بورتريهشمال إفريقيامصر

طارق الخولي.. دماء جديدة لقيادة العمل السياسي في مصر

أحد أبرز داعمي النظام من مقعد الشباب

إذا التفت المراقب للأوضاع السياسية في مصر لمعرفة الوجوه القريبة من النظام المصري سيلتقط على الفور طارق الخولي عضو البرلمان عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين التي أصبحت بوتقة تنصهر فيها العديد من الأسماء التي لمعت مؤخرا في الكثير من المواقع التنفيذية والإدارية، ومع الاتجاه نحو إدخال إصلاحات سياسية سوف يكون لعدد من هؤلاء دور بارز في الحياة العامة.

يمتلك الخولي خبرة سياسية أهلته ليكون من بين الشخصيات المرشحة للقيام بأدوار أكثر فاعلية الفترة المقبلة، فهو عضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب التي يشتبك أعضاؤها مع قضايا سياسية متباينة تهم الأمن القومي المصري، وعضو لجنة العفو الرئاسي عن المحبوسين وجرى إعادة تفعيل دورها بعد تجميده لبضع سنوات.

يقع على عاتق لجنة العفو الدور المهم في عملية توالي الإفراجات عن معتقلين سياسيين وفي جرائم يضعها البعض ضمن إطار قضايا الرأي والحريات، وبدأت الأضواء تسلط عليها عقب إطلاق الرئيس عبدالفتاح السيسي إشارة البدء لحوار وطني شامل مؤخرا، وقام بمنحها صلاحيات واسعة لتحديد الأسماء التي تستحق نيل العفو الرئاسي لتعزيز الثقة بين النظام والقوى المدعوة إلى الحوار السياسي.

يعد الخولي من الوجوه التي يعرفها الكثيرون بأنها من الرّديف أو الظهير السياسي الداعم للنظام المصري من خلال عضويته في لجنة تنسيقية شباب الأحزاب التي زاد نشاطها في الآونة الأخيرة من دون أن تفصح عن طبيعة المهام التي تقوم بها، لكن جميعها تصب في حصيلة الدفاع عن النظام الحاكم وإظهار الوجه الناصع الذي يلعبه في تشكيل نخبة واعية بما تقوم به من أدوار وملء الفراغ الذي تزايد بعد تآكل النخبة القديمة التي تشكلت منذ عقود واعتمدت عليها أنظمة سابقة.

 

وعاء للنخبة الجديدة

جيل جديد مرشح للقيام بمهام أكثر فاعلية في الفترة المقبلة
جيل جديد مرشح للقيام بمهام أكثر فاعلية في الفترة المقبلة

يقول المتابعون إن النظام حريص على تدريب نخبته من الشباب، وأنشأ كيانات تتولى هذه المهمة، فهناك البرنامج الرئاسي لتدريب هؤلاء الذي يشكل القناة التي تمر عبرها النخب السياسية والتنفيذية، وتتفرع منه قنوات تخدم فكرته الرئيسية بشأن إعداد جيل يتماشى مع تطلعات مصر الجديدة في تخصصات مختلفة.

يريد النظام المصري الحالي تشكيل نخبة تتواءم مع أهدافه وطموحاته وتستطيع تنفيذ المهام الموكلة إليها، وتتمكن من مسايرة أجواء داخلية وإقليمية ودولية معقدة، وبينها مسافات كبيرة عما كان سائدا في العهود السابقة، وهو ما جعل الطبقة الحاكمة تبتعد عن الاستعانة بوجوه قديمة مستهلكة وتلجأ إلى صياغة منظومتها عبر شخصيات واعية بمتطلبات المرحلة الراهنة والتحديات التي تواجهها على العديد من المستويات.

ظهر الخولي قريبا من دولاب الدولة الحديثة، وعبّرت تقديراته ورؤاه السياسية في الكثير من القضايا عن درجة عالية من الهدوء والثقة والانفتاح على اتجاهات متعارضة، وهو من الشباب الذين يتمتعون بمرونة في الحوار مع الآخرين، أسهمت في أن يكون من الوجوه الصاعدة التي ينتظرها المزيد من الصعود السياسي.

يشكل وجها مألوفا ولو جرى التعامل معه لأول مرة، فقد جاء تدرجه في العمل السياسي من رحم حصيلة جيدة من الخبرات والممارسات والمعارك المحتدمة، أثقلته كثيرا خلال المرحلة الدقيقة التي مرت بها البلاد قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 وما بعدها من تطورات عاصفة.

الخولي يُنظر إليه على أنه سيكون دينامو لجنة العفو الرئاسي عن المعتقلين، حيث يراها البعض المؤشر على مدى جدية النظام المصري في فتح صفحة جديدة مع القوى السياسية المعارضة

يُنظر إليه على أنه سيكون دينامو لجنة العفو الرئاسي عن المعتقلين، حيث يراها البعض المؤشر على مدى جدية النظام المصري في فتح صفحة جديدة مع القوى السياسية المعارضة، وهو ممن يتمتعون بمصداقية كبيرة في العمل العام تمكنه من أن يصبح أحد الأسماء المنوط بها التوصل إلى قواسم مشتركة بين الحكومة والمعارضة، فهناك قوائم كثيرة في حاجة إلى مراجعة كي تشملها قرارات العفو الرئاسي المنتظرة.

تعتبر النتائج التي سوف تتوصل إليها اللجنة مقياسا مهمّا لما يمكن أن تصل إليه الأمور الفترة المقبلة في مسألة الحوار الوطني، حيث ترى قوى مصرية أن أول خطوة في طيّ الصفحة القاتمة السابقة غلق ملف المحبوسين على ذمة قضايا سياسية.

ويستثني الخولي من الإفراجات المنتظرة كل من تلوثت أياديهم بدماء المصريين أو مارسوا العنف، ما يوحي بعدم إدراج الكثير من عناصر الإخوان، والتي عرف دهاليزها من خلال علاقة ربطته بها سواء بالانخراط في صفوفها لبعض الوقت أو الاشتباك معها في الفترة التالية لثورة يناير 2011 وما أعقبها من تطورات مصيرية.

 

تقلبات ومعارك سياسية

 

عضويته في لجنة العلاقات الخارجية تعكس اهتمام النظام بدوره المتوقع

الخولي أحد خريجى كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، انضم في بداية دراسته الجامعية إلى جماعة الإخوان، وتركها عام 2008 بعد أن انتبه إلى أهداف الجماعة التي رآها غير وطنية وتصب في مصلحتها فقط.

انضم إلى حركة 6 أبريل في يونيو 2010 التي ظهرت قبل ذلك بعامين من خلال دعوة إلى إضرابات وتظاهرات في مدينة المحلة بشمال القاهرة، ولعبت دورا في الحشد ضد نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وأسهمت في الحراك الشعبي.

دخل الخولي الحركة وأصبح عضوا نشطا ومسؤولا عن العمل الجماهيري بها في نوفمبر 2010، وتولى تنظيم حركة سير الحشود التي خرجت للتظاهر في ميادين مصر في الخامس والعشرين من يناير 2011، ومهدت الطريق لسقوط نظام مبارك.

وهو يوضح في أحد حواراته الصحافية مع جريدة الوفد المصرية أنه انشق عن حركة 6 أبريل في عهد الإخوان، أي عام 2012، عندما شعر أن القيادات القديمة التي أسست الحركة تقوم بأفعال مريبة أثارت شكوكه وهواجسه في توجهاتها، مبيناً أنه شعر بالارتياب مما كان يقوم به البعض من الأعضاء، وشرح رؤيته بوضوح في مسألة الالتباس التي فرضت عليه إعادة تقييم دوره معها.

ويضيف الخولي “في ظل سفرهم الغريب إلى قطر وعلاقتهم مع عدد من المنظمات المشبوهة قبل الثورة بأيام وعدم تعاملهم بالشفافية الكاملة حول تلك السفريات شعرت بأن أفعالهم الغريبة يمكن أن تشوه الحركة والثورة، ما اضطرني للانشقاق، وهو ما جعل أحمد ماهر (مؤسس حركة 6 أبريل) يحاول تشويهي من خلال علاقته بالإخوان والإعلام”.

حاول الخولي تأسيس حزب يضم أطيافا من الشباب أغضبتهم تصورات وتصرفات الكثير من أعضاء حركة 6 أبريل، خاصة بعد اقترابها من جماعة الإخوان والارتماء في أحضانها، لكن مشروع الحزب اختفى وطواه النسيان عقب اندلاع ثورة يونيو، لقد “شعرت أن اسم 6 أبريل غير مقبول في الشارع المصري بسبب أن قيادات الحركة الفاسدة لم تترك لها أيّ سمعة حسنة ما جعلني أعيد النظر في استخدام هذا الاسم”.

انتبه مبكرا إلى فحوى الخطاب الذي تبنته جماعة الإخوان، وأصبح في مقدمة من عارضو نظام حكمها من الشباب ودشن ضدها ما سُمّي بـ”تكتل القوى الثورية الوطنية” في مارس 2013 من ممثلي الحركات الشبابية والأحزاب المعارضة.

ابتعاد واقتراب

الخولي والشباب الذين يشبهون تفكيره حاولوا الإيحاء بأن الرئيس السيسي يضع لبنة لجمهورية ثالثةالخولي والشباب الذين يشبهون تفكيره حاولوا الإيحاء بأن الرئيس السيسي يضع لبنة لجمهورية ثالثة

يأخذ المختلفون مع الخولي عليه أنه اقترب كثيرا من النظام الحالي، ما أدى إلى ابتعاده عن أفكار ثورة يناير الخاصة بالحرية والكرامة والعدالة، للدرجة التي أفضت به إلى عدم إطلاق لفظ ثورة عليها، فتارة يصفها بحدث وأخرى تظاهرات تعبر عن الغضب ضد نظام مبارك، وهو ما بدا كأنه تخلّ عن ثوابته السابقة، إلا أن الخولي أرجع تغير موقفه من يناير إلى بعض من شاركوا فيها، من إخوان وقوى مدنية، وشاهدهم وهم يتحولون من حال إلى حال مناقض، ناهيك عن تغير مواقف شخصيات احتلت مكان الصدارة في المشهد العام.

اعترف أنه أحد الشباب الذين خدعوا في محمد البرادعي، أحد وجوه ثورة يناير والذي تولى منصب نائب رئيس الجمهورية بعد ثورة يونيو، وصفه بأنه “سياسي مايع”، ورجل يهرب في الأزمات، وأضاف ”كنت شاهدا على أن مكالماته مع السفيرة الأميركية في القاهرة مارغريت سكوبي هاتفيًا وبمعدل منتظم”، في إشارة توحي بأنه لم يكن مخلصا للثورة وأدبياتها.

وضع نجاح ثورة يونيو عام 2013 وتمكنها من إسقاط نظام الإخوان الخولي في مكانة بارزة، وبات في صفوف الشباب الذين لعبوا دورا مهما لاحقا في الحياة السياسية، وأصبح جزءا مهما في الهياكل التي تشكلت لإعادة صياغة المشهد العام.

انضم بصفة رسمية إلى حملة وزير الدفاع المشير السيسي بعد أن قرر الترشح لمنصب رئيس الجمهورية في انتخابات 2014، وتولى لجنة الشباب في الحملة الرسمية، وأسهمت خبراته في لفت الأنظار السياسية إليه.

النظام السياسي في مصر يحرص على تدريب شبابه، ومن أجل هذا الغرض أنشأ كيانات تتولى هذه المهمة، كالبرنامج الرئاسي للتدريبلاالذي يشكل القناة التي تمر عبرها النخب السياسية والتنفيذية

برز اسم الخولي مع ظهور قائمة “في حب مصر” التي شكلها اللواء الراحل سامح سيف اليزل، واختير مرشحا لقطاع القاهرة في انتخابات البرلمان عام 2015، والتي حقق جميع أعضائها، ومن بينهم الخولي، فوزا ساحقا، وأعيد انتخابه عن حزب مستقبل وطن في انتخابات البرلمان التي جرت عام 2020، ولا يزال عضوا به.

انتبه الشاب الطموح إلى حجم التحولات الجارية في الحياة السياسية بمصر، وسعى لتشكيل ما يسمّى بـ”جبهة شباب الجمهورية الثالثة” بهدف الاهتمام ببناء مؤسسات الدولة وتبني مشروع لتدريب وتأهيل الشباب على العمل السياسي، وإفراز نخبة جديدة منهم تنتشر في جميع أنحاء الجمهورية، لكن الخطوة لم يكتب لها النجاح، وحدث تعديل في الأولويات والمسميات، وخشي البعض حدوث انقسام في صفوف الشباب.

راج مصطلح الجمهورية الثالثة للتفرقة بين الجمهورية التي أسسها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عقب ثورة يوليو 1952 وتبنت توجهات اشتراكية، وبين الجمهورية التي أسسها الرئيس الراحل أنور السادات بعد توليه الحكم عام 1970 وكانت فترة الرئيس مبارك امتدادا لها في التوجهات السياسية والاقتصادية ذات الميول الغربية.

حاول الخولي ورفاقه من الشباب الإيحاء بأن الرئيس السيسي يضع لبنة لجمهورية ثالثة، حيث ضم التجمع عددا من شباب ثورتي يناير ويونيو، كإشارة على الدمج بينهما، على أن يقوم هؤلاء الشباب بالمشاركة السياسية من خلال البرلمان والمحليات.

اختفى العزف على وتر الجمهورية الثالثة لتهيئة المجال لاعتماد صك الجمهورية الثانية لتأكيد أن الرئيس السيسي يقود نظاما جديدا ومختلفا عن كل من سبقوه، وهو المصطلح المتداول حاليا في المحتوى السياسي الذي يعدّ الخولي من المشاركين في الترويج له شكلا ومضمونا، وبات عنصرا في عدد كبير من تفاعلاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق