شؤون إفريقيةشمال إفريقيامصروسط إفريقيا

في ظل تنامي علاقاتها مع روسيا والصين.. ما تداعيات الحرب في أوكرانيا على أفريقيا؟

يُتوقع أن أكبر المجالات تأثرا سيكون تصدير القمح من روسيا وأوكرانيا إلى أفريقيا التي تستورد دولها 30% من هاتين الدولتين، إلى جانب التعليم، حيث يدرس في جامعات أوكرانيا آلاف الطلاب الأفارقة

تصاعدت الأزمة بين روسيا وأوكرانيا بشكل متسارع لتدخل مرحلة المواجهة العسكرية، وتحرك العالم في اتجاهاته المختلفة ودُفع إلى حالة من الاصطفافات والاصطفافات المضادة كأن التاريخ يعيد نفسه حينما اندلعت الحربان العالميتان الأولى والثانية.

وتتدافع في المسرح العالمي الإستراتيجيات المتنافسة بين روسيا وحليفتها الصين اللتين تسعيان لخلق عالم متعدد الأقطاب والمراكز، وبين الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي “ناتو” (NATO) الذين اعتقدوا أنه بنهاية الحرب الباردة سيكتبون نهاية التاريخ بهيمنة العالم الرأسمالي.

ولا شك أن هذه الصراعات والتطورات تلقي بظلالها على أفريقيا سلبا وإيجابا، فكيف تؤثر الأزمة الراهنة على القارة السمراء؟ وهل تلعب أفريقيا دورا في خلق توازنات عالمية جديدة؟

ما حجم الحضور الروسي والأوكراني في أفريقيا؟

يرى الباحثون في الشأن الروسي أن روسيا انكفأت على نفسها منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولم تعد تلك القوة التي تصارع الكبار.

كما أن ظهورها الجديد على المسرح العالمي -وفي أفريقيا خصوصا- تزامن مع العقوبات الغربية في 2014 والتي أعقبت احتلالها القرم، وعزز هذا الظهور تدخلها في سوريا وفرض إستراتيجيتها ورغبتها في أن تصبح قوة منافسة.

ومنذ 2014 بدأت موسكو في التغلغل في أفريقيا، وفي أقل من 16 سنة وقّعت اتفاقيات مع ما يزيد على 25 دولة فيها، وتوّجت ذلك بقمة سوتشي في 2019، والتي حضرتها كل الدول الأفريقية تقريبا، إذ تم تنظيم 35 فعالية في إطار القمة و1500 اجتماع، وتوقيع عدد من الاتفاقيات بين روسيا ودول أفريقية بقيمة 12.5 مليار دولار، لتصبح روسيا أكبر مصدّر للسلاح إلى هذه القارة.

وترسل روسيا جنودا مرتزقة “فاغنر” يعملون في حوالي 7 دول أفريقية، وبالمقابل أصبحت مواقف الدول الأفريقية في المحافل الدولية منذ 2014 ما بين مؤيد للموقف الروسي أو غير داعم لخصومه.

أما بالنسبة للعلاقات الأفريقية الأوكرانية فهي مرتبطة تاريخيا بالاتحاد السوفياتي، لذلك لم تكن لأوكرانيا علاقات مع أفريقيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

ويذكر التاريخ أن أوكرانيا قدمت دعما سخيا لأفريقيا في عدد من المجالات ودربت الآلاف من الشباب الأفارقة، وفي الفترة الأخيرة سجلت أوكرانيا حضورا في هذه القارة من خلال تصدير القمح وبعض المنتجات التي لها صلة بالزراعة، إضافة إلى استضافة عشرات الآلاف من الطلاب في التعليم العالي.

أحد مقاتلي شركة فاغنر الروسية الذين توجد فرق عديدة منهم في دول أفريقيا (الأناضول)

ما هي المجالات التي تؤثر عليها الأزمة؟

مما لا شك فيه أن الأزمة ستطال كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وعلى الرغم من حداثة الشراكة الروسية الأفريقية فإنها ستلعب دورا في تحديد الأوزان الدبلوماسية، وقد بدا ذلك واضحا في مناقشة الأزمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة غداة الثاني من مارس/آذار الجاري.

لا يتجاوز التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا سقف الـ20 مليار دولار، وهو مستوى متواضع مقارنة بعلاقتها التجارية بالصين التي يبلغ تبادلها التجاري مع أفريقيا 204 مليارات دولار.

ويُتوقع أن أكبر المجالات تأثرا سيكون تصدير القمح، إذ يأتي 30% من القمح إلى أفريقيا من روسيا وأوكرانيا كأكبر مصدر لهذا الغذاء.

وعلى مدى الشهرين الماضيين ارتفعت أسعار القمح بمقدار 25% بسبب التوترات الجيوسياسية، وتستقبل أفريقيا 36% من صادرات القمح الأوكرانية وبقيمة 4 مليارات دولار.

كما سيتأثر مجال التعليم، إذ تعتبر روسيا قبلة الطلاب الأفارقة، وبدرجة أكبر أوكرانيا التي تستضيف عشرات الآلاف منهم، وهناك 8 آلاف طالب مغربي و4 آلاف طالب نيجيري وحوالي 3500 طالب مصري، وآلاف أخرى من السودان وجنوب أفريقيا وكينيا، وعدد غير قليل من الدول الأخرى.

 

كيف تعاطت أفريقيا مع تطورات الأزمة؟

تباينت مواقف الدول الأفريقية حيال الأزمة قبل الحرب وبعد اندلاعها، ولكن أبرز ما ميزها كان الصمت الجماعي لأغلبية دول القارة، ويرجح ذلك انتظارا لحسم الموقف في وقت وجيز وبناء التوجهات والمواقف على ذلك:

  • الاتحاد الأفريقي: عبرت قيادته ممثلة في رئيسها ماكي سال (رئيس السنغال) ومفوض الاتحاد موسى فكي عن قلقها البالغ إزاء الأوضاع الخطيرة في أوكرانيا، ودعت إلى احترام القانون الدولي والسلامة الإقليمية والوطنية واحترام سيادة أوكرانيا، وحثت الطرفين على الوقف الفوري لإطلاق النار وفتح قنوات المفاوضات السياسية دون تأخير تحت رعاية الأمم المتحدة.
  • مجموعة الإيكواس: أدانت المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا حرب روسيا على أوكرانيا، ودعت الأطراف المتقاتلة إلى حل الخلافات بالحوار، وطالبت بضمان سلامة كل مواطني “الإيكواس” الذين يعيشون في أوكرانيا.
  • برزت بعض المواقف الفردية من بعض الدول الأفريقية، كالسودان الذي بعث الفريق محمد حمدان دقلو نائب رئيس المجلس السيادي، والذي فُهم منه أنه موقف داعم لروسيا في حربها على أوكرانيا.
  • وكذلك موقف الجنرال الأوغندي موهوزي كانيروغابا، وهو ابن الرئيس الأوغندي، وعبر عن دعمه المطلق لروسيا ضد أوكرانيا، وصرح “بأن أغلبية البشرية (غير البيض) تدعم موقف روسيا في أوكرانيا”، وأن “بوتين محق تماما”.
  • وبرز موقف من جنوب أفريقيا يرفض حرب روسيا على أوكرانيا ويطالب روسيا بسحب قواتها، كما أبدت أفريقيا الوسطى موقفا مؤيدا لحرب روسيا على أوكرانيا.
Russia's President Vladimir Putin (L) and South Africa's President Cyril Ramaphosa attend a signing ceremony on the sidelines of the BRICS summit in Johannesburg, South Africa July 26, 2018. Sputnik/Alexei Nikolsky/Kremlin via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY.
الرئيس الروسي بوتين (يسار) ورئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا على هامش قمة مجموعة بريكس في جوهانسبرغ (رويترز)

كيف يتأثر الموقف الأفريقي من الأزمة بموقف الأحلاف الكبيرة؟

لا شك أن الأزمة ومع الوقت ستلقي بظلال كثيفة على موقف أفريقيا ومؤسساتها القارية والإقليمية، فالناتو ينشط في هذه القارة منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 ولديه شراكة مع الاتحاد الأفريقي ويقوم بدوريات مشتركة عبر القوات البحرية.

بالمقابل، يشكل التحالف الصيني الروسي حضورا كبيرا في المجالات الحيوية في أفريقيا (الاقتصاد والأمن والجوانب العسكرية)، وخلال 20 سنة من العمل المشترك فإن الشراكة مع معسكر الصين وروسيا أكبر كثيرا مما هو معروف على مستوى حلف الناتو.

ومما لا شك فيه أن حجم العلاقات وترابط المصالح بين الأطراف المتصارعة وأفريقيا سيحكمان مستوى التأثير ودرجاته، وربما لن يكون الأمر سهلا إذا تطورت الأحداث نحو الأسوأ.

ما مستقبل العلاقات الأفريقية بالأحلاف على ضوء الأزمة الراهنة؟

لا تملك أفريقيا القوة التي تؤهلها لصنع توجه سياسي ذي تأثير كبير، كما تنقصها الاستعدادات الذاتية لخلق توازن واعٍ يراعي مصالحها، ولذلك ستظل دول القارة تابعة، وتبحث عن الموقف الوسط لترابط مصالحها مع الأطراف كافة، فهي غير قادرة على الاستغناء عن الناتو، كما أن مصلحتها راجحة وكبيرة مع المعسكر الآخر، إضافة إلى انعدام القيادات ذات الطابع الثوري في أفريقيا، والقادرة على المخاطرة لصالح حلف على حساب الآخر.

ووفقا لسنن التاريخ، قد نكون أمام لحظة فارقة تعيد تشكيل التوازنات على أسس مختلفة، سيحكم هذا مدى تطور الأحداث وتوسع رقعة المواجهات التي قد تدعو جهات أخرى للمشاركة مثلما دعت بريطانيا للقتال إلى جانب أوكرانيا، وقد تجد أفريقيا نفسها هذه المرة أيضا مسرحا لصراع المشهد الأكبر، خاصة أنها ستكون محور التنافس على الموارد في الفترة القادمة.

المصدر : الجزيرة
لقراءة المقال من الرابط الأصلي اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق