إقتصاديةتحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

الاقتصاد الليبي: هل ستحفز تحذيرات البنك الدولي لليقظة الاستراتيجية لدى الفاعلين السياسيين؟

علي عبد اللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

أعطت تقييمات حديثة للبنك الدولي بشأن الاقتصاد الليبي نظرة أكثر تشاؤما، وطبعا ذلك ليس مفاجئا لا وغريبا وخاصة في ظل العراقيل والتحديات التي برزت في الفترة الماضية باعتبارها تعطل أي مسار للخروج من الوضع الضبابي الذي يحاصر أي مساع للتنمية المتوقفة منذ حوالي ثمان سنوات إضافة الى ترتبات وكوارث أكثر من أربع عقود من الحكم الفردي (تم إهدار الثروة الليبية في عهد القذافي فيما لا يهم الليبيين)، ولكن الثابت اليوم هو أن ليبيا بحاجة إلى استثمارات عاجلة في البُنية التحتية والمساعدة الاجتماعية للفئات الضعيفة- بما في ذلك حملة تطعيم ضد الجائحة أكثر فاعلية وانتظاما-  وكل ذلك رغم أهميته وضرورته لا يتجاوز التكتيكي المرحلي وأن ما هو مطلوب هو أهمية العمل على أن يكون لدى كل الفاعلين السياسيين والاجتماعيين ذهنية/يقظة استراتيجية وخلاقة لتُعيد ليبيا الى مربع القوة الإقليمية اقتصاديا ودبلوماسيا وسياسيا…

** الاقتصاد الليبي وتحذيرات البنك الدولي: هل من منتبه؟ 

1- أولا،حذّر البنك الدولي من مواجهة البلد تحديات اقتصادية هائلة نتيجة استمرار تفكك مؤسسات الدولة والصعوبات الاجتماعية مع توتر الأوضاع السياسية بعد فترة وجيزة من توقع صندوق النقد الدولي استمرار ارتفاع الأسعار ومعدل التضخم في البلاد، ويرى خبراء أنه رغم التقدم المحرز بشأن التسوية السياسية، إلا أن المسار الاقتصادي يواجه العثرات تلو الأخرى بسبب محاولة شخصيات بارزة تجنب أي خسارة للنفوذ، أو تعديل أوضاعها للاستفادة من المنظومة الجديدة، ويقول خبراء البنك في التقرير إن ليبيا بحاجة إلى استثمارات عاجلة في البنية التحتية والمساعدة الاجتماعية للفئات الضعيفة، بما في ذلك حملة تطعيم ضد الجائحة أكثر فاعلية وانتظاما، ومن حيث التفاصيل والحيثيات فقد نقلت وكالة الأنباء الليبية الرسمية عن المدير الإقليمي للبنك الدولي لمنطقة المغرب العربي ومالطا “جيسكوهنتشل” قوله إن “ليبيا تحتاج بشدة إلى مؤسسات موحدة وإدارة جيدة وإرادة سياسية قوية وإصلاحات طال انتظارها…”، وأشار إلى أن “أداء الاقتصاد المحلي في 2020 كان الأسوأ في السنوات الأخيرة في ظل مشكلات قطاع النفط وجائحة كورونا..”، ومعلوم أن الأزمة السياسية المتجددة في ليبيا قد ألقت بظلال قاتمة على قطاع النفط الذي يشكل محورا رئيسيا في إيرادات البلاد، بعدما اعتبر محللون أن تراجع الإنتاج يفوت فرصة ثمينة لتحصيل المزيد من الأموال في ظل ارتفاع الأسعار في السوق العالمية، وتتولى المؤسسة الوطنية للنفط إدارة قطاع النفط والغاز الليبي الذي يدر غالبية إيرادات البلاد، وهي من المؤسسات الرئيسية التي تعتبرها القوى العالمية حيوية للحيلولة دون تعمّق الانقسامات في ليبيا، ورغم أن البنك ملتزم “بدعم ليبيا من خلال المساعدة الفنية والخدمات التحليلية، إضافة إلى تمويل الصناديق الائتمانية والمنح”، إلا أنه يؤكد أن النمو في القطاعات غير النفطية ظل ضعيفا يعوقه الصراع المستمر وسوء الخدمات.

2- ثانيا،في بداية شهر ماي الحاليتوقع صندوق النقد الدولي استمرار ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم في ليبيا هذا العام ليصل إلى 3.7 في المئة، لكنه أكد إمكانية نزوله إلى حدود 2.4 في المئة خلال العام المقبل، وتشير توقعات الصندوق إلى أن نمو الناتج المحلي الليبي سيبلغ 3.5 في المئة خلال العام الجاري على أن ينمو ليصل إلى 4.4 في المئة في 2023 وينزل إلى حدود 3.6 في المئة عام 2027، وأكثر ما يتخوف منه المانحون الدوليون في ظل الوضع الراهن هو أن موثوقية البيانات الليبية، خاصة في ما يتعلق بالحسابات والتوقعات متوسطة الأجل، منخفضة على خلفية الحرب وضعف القدرات، وبحسب العديد من التقارير الدولية تسببت الحرب الروسية – الأوكرانية في تفاقم المشاكل الغذائية لدى خمس دول عربية، من بينها ليبيا التي ارتفعت فيها الأسعار بنسبة 30 في المئة، ومعلوم انه خلالالأسبوع الأول من الحرب الأوكرانية/الروسية حلقت أسعار القمح والدقيق وارتفع معها قلق التجار من انقطاع المخزون واضطروا إلى زيادة الأسعار في السوق المحلية. ووفقا لبرنامج الأغذية العالمي وقبل أزمة أسواق الغذاء الدولية جراء الحرب في أوكرانيا كان نحو 12 في المئة من الليبيين أو 511 ألفا يحتاجون إلى المساعدة في 2022، وتعاني ليبيا منذ سنوات أزمة اقتصادية حادة نتيجة الخلاف السياسي والحروب التي شهدتها بينما تتعاظم بشكل يومي الأزمة المالية في البلاد المتمثلة في ندرة السيولة المالية لدى البنوك الحكومية والخاصة نتيجة احتفاظ التجار بأموالهم في خزائنهم في البيوت خوفا من الأوضاع الأمنية أو وقوع حروب جديدة تحجب عنهم أموالهم في البنوك، وتشير بعض التقديرات إلى أن الدين العام الليبي تجاوز 71.4 مليار دولار، ما يزيد على حجم الناتج المحلي الإجمالي السنوي. ويتوقع محللون أن يواصل الصعود مع استمرار غموض مستقبل الاقتصاد.

** المستقبل وأهمية توفر الذهنية الاستراتيجية

1- أولا،منذ مطلع فيفري الماضي تشهد ليبيا أزمة سياسية حادة على خلفية تكليف مجلس النواب “فتحي باشاغا” بتشكيل حكومة بدلا من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة “عبد الحميد الدبيبة” الذي رفض التسليم إلا لحكومة تأتي عبر برلمان جديد منتخب ينهي كل الفترات الانتقالية في البلاد، وتلك الأزمة دعت مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة “ستيفاني ويليامز” إلى إطلاق مبادرة في الثالث من مارس الماضي تنص على تشكيل لجنة من مجلسيْ “النواب” و”الدولة” لوضع قاعدة دستورية تقود البلاد إلى الانتخابات في المستقبل القريب، ورغم أن جهود توحيد السلطة النقدية في ليبيا قطعت خطوة مهمة في ديسمبر 2020 بإقرار توحيد سعر صرف الدينار، بعد سنوات من الشد والجذب بين البنكين المركزيين المتنافسين في طرابلس وشرق البلاد، إلا أن توحيد المركزي لا يزال يواجه مخاضا عسيرا وتظهر المؤشرات أن قرابة 80 مليار دولار من احتياطات البلاد من العملة الصعبة تبخرت منذ بداية الأزمة، بعدما كانت عند مستوى 130 مليار دولار.

2- ثانيا، كثير من السياسيين في ليبيا لا ذهنية ولا يقظة استراتيجية لهم والدليل أن أغلبهم ما هم الا وظيفيين – بما يعني انهم ضيقي الأفق الاستراتيجي في قراءة مستقبل بلدهم- وهو ما جعلهم يخوضون منذ 2014 حربا بالوكالة لأذرع إقليمية خادمة ووظيفية بدورها لقوى دولية وهذه الأخيرة لا ترى في ليبيا الا ثروات هائلة ونادرة وممرا يسيرا للعمق الافريقي، والواقع أن ليبيا ورغم نجاحها بين 2012 و2014 في اجراء انتخابات تشريعية في مناسبتين وانتخابات بلدية وانتخاب هيئة الدستور، الا أنها دخلت في مطبات الأزمات السياسية والمترتبة على خلافات الخليجيين سواء خلال الخلاف الأول في 2014 أو نتاح الخلاف الخليجي الثاني في جوان/يونيو 2017 ولم تتبلور عقلية الحوار بين الليبيين إلا في نوفمبر 2020 وبناء على خارطة الطريق الأممية والتي أفضت في الأخير وبعد جولات عدة في سويسرا ومالطا وتونس والمغرب،  لاختيار مجلس رئاسي ثلاثي التركيبة (وممثل للمناطق الليبية الثلاث) وحكومة وحدة وطنية باشرت عملها منذ 05 فيفري 2021 حتى تجدد الازمة في نهاية فيفري 2022 …

3- ثالثا، رغم الازمة الحالية ومحاولات لي الاذرع عبر عمد البعض لإيقاف ضخ النفط في أكثر من حقل، فان آفاق الحل ستحددها الكثير من العوامل وهو ما سيحدد مصير الخارطة الأممية (تنزيل – تعديل – اسقاط)، ذلك أن “وليامز” والتي دعت أخيرا الى اجتماع جديد يوم 15 ماي في القاهرة للاتفاق على الأسس الدستورية لإجراء الاستحقاقات الانتخابية (والمرتقب تحديد موعدها الجديد بين جوان/يونيو وسبتمبر /أيلول) ومن ثم الدفع بالمسارات الأربع للتكامل ورسم حل نهائي للازمة التي بدأت أولى خيوطها منذ ماي 2014، ولاشك أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية ووما يجري في تونس منذ 25-07-2021، وما يجري في دول الساحل من تطورات (انقلابات 2021 الأربع –انقلاب بوركينا فاسو ومحاولة الانقلاب في غينيا بيساو- محاولات متكررة للتنظيمات الإرهابية بحثا عن التمدد – الانسحاب الفرنسي من مالي والتموقع في النيجر – التمدد الروسي من افريقيا الوسطى في اتجاه دول الغرب الافريقي…) وهي عوامل وتطورات ستكون لها تأثيراتها على مربعات وتفاصيل الحل وفي رسم المشهد السياسي الليبي مستقبلا ومن ثم فان رسم حل دائم وقادر على الاستمرار يتطلب ذهنية سياسية ليبية قارئة للتطورات الدولية والإقليمية ومن ثم رسم استراتيجيا لرفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية الليبية في افق نهاية العقد الحالي حتى يمكن فعلا الاستفادة من ثروات ليبيا فمن غير الطبيعي ان يتحدث البنك الدولي عن أزمات في بلد يمتلك أرقاما وايرادات مهولة من الغاز والنفط وتحديدا في ظل ارتفاع أسعارها وبشكل جنوني…

4- رابعا، خلال الأيام الماضية تبلورت أسس حل مرتقب وشبه متوافق عليه إقليميا ودوليا رغم التجاذبات بين الحكومتين المتنافستين في شرق البلاد وفي غربها من جهة وبين الجزائريين والمصريين في كثير من الجزئيات ملفات المنطقة المغاربية من جهة ثانية إضافة للتباينات بين المصريين والاماراتيين وبين الروس والأمريكيين من جهة ثالثة، وقد صرح المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأمريكية “سامويلوربيرغ”منذ يومين بالقول “ستفرض الأمم المتحدة والولايات المتحدة وشركائها الدوليين وحلفائها في المنطقة وخارجها، عقوبات على المعرقلين للعملية السياسية وإجراء الانتخابات في ليبيا…”، ذلك التصريح/الحوار لقناة الحرة الأمريكية قائم فعليا على حقيقة أن استراتيجية الولايات المتحدة هي دعم الاستقرار ليبيا وكل دول منطقتي “شمال” و”غرب افريقيا”، وهو ما ألمح اليه نفس المسؤول من خلال القول أيضا أن “استراتيجيتناهي دعم خيار الشعب الليبي الذي اختار الانتخابات، والعمل مع كل الأطراف للوصول إلى حل وقد حان الوقت لوجود حكومة ليبية موحدة تواجه كل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها ليبيا”،كما قام السفير والمبعوث الأمريكي الخاص إلى ليبيا “ريتشارد نورلاند” خلال الفترة الماضية لقاءات مع كل الأطراف في ليبيا، ونشجع القادة الليبيين على المضي قدما نحو الانتخابات برعاية أممية…

5- خامسا، لاشك أن الحل في ليبيا يقوم على استثمار خيرات وثروات البلد وتلبية مطامح الشعب الليبي فالليبيونجميعا ملوا المعارك والحروب والتجاذبات والاصطفاف لهذا الطرف الإقليمي أو ذلك، ولم تستفد ليبيا من الطفرة النفطية منذ بداية الستينات حيث ذهبت إيرادات النفط لمسالك أخرى وخاصة منذ منتصف السبعينات كما تم تعطيل الإنتاج في السنوات الماضية بسبب التناحر والصراع السياسي، ومن ثم فانه لا حل الا عبر التوافق والحوار وتشبيب الطبقة السياسية ولأن مشروعية المؤسسات الحالية قد تآكلت منذ أكثر من سنتين والمطلوب هو العمل على إيجاد عقلية سياسية بناءة وتوافقية في إدارة البلد وبناء استراتيجيات طويلة المدى وعبر فاعلين يقظين استراتيجيا ذلك ان الفعل السياسي هو بناء تكتيكي ومرحلي بينما الفعل الاقتصادي والاجتماعي هو استراتيجي الأهداف ونتائجه دائمة في آثارها…

6- سادسا،الخلاصة أن مستشارة الأمين العام للمم المتحدة “ستيفاني وليامز” والتي شغلت في ليبيا قبل ذلك ثلاث مناصب بين سنتي 2017و2021 (قائمة بالأعمال في سفارة بلادها – مساعدة المبعوث الاممي الرابع- مبعوثة أممية بالنيابة)، وها هي تضع اليوم نصب عينيها أن بعض أطراف في المؤسسات الليبية الحالية سواء في شرق البلاد أو في غربها تُريد تدوير المناصب وخاصة السيادية تحديدا وأنه لا أفق استراتيجي لتلك النخبذلك أن كل همها وشغلها الشاغل هو العمل على تأجيل كل الاستحقاقات، وهو ما سيدفع “وليامز” في الأخير الى تحيين لجنة الحوار والمسارعة بإرساء حل توافقي وجامع ويلبي ويعبر على مواقف الشعب الذي أبدى رغبته الحقيقية في تجديد مشروعية الأطراف كافة من خلال الإقبال الهائل على بطاقات الانتخابات (أكثر من مليوني بطاقة) وهي حالة غير مسبوقة، وفي الأخير ومن خلال استقراء خطواتها فان “وليامز” ساعية لتنزيل الخطة التنفيذية لخطتها عبر سيناريوهات عدة وبعضها تظهره للجميع وبعضها تخفيه على الكثير من الفاعلين الإقليميين والمحليين – وهي تعي كثيرا طبيعة التداعيات الجيوسياسية لما يجري في أوكرانيا وفي منطقة الساحل الافريقي- إضافة لفهمها معاني عودة الجزائر بقوة للملفات المغاربية والتمسك بإداراتها والحضور القوي في تفاصيل حلها وتفكيك ألغامها، ومن ثم فهي – أي “وليامز”- ساعية لرؤية انجاز ما خططت له يما وخطته وخاطته في نوفمبر 2020 من تفاصيل وحلول في الملف الليبي وعبر تماه مع تحركات المبعوث الأمريكي الى ليبيا والذي قام كما اسلفنا ذلك أعلاه بلقاءات مراطونية وخطوات عدة لتحقيق هدف دفع ليبيا الى مربع الاستقرار والمرسومة في استراتيجيا أمريكية تخص حوالي عشر بلدان من بينها ليبيا طبعا…

المصدر : الرأي العام العدد 255 بتاريخ 12ماي 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق