دراسات

تواجد “الفاغنر” في افريقيا: هل هو ذو طبيعة تكتيكية/مرحلية، أم لأهداف استراتيجية روسية؟ (ج1)

علي عبداللطيف اللافيكاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

** تمهيد

  •  بَرز اسم شركة “فاغنر” لأول مرة سنة 2014 أثناء القتال في شرق أوكرانيا ثم ذاع صيتها مع مشاركة عناصرها في أعمال القتال والتدريب والحراسة في عدة دول مثل سوريا وليبيا والسودان وإفريقيا الوسطى ودول افريقية أخرى…

 

  • حَتَّى بداية 2021 أكد العديد من المتابعين أن الشركات الروسية الأمنية الخاصة وعلى قلتها نشطة بشكل كبير وهي تختلف عن نظائرها في أميركا ودول أوروبا الغربية من عدة جوانب، وهي لا تُحظى موضوعيا حتى الآن بأي مشروعية قانونية لا داخل روسيا ولا خارجها بل هي تنخرط في أعمال قتالية هجومية بخلاف الشركات الغربية التي يُحظر عليها القيام بعمليات هجومية، ولكن أغلب الشركات الروسية لها دوافع أيديولوجية أكثر من نظيرتها الغربية ذلك أنها تنشط فعليا ضمن توجيهات الأجهزة الأمنية الروسية، وليس وفق قواعد السوق التي تعمل ضمنها الشركات الغربية كما هو معلوم.

 

  • وبناء على ما سبق وما أكدته التطورات في عدد من البلدان الافريقية، فان دراسة الحال تحاول أن تُجيب على بعض أسئلة طرحتها النخب السياسية الإفريقية وخاصة تلك المتعلقة بجذور نشأة شركة “فاغنر” وأنشطتها الخارجية وحدود تأثيرها الميداني، ومن ثم الإجابة على سؤال رئيسي طرحه العديد من الزعماء والعسكريين الأفارقة وهو: هل أن قوات “الفاغنر” وظيفية ومرحلية بالأساس أي أنها تكتيكية الأهداف لا غير، أم أن كل ذلك هو ترتيب عملي لاستراتيجيات روسية وأخرى دولية بعيدة المدى؟

*** جُذور “الفاغنر” وبقية الشركات الأمنية الخاصة

 

أولا-الشركات الأمنية الخاصة وجُذورها في العالم واساسا في روسيا  

  • جذور الشركات الأمنية الخاصة في العالم تَتَّسم بالغموض وبالتورية والتغطية بل وخلق روايات تضليلية عديدة، ولا يمكن لـــــــ”فاغنر” موضوعيا وبناء عل استقراء الأحداث في السودان وليبيا وسوريا إلا أن تكون كذلك، وما هو ثابت وأكيد أنه غير معترف بها رسميا لا في داخل روسيا ولا في خارجها…

 

  • فعليا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أصدر الرئيس “يلتسين” عدة مراسيم مهدت الطريق لاستعادة العلاقة بين “القوزاق” والدولة الروسية، فضمن لهم وضع “دولة أرخبيل” داخل روسيا تتكون من 12 منطقة اتحادية يرأسها مجلس مسؤول أمام الرئيس مباشرة، وفي سنة 1995 مُنح القوقاز أيضا الحق في تأسيس شركات أمنية خاصة.

 

  • بعد توليه السلطة روج “فلاديمير بوتين” لشجاعة القوزاق وإيمانهم الأرثوذكسي وتمسكهم بالقيم المحافظة والولاء للدولة الروسية، وأعربوا هم في المقابل عن دعمهم القوي له فصدر قانون في 2005 تحت اسم “القوزاق الروس في خدمة الدولة” والذي سمح لأكثر من 600 ألف منهم بالقيام بوظائف مختلفة عادة ما تسيطر عليها الدولة، وضم تحديدا المهام التالية:

 

  • مكافحة الإرهاب، وحماية مباني الحكومة المحلية والمواقع الإدارية…
  • إنشاء “فوج القوزاق الجديد” في الجيش، وإنشاء مدارس “القوزاق” العسكرية.
  • الحق في الدفاع عن المناطق الحدودية، وحراسة الغابات، وتنظيم التدريب العسكري للطلاب الصغار…

 

  • فعليا نفذ “القوزاق” المهام التي فضلت السلطات الرسمية تجنب القيام بها مثل تهجير الأقلية العرقية التركية من جنوب “كراسنودار” في عام 2005، كما عملوا كمرتزقة خلال القتال في “أبخازيا” و”أوسيتيا” الجنوبية و”الشيشان” و”يوغوسلافيا” السابقة، ولعبوا دوراً مهماً في الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم وكذلك في الحرب بشرق أوكرانيا، وعمليا أمكن توظيف الشركات العسكرية والأمنية الخاصة لتحقيق مصالح موسكو المتعلقة بدعم الأنظمة الحليفة في مواجهة الثورات والتمردات، وهو ما عبر عنه “بوتين” واصفا الشركات العسكرية والأمنية الخاصة بأنها (أداة لتحقيق المصالح الوطنية حيث لا يتعين على الدولة نفسها الانخراط في الصراع)…

 

  • تم من خلال الشركات الخاصة تجنب المخاطرة بأرواح الجنود الروس في عمليات غير مرتبطة مباشرة بالدفاع عن البلاد في ظل حساسية الروس تجاه تكبد خسائر كبيرة منذ تجربة غزو أفغانستان عام 1979. وقد “أشار استطلاع للرأي أجراه مركز ليفادا في أكتوبر 2015 عند بدء العمليات الروسية في سوريا إلى أنه بالرغم من دعم أكثر من 50% من الروس لسياسة بلدهم تجاه سوريا فإن 19% فقط كانوا على استعداد لدعم إرسال جنود على الأرض فعادة لا يحظى متعاقدو الشركات الخاصة بتعاطف عند مقتلهم في ظل نظرة الشعب لهم بأنهم يتلقون أجوراً عالية مقابل الأعمال التي اشتركوا بها طواعية[1]

  • أعقب سقوط وتفكك الاتحاد السوفيتي تسريح عدد كبير من العسكريين والأمنيين الذين اتجهوا إلى تأسيس شركات أمنية وعسكرية، حيث توجد حوالي 20,000 شركة حماية خاصة في روسيا، وقرابة 4,000 شركة أمنية خاصة، وما بين 10 إلى 20 شركة عسكرية خاصة …

 

  • ثانيا-جذور “الفاغنر”:

 

  • تعود جذور شركة “فاغنر” إلى شركة أوريل (Orel) لمكافحة الإرهاب التي تأسست رسميا في مدينة “أوريل” في عام 2003 باعتبارها “مركزاً للتعليم والتدريب غير الحكومي”. وتلك الشركة أسسها أفراد متقاعدين من القوات الخاصة، ووفقا للدراسات الرصدية وقعت تلك الشركة عقودا مع شركات مدنية روسية مختلفة لحماية عملياتها التجارية في العراق. وانبثقت عن شركة أوريل (Orel) عدة شركات من أبرزها شركة تدعى (مجموعة “موران” للأمن) مسجلة رسميا في عام 2011، وتقول في موقعها أنها تقدم خدمات الحماية في المجال البحري بما في ذلك الحراسة المسلحة للسفن، ولديها أنشطة في أفريقيا الوسطى وكينيا ونيجيريا، وعدد من السفن البحرية الخاصة بها المسجلة في جزر “الكوك”[2].

 

  • عمليا تصدرت “موران” واجهة الأخبار في روسيا عندما ألقت الحكومة النيجيرية القبض على تسعة من حراسها الروس خلال غارة على سفينتهم في ميناء لاغوس في أكتوبر 2012 بتهمة امتلاك أسلحة بشكل غير قانوني، وأُطلق سراحهم بكفالة السفارة الروسية في نيجيريا، وسُمح لهم بالمغادرة والعودة إلى ديارهم في أكتوبر 2013 ، وفي نفس الشهر (أي أكتوبر 2013) طلبت الحكومة السورية من مجموعة “موران” للأمن) المساعدة في استعادة السيطرة على البُنية التحتية للنفط والغاز التي استولى عليها تنظيم الدولة الإسلامية، وذلك قبل عامين من دخول روسيا بشكل رسمي في الصراع السوري. وللقيام بتلك المهمة أسست (مجموعة موران للأمن) شركة فرعية في هونج كونج تُسمى “الفيالق السلافية” (Slavonic-Corpus) يمتلكها “فاديم جوسيف” (أي نائب مدير مجموعة موران)[3]

 

  • لاحقا أرسلت شركة الفيالق السلافية 267 مقاتلا إلى سوريا، لكنهم لم ينجحوا في مهمتهم، وعند عودتهم إلى روسيا اُعتقل مالك الشركة “جوسيف” وأحد مساعديه، وأُدينا بتهمة إدارة مجموعات مرتزقة بموجب المادة 359 من القانون الجنائي الروسي، وحُكم عليهما بالسجن ثلاث سنوات، ويبدو أنهما ذهبا ضحية صراعات الأجهزة الأمنية الروسية، وفي تلك الأجواء ظهر اسم ضابط الاستخبارات العسكرية ديمتري أوتكين المولود في عام 1970، شارك “أوتكين” في حربي الشيشان الأولى والثانية، ثم انتقل في عام 2000 إلى بلدة “بيتشوري” بالقرب من الحدود الإستونية، حيث خدم كقائد لفرقة العمليات الخاصة (سبستيناز) في اللواء الثاني التابع للمخابرات العسكرية الروسية، وقد غادر أوتكين الخدمة في عام 2013، وعمل ضمن (مجموعة موران للأمن)، وشارك في بعثة شركة الفيالق السلافية إلى سوريا لكن لم يُقبض عليه عقب عودته إلى روسيا…

 

 ثالثا – تأسيس فاغنر وانشطتها الأولى

 

  • أسس “أوتكين” شركة فاغنر في عام 2014 على اسم الموسيقار الألماني ريتشارد فاغنر(1813-1883) الذي يعشق موسيقاه. وقد ظهر أوتكين في بث فيديو لحفل استقبال أُقيم في الكرملين في 9 ديسمبر 2016. وبعد أن أنكر الكرملين في البداية أي معرفة بوجود أوتكين، أقر السكرتير الصحفي لبوتين ديمتري بيسكوف في النهاية أن أوتكين حضر حفل تكريم للعسكريين السابقين في الكرملين[18].

 

  • ظهرت “فاغنر” لأول مرة بالمشهد العام في شرق أوكرانيا في مارس 2014 في وقت كان فيه الكرملين بحاجة إلى خوض الحرب هناك بشكل سري لتخفيف الضغوط الدولية ضده. نشطت فاغنر في جزيرة القرم ودونباس ولوهانسك، وخاضت معارك ضارية ضد القوات الأوكرانية، ورصد يومها جهاز الاستخبارات الأوكرانية (SBU) في فيفري/فبراير 2015 مكالمات هاتفية بين “أوتكين” و”أوليج إيفانيكوف” (أحد كبار ضباط الاستخبارات العسكرية الروسية) بخصوص التقدم المحرز في الأنشطة العسكرية في شرق أوكرانيا…

 

  • بعد تراجع القتال في أوكرانيا، نُقل عناصر فاغنر سنة 2015 إلى قاعدة تدريب سرية في “مولينكو” بمنطقة “كراسنودار” بجوار منشأة تدريب تابعة للقوات الخاصة العاملة ضمن اللواء العاشر في الاستخبارات العسكرية (GRU) في جنوب روسيا، وظل “أوتكين” يقود فاغنر عسكريا في حين بدأ دورها يتوسع بمرور الوقت في سوريا حيث استفاد عناصرها من القواعد العسكرية الروسية والشبكات اللوجستية الموجودة هناك[4]

 

  • في تلك الفترة برز أيضا دور رجل الأعمال “يفجيني بريغوزين” أي كممول ورئيس لفاغنر في حين لم يتعد دور “أوتكين” جانب القيادة الفنية والميدانية، ومن الملفت للنظر أنه لا توجد أي خلفية عسكرية أو أمنية “لبريغوزين”، والمعلومات المتوافرة عنه تذكر أنه بعد قضائه فترة في السجن بتهمة السرقة والاحتيال في أواخر الحقبة السوفيتية، أصبح صاحب مطعم يدير مطاعم راقية في مدينة سانت بطرسبرج التي عمل فيها بوتين. وبحلول منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد استضافته لبوتين في مطاعمه، بدأ “بريغوزين” يشق طريقه إلى دائرة الرئيس، ليتمكن في نهاية المطاف من أن يصبح متعهدا لتوريد الطعام إلى الكرملين ويشتهر بلقب “طباخ بوتين، ولاحقا توسع نشاط الرجل ليشمل توريد الطعام إلى الجيش والشرطة والمدارس والمرضى في المستشفيات مقابل مدفوعات ضخمة تقدر بما لا يقل عن 3 مليارات دولار …

 

  • بخصوص تمويل “بريغوزين” لفاغنر يمكن القول أنه تم بناء على أنه وفر عدة مزايا للكرملين، وبالتالي أصبحت تحت يده قوة مرتزقة دون الحاجة إلى دفع تكاليف عملها، ففي سوريا مثلا تكفل النظام السوري بدفع تكاليف الخدمات العسكرية التي تقدمها شركة “فاغنر” عبر منحها ربع أرباح حقول النفط والغاز التي تحرسها الشركة أو تستعيدها من خصوم النظام، وعمليا استخدم الكرملين “فاغنر” لتحقيق أهدافه دون أن يتحمل تبعات أفعالها، حيث صورهم على أنهم متطوعون لا علاقة لهم بالدولة، وفي تحقيق مشترك أجراه موقع (Bellingcat) مع موقع (The-Insider) ومجلة دير شبيغل الألمانية، وتضمن تحليل رسائل بريد إلكتروني لأحد مساعدي بريغوزين سربتها في عام 2015 مجموعة القرصنة الروسية “Shaltai Boltay”، واحتوت على سجلات فواتير هاتف لبريغوزين، تبين أنه اتصل وأرسل رسائل نصية إلى ديمتري بيسكوف مستشار بوتين والمتحدث باسمه بما مجموعه 144 مرة. كما تواصل مع أنطون فاينو رئيس موظفي بوتين ما مجموعه 99 مرة.  وكذلك تواصل 54 مرة مع إيجور ديفيكين نائب رئيس موظفي بوتين، كما تحدث بريغوزين 31 مرة مع نائب وزير الدفاع بولجاكوف المسؤول عن الخدمات اللوجستية في الجيش، وتحدث 3 مرات مع يوري أوشاكوف سفير روسيا السابق لدى الولايات المتحدة وكبير مستشاري بوتين في قضايا السياسة الخارجية، وهو ما يعني أن بريغوزين ليس مجرد متعهد لتوريد الطعام إنما هو جزء من الحلقة المقربة من بوتين[5]

 

  • أجواء السرية المحيطة بفاغنر تجعل من الصعب تحديد هوية أعضائها وعددهم الإجمالي وقدراتهم بشكل دقيق. فمعظم المتوافر عنهم يعود إلى تحقيقات استقصائية لصحافيين روس. وتشير تلك التحقيقات إلى أن عدد عناصر فاغنر يتراوح بين 3,600 إلى 5,000 مقاتل جلهم من المواطنين الروس (معظمهم من أصل روسي وقوزاق، وقلة من أوكرانيا وأرمينيا ومولدوفيا وجورجيا وروسيا البيضاء)، ومن خلال شبكات العلاقات للعسكريين السابقين يتم ترشيح أفراد يذهبون إلى قاعدة “فاغنر” في جنوب روسيا للاختبار، وفي حالة الموافقة على تجنيدهم، يوقعون عقودا قصيرة الأجل قابلة للتجديد لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر. وتتراوح أعمار المقاتلين من أوائل العشرينات إلى منتصف الخمسينيات. وينخرط أغلب عناصر فاغنر في العمل بدافع جني الأموال حيث يحصلون على أجور أعلى مما يدفعه الجيش الروسي، ففي حين بلغ متوسط أجر عناصر فاغنر شهريا في عام 2017 قرابة 240 ألف روبل، بلغ متوسط الأجر في روسيا 39 ألف روبل، ورغم أنه تُحَرك بعض عناصر فاغنر دوافع قومية فلا توجد عقيدة أيديولوجية واضحة تحرك عناصر الشركة ككل…

[1]  نقلا عن دراسة “للمعهد المصري للدراسات” تحت عنوان “شركة فاغنر الروسية النشأة والدور والتأثير” (وهي من تأليف ‘أحمد مولانا’) وقد نشرت الدراسة في كتيب بنفس العنوان بتاريخ 03 فيفري 2021

 

[2]  أنظر دراسة “جنود للإيجار: التاريخ السري لعلاقات فاغنر وروسيا” الجزيرة. نت منشورة بتاريخ 24-10-2020

[3]  أنظر دراسة “المعهد المصري للدراسات” (المذكورة في الهامش الأول) – بتصرف-

[4]  نفس المصدر السابق ص 16

[5]  نفس الصدر السابق ص 19 -نقلا عن مصادر أجنبية-

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق