دراساتسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيامصر

مصر: السيسي والاخوان،هل أصبحت لُعبة التصالح بين النقيضين واردة؟ (ج1)

علي عبداللطيف اللافي – كاتب مختص في الشؤون الافريقية

 

** تمهيد

1- بعض المُطلعين على خفايا العلاقات الأمريكية المصرية وعلى أسرار الاستراتيجيات الغربية لا يرون في الرئيس المصري الحالي “عبدالفتاح السيسي” سوى واجهة مُؤقتة ومرحلية لا استراتيجيةلفرملة الاخوان وتحويلهم لنسخة مُماثلة لحزبي “العدالة والتنمية” المغربي و”النهضة” التونسي” والقائمة على منطق القبول بجزء من خيارات وسياسيات واقعية على الأرض…

 

2- لا يختلف اثنان في أن طبيعة نظام “السيسي” يلعب هو والراغبين في بقائه – أي المستفيدين من مجيئه واستمرار منظومته السياسية والاجتماعية-على هوامش السياسات الدولية عبر خدمات وظيفية لأطراف ومحافل دولية وشركات عابرة للقارات وضمن إطار سياسات أنظمة روسيا وفرنسا وللإمارات والسعودية، وليس معنى ذلك أن الدولة المصرية ليست مستفيدة استراتيجيا من بعض تلك الأدوار الإقليمية…

 

3- رد البعض من المتابعين للتطورات في مصر سنة 2018 على مبادرة الناشط السياسي “كمال الهلباوي” (قيادي سابق في الاخوان ومقرب من الإيرانيين منذ أكثر من عشر سنوات) للمصالحة بين نظام “السيسي” و”الإخوان المسلمين”،بطرح سؤال على غاية في الأهمية وهو: هل يحتاج الإخوان إلى مصالحة؟ ومع من تحديدا؟، وهو سؤال يحيلنا الى فهم ديناميكي واستراتيجي لمستقبل التيار الإسلامي في العالم العربي…

4- الحقيقةعلى أرض الواقع هي أن نظام “السيسي”يحتاج فعليا إلى إرساء مصالحة مع الإخوان المسلمين ذلك أن غيابهم لم يستطع أي حزب آخر ملؤه، كما أن تواصل غيابهم سيعني مستقبلا اختلال الموازين وخاصة في مواجهة سلطة الجيش -أي الحاكم الحقيقيوالمتحكم في كل دواليب الدولة بما في ذلك الاقتصادية -باعتبار أن “السيسي”هو فعليا واجهة مؤقتة لا غير، وهناك تقارير غربية تؤكد أن مصر تغرق كل يوم في عبثية متراكمة منذ سنة 2014 والغريب أن نظام “السيسي” يعي جيدا رغم منطق التجميل والواجهات والدعاية له في مصر وخارجها أنه يغرق…

 

5- نظام“السيسي”يحتاج فعليا إلى كل صوت يدفع نحو المصالحة، ذلك أمر لا جدال فيه ولكن على شرط أن تكون على مقاسه، وإن لم يجد فسيدفع بمن يطرحها، كما دفع سابقا بـــــــ”عماد أديب” ثم “كمال الهلباوي” وهاهو اليوم يستغل تَغيَّر المعادلات الإقليمية ليطرحه بأشكال مختلفة ومعلوم أنه دفع ببعض الوجوه في وقت سابق ليوهمنا بأنه لا يحتاج إلى أية مصالح بحجة أنه الأقوى وصاحب السيطرة، وهو في أشد الحاجة إليها، لكي يستمر.

 

6- يُجيب مقال/قراءة/دراسة الحال على أسئلة عدة من بينها:

 

  • هلأن لعبة المتغيرات الاقليمية والدولية ستفرض المصالحة بين الاخوان ونظام “السيسي”، وكيف سيُكيف النظام نفسه ويقنع أنصاره وحلفائه في الداخل والخارج بذلك؟
  • هل يمكن ان يقبل النظام وآلياته ومكوناته المصالحة مع معارضيه وعلى رأسهم الاخوان وذراعهم السياسية أي “حزب العدالة والحرية”، وهل هو في موقع املاء شروطه في ظل المعادلات الجديدة في المنطقة؟
  • هل سيرحل “السيسي” أم سيرحل كل نظامه، أم ان المعادلات ستؤجل ذلك الى ما بعد 2024 أو ربما الى 2028 وما هي استراتيجيا “الاخوان” في العودة، وبناء على أي مراجعات؟، وأي عقل سياسي يقطع مع رؤية وفعل سنتي 2011 و2012؟ وهل ستثبت الوقائع أن “الاخوان” أكثر فطنة من حزبي “النهضة” التونسي و”العدالة والتنمية” المغربي؟

 

** الدوافع الاقليمية والدولية والتي ستدفع للمصالحة بين الطرفين

 

1- الثابت أن السياسات الامريكية الراهنة بما هي مراحل تنزيل للاستراتيجيات الأمريكية والغربية بعيدة المدى تقوم على التوازن الإقليمي بين أنقرة والقاهرة،خاصة وأن العاصمتين الآن هما بصدد التقارب غير المفهوم للعديد من المتابعين، ومن استتباعاتكل ذلك هو جنوح النظام المصري للواقعية السياسية والمضي في التصالح مع معارضيه وأوالهم الاخوان وقبل ذلك احترام الحريات وحقوق الانسان…

 

2- الأمريكيون والألمان والايطاليون وكل القوى الغربية والدولية لم ولن تهمهم الا مصالحهم وبالتالي فان تحويل قضايا الشرق الأوسط وشمال افريقيا الى قضايا “نائمة” وإعطاء أولوية لملفات “ايران” و”وروسيا” وخاصة “الصين”، يعني آليا دفع الحوار والتوافق بين الفرقاء السياسيين في تلك الدول وخاصة ممن سيقومون بأدوار وظيفية رئيسية في تسيير المنطقة، وهو ما يعني أن لعب دور الذراع الإقليمي للولايات المتحدة الأمريكية يتطلب مصالحات داخلية قوية مضاف اليه رفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية وقبلها الاقدام على إجراءات مؤلمة في تحرير الاقتصاد والفعل التجاري والمالي وهو ما ينحب على مصر ونظامها ورئيسها ومن وراءه المؤسسة العسكرية صاحبة الأمر أولا وأخيرا…

 

3- ما حدث في أفغانستان وبعد ما فشل النظام المصري وحلفائه الإقليميين في تصنيف الاخوان ضمن جماعات أخرى وُسمت بالإرهاب، سيتطلب القبول بهم كطرف معتدل ووازن في الفعل السياسي في كل دول المنطقة بما يعني تحولهم لطرف سياسي يأخذ ما يُعطيه إيَّاه صندوق الاقتراع وبمدى قدرتهم على خدمة مجتمعاتهم ولا شك أن ذلك رهان في مصر قبل أي بلد آخر، ولعل التجربتين التونسية والمغربيةأثبتتا ذلك رغم اختلافهما وتمايزهما…

 

4- تجربة المحور المصري الاماراتي السعودية المسنودة بأشكال مختلفة من الفرنسيين والروس، لم تكن ذات جدوى على المدى المتوسط، ولم تصمد امام التطورات والمتغيرات وشابها الغموض والتباين الثنائي والتعرض في ملفات عدة، وهو ما يعني الانكفاء المصري على القضايا المحلية لوحده ومن ثم عمله في قضايا الإقليم لوحده حتى لا يدفع الاثمان في مواقعه الكلاسيكية إقليميا…

 

5- علاقات النظام المصري بالكيان الصهيوني وهامش قدرته كنظام على إدارة العلاقة بين ذلك الكيان وبين الفلسطينيين بالتوازي مع تطور علاقاته بالسعوديين والاماراتيين في قضايا الإقليم وخاصة بين سنتي 2014و2018، لم ولن تُجنبه مستقبلا من القبول بالمصالحة مع معارضيه وأولهم من الاخوان ذلك ان سياسات الترذيل والقمع والتشويه والاختراق والهرسلة السياسية والفكرية والاجتماعية لم ولن تُجدي معهم بل أنها أتت وستأتي بنتائج مُعاكسة وآثاره على مصر وكل بلد او نظام عربي يتبناها كارثية وغالية الثمن وخاصة في أفق نهاية العقد الحالي…

 

** رؤية الاخوان وتقييماتهم السابقة والحالية لفعلهم السياسي

1- الاخوان وبغض النظر عن الاختلاف معهم فكريا وسياسيا هم أولا وأخيرا “فكرة”، والفكرة لم ولن تموت ولكنها أيضا ترتبط بالعقل الناظم لها ومدى واقعيته وحيويته، ولقد رحل “فاروق” و”عبد الناصر” و”السادات” و”مبارك”، وبقي الاخوان وعادوا من بعيد في أكثر من مرحلة وحقبة، وان كانوا اليوم في وضع الخاسر والمتراجع فان لهم استراتيجيا إمكانية العودة القوية من بعيد وخاصة إذا أحسنوا قراءة للتطورات الدولية والإقليمية وترتباتها على مشروعهم وفكرتهم وعلى العالم العربي والاسلاميباعتباره مدار مشروعهم الحضاري…

 

2- لا شك أن الاخوان ومن زوايا معينة في الفعل السياسي طوباويون -في رأينا-ذلك أنه بسببهم، خسرت مصر فعليا آلافا من شبابها، وضاعت قُدرات علمية وثقافية ومعرفية، كادت تكون حصنا منيعا، ذلك أن انتماء أولئك الشباب للجماعة كان دائما وأبدا، يضعهم أمام قدر المحنة ويخيّرهم، مضطرين ما بين السجن أو الموت أو التشرد، والثابت أنه في كل محنة كانت قيادات الاخوانتتمسك بالنهج نفسه والأسلوب نفسه، والتكتيك نفسه الذي يؤدي إلى محنة أخرى وهو تقييم يؤكد البعض أنه قاصر على فهم مربعات العلاقة بين المحلي والإقليمي والدولي وأدوار المحافل ذات الابعاد الخفية ثقافيا…

 

  • فكرتي “طول النفس” و”التمسك بالسلمية”-أمام عنف الدولة المسلط على الاخوان-كانتادوما موضع خلاف منذ بدايات الجماعةإذ تمسك بها المؤسس “حسن البنا”(معلوم أنه يومها دخل عليه بعض شباب الجماعةوأشهروا في وجهه السلاح ليُغير موقفه من ظلم الدولة لهم)، والغريب ان بعض تقييمات أخيرة أكدت اليوم أن رؤية وفعلالمرحوم “الترابي” وسياسات “الغنوشي” و”العثماني” هي اجتهادات أدت لنفس النتيجة، كما أن التجربة حسب البعض بينت كارثية مناهج التيارات الجهادية، وهو ما يعني حسب أولئك أن خيارات الاخوان ستعطي نتائج مستقبلية وعلى المدى الطويل أفضل من المختلفين مع رؤيتهم…

 

3- بعض قيادات”الاخوان”ومن واضعي استراتيجيات الجماعة يؤكدون أننظام العسكر ضعيف رغم ما اظهاره لمظاهر قوته وهو يحتضر فعليا بغض النظر عن قرب نهايته من عدمه، وأنه لن يبقى كثير على سقوطه، فكل الأزمات التي أوقع مصر فيها ستسقطه ولو بعد سنوات وحينما يسقط، سيتين للناس صحة أطروحات الاخوام وقراءاتهم لا المرحلية نتاج اصطباغها بالأخطاء ولكن قراءاتهم الاستراتيجية اثبت صلابتها

4- مستقبلا مطلوب من الإخوان تحريك كل الدعاوى القضائية داخل مصر وخارجها في حق كل من ارتكب جرما في حق مصر وأبنائها.
والأهم من ذلك طبعاهو أن عليهم تغيير منهجهم في السياسة حتى لا يبقوا دوما هم الضحايا وحتى لا يجدون أنفسهم في وضع الحرية الا عندما يتم إنقاذهم بسقوط حكم العسكر القائم، ليحل محله عسكري آخر، ثم يتكرر نفس السيناريو.

5- الرهان الأهم والاستراتيجي الذي يجب أن يسعى اليه الاخوان هو أن برنامجهم يجب ان يرتكز على دعم تكوين دولة مدنية تجبر العسكر المصري من العودة إلى ثكناته، وان يكونوا واقعيين في قراءة الإقليم وواقعه والقوى المؤثرة فيه ولاحقا يجب عليهم تقييم لماذا تم تجاوز القرار الاستراتيجي وهو عدم الوصول للسلطة في دول المواجهة (دول الطوق) سنة 2012 وبناء على أي قراءات وتقييمات تم ذلك…

 

6- انشق كثيرون عن الاخوان في مصر وفي العالم العربي، ولكن فعل وانجازات أولئك المنشقين بقيت ضعيفةرغم بريقها الأولي، وتبين ان الاخوان كجماعة متمسكون بروح مشروعهم التربوي والتغييري وتطور فعلهم السياسي والاجتماعي،بل أن مشروعهم بلور في نسخ جديدة – بغض النظر عن فاعليته واقعيا وبغض النظر عن الموقف منهم سياسيا او اجتماعيا أو فكريا-وتبين ذلك قبل وبعد ثورة يناير، واليوم – أي سنة 2021-أصبحت تجارب رفاق الترابي (السودان) والغنوشي(تونس) والعثماني(المغرب) محل استفهامات من حيث اثرها السياسي والقبول الدولي والإقليمي والنخبوي والآخر السياسي بها…

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق