التشادتحاليلتقاريرسياسيةشؤون إفريقية

تشاد : أي أفق للوساطة القطرية بعد التوافق الأولي بين الحكومة والمعارضة؟

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

بعد الترنح في مرات عدة، دخل الحوار التشاديالذي يجري في العاصمة القطرية الدوحة مرحلة جديدة حيث سلم الوسيط القطريمجموعات المعارضة التشاديةالثلاث خلال الأيام الماضية الرد الحكومي على المطالب التي سبق وأن تقدمت بها لتوقيع اتفاق سلام في البلاد، وأظهر الرد الحكومي وجود توافق مع المعارضة في الكثير من مطالبها:

  • بناء سيادة القانون والمساواة على أساس دستور يتلاءم مع الدولة الحديثة مع مراعاة خصوصية تشاد…
  • اصدار قانون العفو العام…
  • وقف أي عملية حكومية لقوات الشرطة أو الجيش تستهدف مواقع الجماعات السياسية العسكرية…
  • إعادة الممتلكات والأصول التي استولت عليها الدولة أو صادرتها في سياق الإدانات القضائية…
  • الإفراج عن جميع أعضاء الجماعات السياسية والعسكرية…

والسؤال المهم اليوم بعد هذه الخطوة الهامة وغير المسبوقة في التشاد منذ بداية تسعينات القرن الماضي هو: أي افق للوساطة القطرية بين الحكومة والمعارضة، وهل يمكن القول إنه سيتم بناء دولة مدنية في المستقبل، وهل سيتم غلق باب الصراعات الاثنية والقبلية والعسكرية للتفرغ للتنمية في بلد يعيش ضمن إقليم متحرك ويعرف صراعات وحروب مع التنظيمات الإرهابيةكما يعرف صراع نفوذ بين قوى دولية عدة؟

1- أولا، من المهم التأكيد أن الرد الحكومي قد تضمن نقاط توافق عدة على غرار: توفير الضمانات وتدابير الأمن لأعضاء الجماعات السياسية العسكرية وممتلكاتهم عند عودتهم إلى تشاد، وحرية حركة أعضاء الجماعات السياسية العسكرية، ومشاركتهم في الحياة العامة والانتخابات، وإطلاق برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وإعادة تأهيل وإدماج المديرين التنفيذيين المدنيين الذين عادوا من المنفى في الخدمة العامة وفقًا للمعايير المطلوبة، وإضافة إلى ذلك، تضمن التخلي عن الكفاح المسلح واللجوء إلى العنف بجميع أشكاله، والكف عن القيام بأي اعتداء مهما كان شكله ونشر الدعايات المغرضة في وسائل الإعلام، وإنشاء لجنة لمتابعة تنفيذ الاتفاقية ورفع طلب للمجتمع الدولي بضمان تنفيذ الاتفاقية وتسهيل الوسيط متابعة وتنفيذ بنود الاتفاقية.

2- ثانيا،وحول نقاط الاختلاف مع المعارضة، أشار الوفد الحكومي في رده إلى أن من بين المطالب الـ20 التي تقدمت بها مجموعة قطر 14 مطلبا منها تدخل ضمن اختصاص الحوار الوطني الشامل، و4 مطالب رد عليها مشروع الاتفاق الحكومي، ومطلبين اثنين يتعارضان معه، فيما اعتبر الوفد الحكومي أن 11 مطلبا لمجموعة روما تدخل في اختصاصات الحوار الوطني الشامل و4 مطالب يستجيب لها المشروع الحكومي و7 مطالب تتعارض مع مشروع الاتفاق الحكومي ويمكن تجاوزها في إطار المفاوضات، واعتبر الوفد الحكومي أن من بين الـ23 مطلبا التي تقدمت بها مجموعة الدوحة، “10” من هذه المطالب تقع ضمن اختصاص الحوار الوطني الشامل و”7″ مطالب يستجيب لها المشروع الحكومي و”6″ مطالب تتعارض معه.

3- ثالثا،لخص الرد الحكومي نقاط الاختلاف مع مجموعات المعارضة الثلاث مقارنة بمشروع الاتفاق الحكومي بـ “7” نقاط هي إعلان وقف اطلاق النار وقف اطلاق النار، وتشكيل لجنة تحقيق وإحصاء وتقييم الأضرار التي ألحقتها قوات الدفاع والأمن في بعض الولايات، وإعادة تشكيل وهيكلة اللجنة المنظمة للحوار الوطني الشامل، وسلامة مندوبي الحركات السياسية العسكرية وجميع المشاركين في الحوار الوطني الشامل بواسطة قوات حفظ سلام أفريقية تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع أسرى الحرب والمعتقلين السياسيين وسجناء الرأي بمرسوم رئاسي خاص، وإنشاء 3 لجان “المجلس العسكري الانتقالي والحركات المسلحة ومنظمات المجتمع المدني”، وإعادة تنظيم وتشكيل القوات المشتركة التشادية السودانية لإشراك الحركات المسلحة فيها.

4- رابعا، يمكن الجزم أن وفد الحكومة التشاديةوفي قراءة أولية ومتأنية لنص الوثيقة، قد أبدى مرونة في الاستجابة لبعض مطالب المعارضة المتعلقة بوقف إطلاق النار الشامل بشرط تخلي الحركات السياسية والعسكرية عن استخدام العنف بجميع أشكاله، ونقل مبدأ التعويضات لجميع المناطق التشادية إلى الحوار الوطني الشامل، وعدم الممانعة في انضمام حركات المعارضة التي ستوقع على الاتفاق إلى اللجنة التنظيمية للحوار الوطني الشامل لاستكمال ما تبقى من مهامها. واستعداد الحكومة لاتخاذ جميع التدابير لضمان أمن وسلامة جميع المشاركين في الحوار الوطني الشامل بشكل عام والحركات السياسية بشكل خاص بالتنسيق مع الوسيط، وتعهدت بتقديم مشروع قانون عفو عام مكمل للقانون الذي صدر بالفعل لفائدة قادة المتمردين المحتجزين بعد أن تتم محاكمتهم لأنها لا تعتبرهم معتقلين سياسيين، وستنظر في طلب النيابة العامة وقف متابعة الأشخاص المعنيين وهو ما يعني إطلاق سراحهم على الفور.

5- خامسا،وفي المقابل رفض الوفد الحكومي التشادي مطلب إعادة تنظيم القوات المسلحة وتشكيل القوات المشتركة التشادية السودانية وإشراك الحركات السياسية والعسكرية فيها. وقال إن هذا المطلب لا يستند الى أساس ولا يمكن النظر فيه، لأن القوة المشتركة التشادية السودانية منشأة بموجب اتفاق بين دولتين وتدار أيضا بقرارات مشتركة، إلا أن الوفد الحكومي أبدى استعدادا لدمج عناصر من الحركات السياسية العسكرية العائدين ضمن قوات الدفاع والأمن من قبل إداراتهم متى كان ذلك ضروريا بما في ذلك القوة المشتركة التشادية السودانية في إطار التناوب الدوري وقال إنه لا يمكن إدراج هذه الترتيبات في مشروع الاتفاق الذي يجري التفاوض بشأنه في العاصمة القطرية الدوحة.

6-سادسا،وافق الوفد الحكومي على تضمين مطالب الحركات السياسية والعسكرية التي اعتبرها تدخلا في اختصاصات الحوار الوطني الشامل في الاتفاقية المبرمة في الدوحة ليجري نقاشها في الحوار الوطني الشامل، وتتعلق هذه المطالب بتعديل الميثاق الانتقالي بهدف مشاركة أعضاء الحركات السياسية والعسكرية في أجهزة السلطة الانتقالية ما بعد الحوار الوطني الشامل وإنشاء جيش وطني غير سياسي متعدد الأجناس مستنبط من الأمة وتحديد المسؤولية في اختفاء أسرى الحرب وإنشاء لجنة الحقيقة والعدالة والمصالحة، وعودة اللاجئين التشاديين في دول الجوار وإدارة الفترة الانتقالية ما بعد الحوار مع الحكومة ومراجعة جميع الاتفاقيات الثنائية والجماعية الملزمة للدولة من أجل تعليق أو إلغاء ما يتعارض منها والمصلحة العليا للبلاد.

7- سابعا،اعتبر الوفد الحكومي أن المهمة الرئيسة للحوار التمهيدي، هي تهيئة الظروف للحركات السياسية والعسكرية الموقعة على اتفاقية الدوحة المرتقبة للمشاركة في الحوار الوطني الشامل ذي السيادة، دون أن يهيمن على صلاحيات هذا الأخير أو يحل محله، ويضمن الوفد المفاوض باسم الحكومة التشادية للأطراف الموقعة على اتفاقية الدوحة المحتمل مكانتها في جميع أجهزة الحوار الوطني الشامل ذي السيادة وكذلك الأحزاب السياسية وجميع القوى الفاعلة للأمة.

8- ثامنا، فعليا أكد الوفد الحكومي انفتاحه على الحوار البناء للتغلب على جميع العقبات المتعلقة بنقاط الاختلاف أو التباين دون التدخل في اختصاص الحوار الوطني الشامل ذي السيادة، كما جدد ثقته بوساطة دولة قطر والتزامها بإحلال السلام والاستقرار في تشاد، ومعلوم أن الوسيط القطري يقوم بالتواصل مع كل من الوفد الحكومي ومجموعات المعارضة التشادية المشاركة في الحوار لإعداد “مسودة اتفاق” مقبول من الطرفين ومستندة إلى مطالبهما، وكانت الحكومة التشادية قد استجابت منذ أيام للدعوة القطرية بتأجيل الحوار الوطني الشامل، الذي كان مقررا عقده في العاشر من ماي الجاري إلى موعد جديد يحدد لاحقا، وقالت وزارة الخارجية التشادية في بيان صحافي ردا على الدعوة القطرية بتأجيل الحوار: “تود الوزارة إخطار دولة قطر بموافقة السلطات العليا الانتقالية على تأجيل الحوار الوطني الشامل إلى موعد لاحق، يحدد بعد إجراء المشاورات اللازمة مع المؤسسات والجهات السياسية الفاعلة ذات العلاقة”، ووفق وزارة الخارجية القطرية، فإن الدعوة لتأجيل الحوار جاءت بناء على المعطيات الجارية في مفاوضات الدوحة، وذلك لمنح الأطراف المشاركة فيها مزيدا من الوقت للتوصل إلى اتفاق سلام تمهيدا لانعقاد الحوار الوطني الشامل في العاصمة التشادية “إنجامينا”…

9 تاسعا، الخلاصة أن الحوار بين الحكومة التشادية ومعارضيها وان تأجل الى موعد لاحق وبطلب قطر ومكونات المعارضة، إلا أنه يسير نحو التوافق النهائي بين مختلف مكونات المشهد السياسي التشادي، كما أن الأمل في غلق باب الصراعات والتناحر منذ بداية ثمانينات القرن الماضي قائم هذه المرة، وقد نجح الوسيط القطري حتى الآن في تقريب وجهات النظر وفي طرق أبواب توافق نهائي ومرتقب بين الفرقاء التشاديين وان الأمل في قيام دولة مدنية كبير وممكن خاصة وان العسكريين التشاديين وعلى عكس المرات والعقود السابقة قد أبدوا تفهما كبيرا وقدموا تنازلات في نقاط عدة لمعارضيهم – وهو ما رفضه الرئيس السابق ادريس ديبي حتى وفاته مقتولا في افريل 2021 – ويمكن الجزم اليوم أن مفاوضات السلام التشادية(والتي انطلقت في الدوحة في الثالث عشر من شهر مارس/آذار الماضي)، تَسير بخطى جيدة بل وتحرز تقدما ملموسا وغير مسبوق وأن الصراعات السياسية والقبلية والعسكرية الدائرة منذ نهاية السبعينات بل ومنذ استقلال التشاد قد يغلق بابها نهائيا ومن تفرغ الاخوة الفرقاء للتنمية والبناء خاصة في ظل وعي منهم جميعا بما يجري في دول الساحل والصحراء ( صراعات – انقلابات – تمدد التنظيمات الإرهابية)، إضافة لتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وتنامي صراع النفوذ بين مختلف القوى الدولية على القارة السمراء…

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق