تحاليل

تحديات وفرص التحول الديمقراطي في السودان

نهلة خليفة :

يُواجه التحول الديمقراطي في السودان بتحديات ماثلة وكبيرة، ويعتبر التغلب عليها مسؤولية مشتركة بين لجان المقاومة والأحزاب والسياسيين والمثقفين والكيانات المختلفة، بل والشعب ايضاً. حيث ان تجربة التحول الديمقراطي تمر بمرحلة الانتقال من نظام شمولي إلى نظام ديمقراطي لممارسة السلطة والحكم، وبناء نظام سياسي حديث يؤسس لعلاقات القوة التي تحكم العملية السياسية في المجتمع.
هنالك عوامل عدة تؤكد بأن التحول الديمقراطي متعثر ويصعب التكهن بنتائج ذلك لعدة أسباب، أهمها أن العسكر طامعون بالحكم ولا يرحبون بالديمقراطية، كما ان الثورة السودانية تعثرت في تحقيق أهدافها في الانتقال من مرحلة الاستبداد والفساد الى الحرية السياسية، ويرجع ذلك لعدة عوامل أثرت وبشكل مباشر، البارز منها التشاكس السياسي بين القوى السياسية والأحزاب، كما ان هناك عاملا اثر كثيرا وهو سياسة المحاور التي ألقت بظلالها على المشهد الآن، الدول العربية وظهور خلاف سد النهضة مع إثيوبيا، وسياسة المحاور الخارجية، ومؤخراً دخول الروس في المشهد، مما أدى إلى مزيد من السيطرة من قبل العسكر، وأصبحت الحكومة تمارس مهاماً ليس من مهامها في الفترة الحالية، وهذا يؤدي لتعطيل مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية والتحول الديمقراطي. الثورة أنجزت ملفات مهمة وعجزت عن ملفات أخرى يرى البعض انها بذات الأهمية. فقد نقلت الحكم من الديكتاتورية الإسلامية إلى عسكريين من نفس العقيدة والفكر، وهذا لدية مردود سلبي وضح فيما حدث في 25 اكتوبر وهو الانقلاب على الثورة. بحيث مكنتهم من تقلد المسؤولية وأصبحوا يمارسون نفس مناورات النظام البائد باستبدال تمكين بتمكين آخر، لكن الجانب الإيجابي خلقت حالة حراك سياسي كبيرة نقلت قطاعات كبيرة من السودانيين من الاهتمام بحياتهم الخاصة إلى الاهتمام بالحيز العام، وفي هذا المضمار كانت هناك آراء متعددة حول التحديات التي تواجه التحول الديمقراطي وما اسفر عنه انقلاب 25 اكتوبر والذي كان رأي البعض فيه انه خطوة تصحيحية.
نعرض هنا بعض وجهات النظر، حيث اشار مهتم بالسياسة والثقافة السودانية المهندس محمد عثمان الأمين قائلاً: “موافقة السيد حمدوك على تكوين حكومة تكنوقراط في ظل انقلاب عسكري شرعن بلا شك الانقلاب وفرضه كأمر واقع لا مفر منه خاصة بعد الترحيب الدولي الواسع بالاتفاق، وهذا الأمر يعيد إلى الأذهان الأسئلة القديمة والمتجددة لماذا نخفق دائماً في الحفاظ على مكتسبات ثوراتنا الشعبية؟. وتساءل المتحدث لماذا يتكرر نفس السيناريو بالسير في طريق الدائرة الشريرة انقلاب عسكري – ثورة شعبية – محاولة اقامة حكم مدني ديمقراطي – إخفاق في الحفاظ على الديمقراطية – انقلاب عسكري جديد وهكذا”. وأضاف: “إن الأمر تكرر طيلة تاريخنا السياسي الحديث منذ الاستقلال إلى اليوم”.
وأرجع الأسباب إلى عدد منها، إلا أنه حدد أن طبيعة الشخصية السودانية كانت لها الدور الأكبر قائلاً: “إن طبيعة نظرة الشخصية إلى الأمور سواء كان ينتمي إلى الطبقة الواعية أو المتعلمة أو حتى إلى رجل الشارع العادي تشابه المزاج العام يؤدي إلى هذه الاخفاقات نسبةً،
أولاً: الدولة السودانية لم تستكمل حداثتها حتى الآن، فهي مازالت تراوح مكانها ما بين الحداثة (مظهريا) والامعان في التقليدية (جوهريا)، وهذا الأمر يتعارض مع متطلبات الانفتاح الذي تتيحه الحرية المكتسبة خلال الانظمة الديمقراطية مما يخلق نوعا من التردد والمراوغة والخلاف يؤدي إلى ضياع الوقت وضياع الفرص وهو الذي حدث بالضبط في تطبيق بنود الوثيقة الدستورية خلال الفترة الانتقالية مما أضاع فرصة كبيرة للاستقرار خلال تلك الفترة.
ثانياً: طبيعة الخلافات بين القوى السياسية دائماً ما تذهب في طريق النهايات المغلقة ولا تترك لنفسها فرصة للحلول الوسطى، وهذا الأمر ربما هو ناتج عن طبيعتنا القبلية وانتماء المجتمع السوداني في الاصل إلى المجتمعات الزراعية والرعوية التي لا تعرف كيف تدير خلافاتها في إطار ديمقراطي وحوار عميق وتقبل للرأي الآخر وتقديم التنازلات، وقد رأينا ذلك في عجزنا عن إدارة خلافاتنا مع المكون العسكري او حتى في عجزنا عن إدارة خلافاتنا بيننا نحن المدنيين.
ثالثاً: طبيعة الإنسان السوداني العفوية العاطفية المسامحة، وهذه الطبيعة تتعارض مع الشخصية السياسية الدبلوماسية والتي دائماً ما يتم استغلالها من جانب الأطراف الاخرى وخاصة في العلاقات الخارجية، وبالرغم من اننا نفتخر بهذه الصفات والمزايا التي تميزنا عن بقية الشعوب ولكنها تتسبب لنا في الكثير من الاخفاق والفشل في حياتنا السياسية والمجتمعية.
رابعاً: طبيعة الشخصية السودانية في التسرع واستعجال النتائج وعدم الصبر فكل البرامج الاقتصادية التي طبقها د. حمدوك لاقت عدم الترحيب من قطاع واسع، وتمت ممارسة ضغوط كبيرة على حكومتي الفترة الانتقالية خلال عملية التطبيق التي كانت تحتاج الى متسع من الوقت مما اربك تطبيقها. بل وحاولت بعض الاحزاب السياسية استغلالها لتحقيق مكاسب سياسية محددة لإضعاف حكومة الفترة الانتقالية. وكل ما ذكر هو محاولة واجتهاد لمعرفة طبيعة إخفاقنا في الحفاظ على مكتسبات ثورتنا المجيدة التي مُهرت بدماء الشهداء”.
واستطرد محمد عثمان حول فرص نجاح الانتقال بالرغم مما حدث من تعثر وإخفاق، قائلاً “لكن اعتقد اننا يمكن أن نستغل فسحة الحريات المعلنة وننتزع مكتسبات الثورة للمضي قدماً في طريق التحول المدني الديمقراطي وتضييق الفرص على المعسكر الانقلابي حتى الوصول إلى مرحلة الانتخابات، وعند تلك المرحلة، يجب علينا الانتباه إلى أخطائنا والاستفادة منها، حتى يُمكننا كسر قاعدة الدائرة الشريرة وتحقيق دولتنا المدنية الديمقراطية المنشودة بتحقيق التحول الديمقراطي المطلوب، مؤكداً انه من الضروري تكثيف الدراسات الأكاديمية حول التاريخ السياسي للدولة السودانية الحديثة، وإقامة ورش لمناقشة أسباب فشل استمرار التحول المدني الديمقراطي، أيضاً مواصلة إسهامات المثقفين السودانيين في تقديم الدراسات الثقافية والاجتماعية حول واقع المجتمع السوداني اليوم، الذي هو خلاصة تراكمات التاريخ والجغرافيا وطبيعة الأنشطة الاقتصادية عبر التاريخ لسبر غور نفس ومزاج واحتياجات الإنسان السوداني، ووضع مفاهيم جديدة لإدارة التنوع وذلك بمعرفة الاحتياجات السياسية والاقتصادية لشعوب السودان، والاهتمام بقضايا الهامش، ووضع الأولوية لتطوير الريف، والاهتمام بالتنمية المستدامة المتوازنة أو المنحازة للهامش، هذا مع التوزيع العادل للثروة والسلطة، وتجاوز مركزية الثقافة العربية الإسلامية، ومنح الفرص للثقافة المحلية للتعبير عن نفسها.
وختم قوله: “الاعتقاد في العلم الحديث والتربية والتعليم والاستفادة من قمم التطور المعرفي في العالم، والاستفادة من التكنولوجيا في الإنتاج، وتشجيع الشباب على تبني الأفكار وإنشاء حوامل مؤسسية مثل الاحزاب السياسية والمنظمات المجتمعية والتطوعية وغيرها، والصرف على مراكز البحث العلمي والعلماء والمبتكرين. مشيراً لأهمية استكمال حداثة السودان وذلك بقيام المؤسسات الحديثة ونشر قيم الحداثة والتنوير”.
من جانبه، قال عبد الله الحاج، مواطن سوداني وموظف بالمعاش: “تواجه الديمقراطية في العالم بتحديات كثيرة، منها عدم إيمان البعض بها أصلاً ومحاربتها القوية من قبل الأنظمة الشمولية، وحاجتها للدعم الجماهيري الواسع ولفكر مقنع ومنافح لصالحها، كما أنها في أفريقيا تواجه بتحديات أكبر لرضوخ الدول الأفريقية لعقود من الزمان لأنظمة شمولية طاغية، بجانب تفشي الجهل والفقر والجوع والقبلية والجهوية وتقاطع انتماءات دولها نحو الشرق الاشتراكي الداعم للشمولية والغرب الداعم للرأسمالية”. وأشار عبد الله الحاج ان السودان بدأ بعد الاستقلال بحكومة ديمقراطية، إلا أنه دخل في الدورة الشيطانيّة بين انظمة ديمقراطية تتبعها انظمة عسكرية، والآن يمر بمرحلة مفصلية لا تخلو من الصراع بين الداعين لها بقيادة الشباب والمتشبثين بعسكر الدولة، وغالبيتهم ليسوا من الشباب. وأن هناك ضوءا في نهاية نفق التنازع بين الطرفين، لقناعة معظم المواطنين بالديمقراطية وبشعار الحرية والسلام والعدالة وبأهمية تغيير نظام الحكم لفشل الأنظمة السابقة في حل معضلات الحكم وتحقيق دولة المواطنة واعترف الأحزاب والنخب بهذا الفشل.
ورهن عبد الله الحاج، تحقيق مبتغى التحول الديمقراطي بتنازلات مؤلمة خاصة من العسكر، لأنها صاحبة القوة والسلطة، وكذلك من الأحزاب وحركات الكفاح المسلح، والدعم المادي القوي من دعاة الديمقراطية وترك المعارضين لها السودان (الشارع السوداني والشباب) ليختار ما يناسبه من نظام الحكم والبُعد عن ساحته حتى لا يكون معتركاً يتضرر منه السودان كبلد والمواطن الذي ينشد دولة مدنية وتحولا ديمقراطيا.
ومن منحى آخر، ما حدث من انقلاب على التحول الديمقراطي تسبب في الكثير من الأضرار بالتحول كمبتغى على المستوى البعيد وكمتسبات اقتصادية على المستوى الآني، وظهر ذلك جلياً بإيقاف الدعم الاقتصادي دولياً من بينها (ثمرات) لـ6 ملايين أسرة، وانسحاب الشركات المستثمرة، من بينها شركة (سيمنز) الألمانية التي كانت بصدد توقيع دعم الكهرباء بالسودان وإنشاء أكبر المحطات في افريقيا، تعليق تعيين السفير الأمريكي، إصرار الكونغرس على مناقشة فرض العقوبات، استمرار التظاهرات المليونية لرفض الاتفاق، وقف إصلاح الجيش السوداني ووقف الدعم عن السودان أصبح معزولاً تماماً، حيث توقف زعماء الدول بالاتصال والتواصل المباشر مع رئيس الوزراء والمجلس السيادي، وأصبح التواصل روتينياً عبر مناديب ومبعوثين صغار، وإلغاء زيارة رئيس الوزراء الإيطالي والرئيس الألماني التي كانت مقررة قبل الانقلاب، كما أن الدول العربية نفسها عزلت السودان واعتزلها زعماؤها خوفاً من الشبهة بدعم الانقلاب.
وعلى المستوى الداخلي، فقدان الحاضنة السياسية للحراك الثوري للدكتور عبد الله حمدوك، رفض جميع الكفاءات العمل تحت سلطة انقلابية، مما يعكس أن الاتفاق الانقلابي معزول داخلياً وخارجياً.
على المستوى الدولي، وقف إعفاء الديون بنادي باريس، وفقدان السودان لأصدقائه، وكانت من بينها ألمانيا وفرنسا والترويكا واستراليا.
أخيراً فشل موازنة 2022 الذي كان معتمدا بشكل اساسي على وقف الديون والدعم الخارجي بمبالغ تصل لـ4 مليارات دولار.
من المتوقع ان يُساعد طرح بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان، والبيان الذي قدمه مؤخراً الممثل الخاص للأمين العام في السودان السيد فولكر بيرتس حول إعلان المحادثات مع الشركاء
السودانيين والدوليين، كمشاورات اولية لعملية سياسية بين الأطراف السودانية، تتولى الأمم المتحدة تيسيرها، تهدف إلى دعم أصحاب المصلحة السودانيين للتوصل إلى اتفاق للخروج من الأزمة
السياسية الحالية، والاتفاق على مسار مستدام للتقدم نحو الديمقراطية والسلام وتحقيق التحوُّل الديمقراطي

الرابط:اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق