المنغلقة والمهترئة التي أصبحت عالة على تسارع التقدم وما يتطلب من آليات عمل وتفكير وتدبير وتنفيذ على كل المستويات، في تناسق بين كل قطاعات العمل الحكومي والعمومي، المنتخب منها على وجه الخصوص.

للتحديث نخبه التي لم يستطع المغرب ولا المجتمع المدني والأحزاب أساسا إفرازها ورعايتها وتمكينها من المواقع الملائمة لتحقيق التغيير المنشود والضروري لعملية التحديث الواسعة التي يعرفها المغرب منذ عشريتين: إن الانتخابات موعد لا ينبغي إهداره والتردد فيه لمواصلة مواجهة تحديات السياق الذي يواجه المغرب في مسيرته التحديثية الجديدة والمتجددة.

سياق الإعلام والثقافة والفنون: بين الصناعي العامي والنخبوي/القاطرة

لا شيء يعلو على الفرجة وقوة الكم والشَّحن، وما يُثير ويستفِز المشاعر الحيوانية البدائية، من خوفٍ وحبٍّ وكراهية وعنف وأحلام يقظة ترتبط بالحرمان، وبالتالي اللذة بأثر عكسي. هذا هو الطابع العام للسِّياق الإعلامي التواصلي الجماهيري، والثقافي الفني اللذين يشكلان خصائص هذا الحقل، ضمن سياق مسيرة المغرب اليوم، وذلك هو منطق الميديوكراسيا الإعلامية والتواصلية البصرية أو لنقل السمعية البصرية لأن لا بصريا دون سمعي.
لهذا نادينا منذ أكثر من عقدين على الأقل بضرورة إدماج الإعلام والصناعات الثقافية والفنية، بالمعنى العامي والاستهلاكي الجماهيري الحِرَفي، (من الحِرَف)، والنخبوي الإبداعي الجمالي الرفيع، في الإستراتيجيات السياسية التحديثية لمغرب القرن الواحد والعشرين، فهي رافعة جوهرية وآلية مندمجة لتنفيذ الأهداف والغايات الداخلية والخارجية في بناء المغرب الحداثي القوي إقليميا.

في حوار له مع مجلة Le Point (نشر بتاريخ 16 يناير 2016)، وانطلاقا من كتابه الشهير La Mediocratie””، صرح الفيلسوف الكيبيكي Alain Deneault منتقدا عالم اليوم بمفارقاته، حيث أصبحت “الوسائل هي القاعدة في ظل تحول المِهَن” في عمقها وغناها الثقافي، بما تعنيه من ميول ومحبة وانفتاح على الإبداع وتطوير الإنتاج والحياة في بعدها الإنساني، إلى مجرد “شُغلٍ” شبه آلي، يختصر كل شيء في الحياة، في الربح والكسب المادي والكمي السِّلعي. بهذا المنطق تكون المعرفة والرِّضا عن الذات والرغبة في الإتقان بتأنٍّ مُخاطرة. أمَّا العواطف والوجدان فهي شيء مُخيفٌ لا يشكل فكرة جيدة في شبكة العلاقات وتدبير الحياة. هكذا استولى الابتذال وانعدام الذكاء على حياة الأفراد والمجتمعات، كما استولى متوسطو القدرات على السلطة في كل شيء وفي كل ميادين الثقافة والإعلام بمستوياته الجديدة: صناعة المحتوى وأشكال صناعة الفرجة وما تسمى بالفنون العامية الأكثر تلاؤما وقانون السوق بالمعنى القيم المادية الاستهلاكية.

إن ما يُلاحظ وما يحدُث في حقول الفكر والفنون والثقافة والسياسة والإعلام ذاته كمسوق لهذه الإنتاجات والسلوكيات والنماذج، سواء من حيث الكم أو من حيث الكيف، فكلاهما في تراجع مريع بل وموت إكلينيكي ينذر بسيطرة شاملة للمتوسط والاعتيادي، بل وللرديء، هذا الذي يحدث ليس سوى جزء من مظاهر متعددة لظاهرة واحدة، انتشرت كالنار في الهشيم وأثَّرت عموديا وأفقيا في النسيج الاجتماعي بشكل واضح في جل مظاهر الحياة اليومية الاجتماعية منها والسياسية، إنها ظاهرة انتشار وتقوية سلطة الاعتيادي والمتوسط والرديء، على حساب الذكاء والمعرفة والقدرة والملائمة والتفوق والاستحقاق والعمل الجاد والتخصص العملي.

راهن الكثير من السياسيين والإستراتيجيين والمثقفين مع نهاية القرن الماضي بالمغرب وهو يتحرك نحو تغيرات قوية، راهنوا على الفكرة التالية: إن تعميم الولوج إلى الإنترنت وما تزخر به من عوالم ومعلومات ومعرفة وتعدد لوجهات النظر وتنوع في الآراء إلخ، وأن دمقرطة وسائل الارتباط بها وبما تعج به من إمكانيات للتواصل الاجتماعي والتعبير عن الرأي ومخاطبة العموم بكل يسر ودون شروط، سيكون رافعة لتقدم واتساع ظاهرة الوعي الاجتماعي والسياسي، وبأنه سيكون عاملا قويا للوعي بالقيم وبأهميتها في الحياة المُجتمعية.

يولد الكمُّ الرداءة وليس الكيف عند انعدام شروط الديالكتيك،

ذلك ما راهن عليه، على سبيل المثال، وزراء للثقافة في ما يخُصُّ المسرح والكتاب والتظاهرات الثقافية، ومُدراء لقطاع السينما في ما يخص السينما الوطنية، ومسؤولون متوالون عن الإعلام التلفزيوني ووكالة الإعلام المغربية العمومية في ما يخص نمو الإنتاج الوطني بكل أنواعه، وامتلاك مصدر خبر وطني قوي وفعال وإجرائي.

من الأكيد أننا أمام فرضية (الكم يُولِّد الكيف) تصلح منطلقا وإطارا منهجيا ونظريا ومفاهيميا لبحث أكاديمي رصين، ضمن سيَّاقِ دراساتِ الثقافة البصرية والسياسية التي نحتاجها بإلحاح في دولتنا وفي مجتمعنا. لكن سياق هذا التأمل الذي نقدمه في هذه المقالة سيكتفي بملاحظات طويلة الأمد لما أصبح يشكل أدوات “حادة” لتكريس ثقافة تعادي العقلانية، وترفض المنطق الرياضي الحديث، (تعدد القيم وندرة الزمن)، وتضرب صفحا عن قيم الحداثة والديمقراطية، وما يرتبط بها من وعي بيئي ونسائي وجندري اجتماعي وسياسي ومدني.

في سياقات مثل هذه تصبح آلات تكنولوجية مثل Smart TV وSmart Phone، ناهيك عن سيارات تحمل رمزية عالية على الحداثة مثل Mercedes Benz وBMW وPorsche هي لا نذكر أرفع منها كآليات “Global connection”، تصبح هذه التكنولوجيات في مجتمعاتنا مجرد أدوات لتكريس ثقافة تقليدية معادية للتحديث وللعقلانية، بل والعمل بشكل حثيث على تطويرها إلى ثقافة هجينة، تسترجع الذكورة والأبوية والتمييز، وقيم الاتكال والكسل والسعي إلى السهل والمُريح والمجاني، والتشجيع على انتشار وتعميم التبسيطي والسطحي من معايير النجاح وتحقيق الذات، وتكريس إفراغٍ مُمنهَجٍ لقِيَم المُثابرة والإبداع والتحصيل والاجتهاد والبحث والتجريب والدراسة والفكر والثقافة الرصينة.

من سياقات بناء المغرب اليوم لمجتمع ودولة قويين أن أصبح الإعلام وشاشاته ومنصاته واجهة تفضح الوضع المُتَّسِم عموما بسيادة “الأواني النحاسية” التي تُصِرُّ على ملء مشهدنا الإعلامي والتواصلي الجماهيري والسياسي ضجيجا (سقراط). أما التربية من البيت حتى الجامعة مرورا بالمدرسة والجمعية والحزب والنقابة، حيث نسجل مع الدراسات السوسيولوجية والبيداغوجية والسياسية والاقتصادية، وطنيا ودوليا من خلال تقارير معروفة، (التقارير السنوية المُتتالية لـ: المجلس الأعلى للتعليم، المندوبية السامية للتخطيط، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، البنك الدولي، بنك المغرب، المجلي الأعلى للحسابات…)، نُسجِّل انحسار أدوارها في التأطير والتوعية القيمية والتنشئة الاجتماعية. إن هذه الأطر التنظيمية والتربوية هي المصنع الحقيقي لما سبق من مستويات الوعي الاعتيادية والرديئة، مع تحولات المجتمع الرأسمالي واقتصاد السوق الليبرالية الجديدة ومساراتها، التي لا هم إنسانيا أو قيميا لها إلا بمقدار تهديد مصالحها بشكل موجع، عندها فقط قد تتراجع نحو دروب الفكر والفلسفة والجمال ومباحث الميتافيزيقا وإلى حينٍ فقط.

لماذا يحدث، وبتسارع في المغرب انتشار واسع لهذا المستوى من الوعي المدني والثقافي والسياسي والجمالي المتدني؟.

لعل في غياب إدماج حقيقي، بل والإصرار على تهميش أي إدماج إستراتيجي للإعلام والثقافة والفنون في قلب إستراتيجيات التنمية والتحديث على قدم المساواة مع إستراتيجية تشييد البنيات التحتية الكبرى، علما أن البنيات الإستراتيجية لكيان منتج

وقيمي رفيع نخبوي من جهة، وصناعي عامي وواسع الانتشار من جهة ثانية، لا يقل أهمية وإنتاجية (ويقل تكلفة بكثير)، وبرسالة تواصلية وإعلامية ودعائية ودبلوماسية قوية لا قبل للبنيات التحتية بها.
ألا يكفي الانتباه إلى الدور الذي تقوم بها السينما والتلفزيون ومنصات التواصل الرقمي الإخبارية والثقافية والفنية بالنسبة لدول مؤثرة عالميا ومنها على سبيل المثال: الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، فرنسا، تركيا، قطر، الهند، كوريا الجنوبية، البرازيل، الأرجنتين، المكسيك، اسبانيا، المملكة المتحدة، استراليا، كندا…؟.

ظهرت القدرات المتوسطة وانتشرت تدريجيا عبر العالم عندما ساهم تقسيم العمل وتصنيعه – يدويًا وفكريًا – في صعود القوة المتواضعة. هكذا تحولت “التجارة” إلى “العمالة”، فأصبح الشغل مع التطور الآلي مُوحدًا (فيلم Modern Times لشارلي شابلن مقاربة عميقة رغم شكلها الفني). أصبح المرء يقضي ساعات يوميا في إعداد وجبات الطعام المتسلسلة دون أن يكون قادرًا على إعداد الطعام في المنزل، أو بيع الكتب والصحف دون القدرة على قراءتها شخصيا. هكذا بدأ العمل المتقن والمتميز يختفي ومعه تحقيق الذات والقدرة على الابتكار، (Alain Deneault, La Mediocratie).

يشرح ماركس ذلك جيدًا في مقدمته العامة لنقد الاقتصاد السياسي عندما يحلل كيف يصبح العمل فاقدا لأي قيمة باللامبالاة وجعله روتينيا استغلاليا خاضعا لمنطق القوت والربح. يفقد العامل المتقن قيمته ويصبح معادلا لآلة روتينية يمكن استبدالها في أي لحظة، وبالتالي العامل ذاته. هكذا ظهر “المتوسط” في شكل ماكر تحت حماية من يوظفونه من المتوسطين، ليشق الاثنان طريقهما بين المستحقين والأكفاء، رغم من اختلاف القدرات الشديد بينهم، (ماكس فيبر، ماغنوس، لورانس بيتر).

ها قد أصبح “المتوسط”، كي لا نقول الرديء، ​​مرجعية محاصرةً تجد مقاومة معقولة لها في النظام العالمي والمهيمنين عليه، كما أنه أصبح مرجعية كذلك في عالم ننتمي إليه ضعيفة فيه المقاومة والتعويض ومحاصرته، بسبب ضعف مناعة وجود الكتاب والفكر والإعلام القوي المواطن الحريص على القيم والإبداع والمهنية والتجديد، وبسبب ضعف الصناعات الثقافية القوية الحضور المُؤطرة للأجيال الصاعدة، وضعف بنيات الثقافة والفنون النخبوية الحريصة على إيجاد الخلف/القاطرة، في رسم الصورة العالمية للمغرب، وعلى صيانة الذاكرة الجمعية وتوفير القدوة والنموذج الأصيل الفريد والخالد.

يحدث هذا في بلادنا على الرغم من أن الاشتغال على الإستراتيجيات الكبرى لمغرب اليوم والمستقبل تنعم بحرية وتحرر من هذا المُتوسط الذي يكتم أنفاس العمل الشَّغوف والإنجاز المُتحرر من قوانين السوق، وهي القوانين التي لم ترق لدينا إلى سوق مهنية ومحترفة المعايير، تساير حاجات الإستراتيجية الكبرى إلى، ليس مواكبة الإعلام والثقافة والفنون على الهامش، بل إلى جعلها قادرة على الفعل في قلبها ومعها على تطعيم وتقوية آليات مقاومة سياقات صعبة تتجدد باستمرار، انطلاقا من الموقع الجيو-استراتيجي والجيو-سياسي لمغرب صاعد طموح وقادر.

هذه بعض من السياقات التي يشتغل فيها المغرب المخطط والإستراتيجي، وهي تستدعي حفرا مستمرا يسار التحولات المتسارعة التي تتجدد باستمرار بفعل حركية عالم يتغير بتطور قواه وسياقاته الطبيعية والاقتصادية والسياسية. يظل الرهان على توازي مسارات السياسات العمومية من التحتي إلى الفوقي، ومن العمودي إلى الأفقي أساسية في منظورنا في عالم لن يستغني أبدا عن الثقافة والفن والفكر في صناعة مجتمع متلاحم وعيا وقيما وقوة مادية.

المصدر : هسبريس بتاريخ 31 جويلية 2021

لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق