تدوينات

ليبيا: بيان “برقة” بين هدف دعم اللامركزية وسيَاسة وقوف “حفتر” والاماراتيين نحو خيَاري “التأزيم” و”الفدرلة”؟

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

**بيان القطراني وحيثيات صدوره ورد فعل البعثة الأممية

طَالبت البعثة الأممية في ليبيا جميع الأطراف بـ”تفادي التصعيد والامتناع عن أي عمل يمكن أن يهدد وحدة البلاد ومؤسساتها وسلامة الشعب الليبي”، وكانت مصادر ليبية مطلعة قد كشفت لمواقع وصحف ووسائل اعلام مختلفة عن قلق كبير يسود الأوساط الليبية حيَال بيان ممثلي برقة” في الحكومة، وإمكانية رجوع سيناريو مقاربات الحل على أساس الأقاليم الليبية، ومعلوم أن النائب الأول لرئيس الحكومة “حسين القطراني” (ويعرف سياسيا باسم حسين عطية)، قد هاجم رئيس الحكومة “عبد الحميد الدبيبة”، متهما إياه بـ”خرق بنود الاتفاق السياسي وخارطة الطريق في قضايا توحيد المؤسسات، والتوزيع العادل لشاغلي مناصبها بين أقاليم ليبيا الثلاثة (طرابلس وفزان وبرقة)”، مهددا باتخاذ “إجراءات تصعيدية يتحمل رئيس الحكومة مسؤولية تبعاتها الخطيرة أمام الشعب الليبي ووحدته، وأمام المجتمع الدولي”.
بيان القطراني الصادر مساء أول أمس الأحد 11 أكتوبر الحالي، حمل توقيع عدد من وزراء ووكلاء الوزراء وعمداء البلدات بالحكومة بالإضافة للقطراني نفسه، وصدر تحت مسمى “مسؤولي برقة بالحكومة”، واعتبر ذلك البيان أن الحكومة “وقعت في مسالك الإدارة الديكتاتورية الفردية والحسابات الشخصية، وإضعاف العمل المؤسسي والتنفيذي”، واتهمها بـ”الفشل في إدارة الاختلاف السياسي”، وإصدار الدبيبة قرارات بـ”شكل فردي دون عرضها باجتماع مجلس الوزراء”، وعدم التزامه تحديد اختصاصات نوابه في رئاسة الحكومة، بالإضافة لـ”احتفاظه بوزارة الدفاع وعدم اتخاذه الإجراءات اللازمة لتسمية وزير للدفاع”.
بيان القطراني سالف الذكر، سُبق ببيان منذ ثلاث أو أربع أيام تداولته وسائل إعلام ليبية يحمل توقيع 12 نائبا في مجلس النواب، طالبوا فيه الحكومة بوقف تدفق النفط وتصديره إذا لم تدفع الحكومة مرتبات مسلحي مليشيات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، رغم أن صحة صدور البيان مشكوك فيها خبريا، وحتى لو صحة فان علاقة رئاسة مجلس النواب به غير ثابتة وغير مؤكدة…
البعثة الأممية في ليبيا كان ردها وتفاعلها سريعا واضافة الى موقفها الذي أوردناه أعلاه فقد طالبت أيضا جميع الأطراف بـ”تفادي التصعيد والامتناع عن أي عمل يمكن أن يهدد وحدة البلاد ومؤسساتها وسلامة الشعب الليبي”، وفيما شدد البيان على ضرورة “إعادة المؤسسات والوحدات الإدارية المركزية التي كانت قائمة ببرقة فورًا”، اعتبرت البعثة الأممية البيان بأنه يمكن أن “يعرقل، بشكل مباشر أو غير مباشر، إجراء الانتخابات في 24 ديسمبر”، وقالت البعثة، في بيان لها ليل أول أمس، إنها أحيطت علما بالإشكاليات الواردة في البيان، ودعت الحكومة إلى “السعي في معالجتها دون تأخير”، كما طالبت جميع الأطراف بـ”الدخول في حوار مباشر وبنّاء بغية إيجاد حلول لجميع المخاوف المستجدة، ومواصلة الالتزام بخارطة الطريق التي أقرّها ملتقى الحوار السياسي الليبي”، كما ذكرت البعثة أيضا بقرارات مجلس الأمن بشأن “إمكانية النظر في تدابير محتملة بحق الأفراد أو الكيانات التي تعرقل اكتمال الانتقال السياسي في ليبيا”

**الترتبات والوقائع على الأرض وتحركات الرئيس
من المهم القول إن الحكومة المركزية في طرابلس وان تقدمت في ملفات بعينها وأن تنتصر في معركة سحب الثقة على برلمان طبرق فإنها لن تستطع أن تعالج كل الملفات العلقة وخاصة في قضايا المنطقة الشرقية فلا هي كسب شركاء حقيقيين ودعمت ممثلي وزاراتها هناك ولا استطاعت اضعاف معسكر “حفتر” بشكل جلي والذي رغم انه خسر الحليف المصري فانه لا يزال مدعوم اماراتيا وورقة مؤقتة لبعض الأطراف الدولية على غرار الروس والفرنسيين…
مصادر ليبية مسؤولة أكدت أن المجلس الرئاسي بدأ في اتصالات كثيفة مع “القطراني” ووكيل وزير الداخلية “فرج قعيم”، لكونهما أبرز الشخصيات التي كانت وراء بيان “مسؤولي برقة في الحكومة”، بهدف خفض حدة التصعيد، كونه ينسف جهودها الحالية الرامية لعقد مؤتمر دولي لطرح مبادرة استقرار ليبيا، بالإضافة لسعيه لوساطة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن التوافق على القوانين الانتخابية.
الثابت أن القلق يسود مختلف الأوساط الليبية منذ ليل أول أمس، وهو ربما ما دفع رئيس المجلس الرئاسي “محمد المنفي” (وممثل الشرق في تركية المجلس الثلاثية) الى الإعلان عن استضافة لقاء بين “الدبيبة” ونائبه القطراني في طرابلس قريبا لحل الاشكال ومعلوم أن موقف المنفي كان حاسما منذ شهر في ترجيح حكومة “الدبيبة” في موضوع سحب الثقة، ولكن هذه المرة سيكون محايدا وسيقتصر دوره على معالجة الإشكاليات القائمة…

**هل سعت بعض أطراف في الشرق الليبي لتقوية وضع حفتر؟
كثيرون ذهبوا في تحاليلهم أن بيان القطراني ليس سوى رسالة لتقوية وضع حفتر وشركائه في نظر المجتمع الدولي”، بل أن بعض المتابعين أكدوا في قراءتهم للحدث أن ممثلي برقة في الحكومة “ما هم إلا أنصار حفتر بالأساس”. مشيرين إلى أن بيان الـ 12 نائبا ورغم التشكيك في علاقات مصدريه بالمجلس النيابي المطالب بوقف تدفق النفط قد يكون الخطوة التصعيدية القادمة، ومعلوم أن البيان صدر ورئيس المجلس عقيلة صالح في زيارة لمدة ثلاث أيام للعاصمة الجزائرية والتي كانت فيها تصريحات “تبون” واضحة بخصوص الموقف من تطورات الاحداث في ليبيا…
يمكن اعتبار البيان خطوة استباقية من جانب معسكر حفتر “ربما لعلمهم أو بحثهم ان لا تقع الانتخابات او هي خطوة أولى أساسا وخاصة بعد الانسداد الحاصل في المسار الانتخابي مؤقتا، ولذا هناك سعي منهم للحفاظ على مراكز أقوى بالحكومة وصلاحيات وخاصة إذا استمرت الحكومة في المشهد، ومعلوم أن البيان ركز على وزارة الدفاع التي تعد مطلبا أساسيا لحفتر وعقدته التي لن تفك الا بالحصول عليها أو وضع من هو تابع له على رأسها، والثابت من حيث الاستقراء أن البيان لا يعدو مجرد محاولة لكسب مواقع في الحكومة والتهديد بورقة الأقاليم والفدرالية، وهي أيضا سياسة محبذة إماراتيا في الملف الليبي بعد أن فقدت الامارات أوراقها فيه ما بعد 04-04-2019 وخسرت الكثير من رهاناتها في شمال افريقيا وخصوصا في ظل تنامي التباينات بينها وبين القاهرة منذ جوان/يونيو الماضي …
يمكن القول في ظل المعادلات الحالية إقليميا وبعد اجتماعات المغرب بين مجلس النواب والاعلى للدولة وتأكيد الأمريكيين واجتماعات لجنة 5 زائد 5 أن “تحركات القطراني ومن ورائه حفتر وأنصاره فرضت معادلة جديدة في المشهد، وهي إما أن ينحاز المجتمع الدولي للحكومة ورئيسها الدبيبة، وإما القبول بحفتر كشريك أساسي في الحكومة”، ولكن الخطير ان ذلك قد يدفع الى حقيقة وان الانتخابات قد لا تنعقد خاصة في ظل وجود ثلاث سيناريوهات/مسارات حالية بخصوص انتخابات 24 ديسمبر:

مسار/سيناريو أول: تطبيق كامل للخارطة الأممية وإنجاز الاستحقاقات الانتخابية بغض النظر عن التفاصيل الإجرائية والزمنية

مسار سيناريو ثان: تعديل الخارطة الأممية وتأجيل الاستحقاقات لفترة زمنية معينة (بين مارس وجوان/يونيو 2022

مسار سيناريو ثالث: اسقاط الخارطة الأممية ومن ثم الدخول في مطبات غير معلومة العواقب لا على ليبيا فقط بل كل المنطقة…
يواجه المسار الانتخابي فعليا انسداد كبير وخاصة منذ إصدار مجلس النواب قانوني الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل أحادي ودون إشراك “المجلس الأعلى للدولة” والذي أصدر من جانبه قوانين انتخابية أخرى، ولكن البيانات الدولية والاممية وبعض الخطوات التي يقوم بها المجلس الرئاسي تؤكد أيضا ان الحل موجود وان المعالجة ممكنة خاصة في ظل رأي عام ليبي سئم الحروب التجاذبات الايديلوجية والسياسية مثلما سئم المعارك والتقاتل، وفي ظل تطورات الإقليم والتي يبحث فيها المصريون والأتراك على ترتيبات ابعد عنها الاماراتيون والقطريون، وهو ما يعني أن الحرب بالوكالة التي خاضتها أطراف ليبية لصالح الاذرع الإقليمية في طريقها للانتهاء موضوعيا وهي بذلك في ذمة التاريخ رغم رغبة “حفتر” وآخرين ممن يراهنون على الحرب ولا شيء غيرها للكسب خاصة وانهم خسروا معركتي انتاج “القذافي2” واسقاط نموذج “سيسي ليبيا”…

حكومة “الدبيبة” موضوعيا عليها عدم ترك مساحات عبر مواصلة خدمة الليبيين في المناطق الثلاث ودعم فعلي لسياسيات الا مركزية واقعيا ومن ثم التقيد بالخارطة الأممية ودعم سياسة التوافق الكلي مع المجلس الرئاسي، كما عليها أن تمهد لوجستيا للانتخابات وأن تترك خيارات إنجازها أو تأجيلها جزئيا أو كليا للمفوضية والبعثة والاممية حتى لا تتهم لاحقا بما يسعى اليه حفتر وشركائه المحليين وما بقي له من حلفاء إقليميين، وعندئذ سيسقط التوظيف المحلي والإقليمي لمطالب الليبيين والذين أنجزوا ثورة لقطف ثمارها اجتماعيا وسياسيا ومن اجل الرفاه لهم ولأبنائهم وأحفادهم ومن أجل مواطنة كاملة ومسار ديمقراطي مستقبلي خاصة وان بلدهم هو بلد ثورات هائلة ونادرة وفريدة في كل افريقيا بل وفي كل العالم…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق