تحاليلتونسشمال إفريقيا

تونس : هل انتهت الصلاحية السياسية لـــ”بودن” وحكومتها؟

في ظل تردي الأوضاع المعيشية وفي ظل سياسة الهروب للأمام

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

 

غيَّب العديد من المتابعين ومنذ أشهر طرح سؤال: “لماذا لم يُعين الرئيس “سعيد” حكومة إلا بعد ثلاثة أشهر ونصف من حركة/انقلاب 25 جويلية، بل لماذا لم يترك الحكومة القديمة أو جزء منها لتصريف الأعمال؟”، وان لا يختلف اثنان في أن “سعيد” قد انتهج طوال الأشهر التسعة الماضية منطق الحكم الفردي الخالص بعد امتلاكه لكل السلطات إضافة الى تقلص فريقه الاستشاري بشكل لافت للنظر ومن الواضح أن مربعات أنصار الرئيس من تنسيقيات وأحزاب قومية ويسارية قد عرفت الفترة الماضية حالات انقسام وخاصة بعد استقالة مديرة الدريون الرئاسي “نادية عكاشة” في جانفي/يناير الماضي، وأن كل ذلك ترتب عليه ارث كبير سياسيا وخاصة في ظل إصرار المعارضة على رفضها لسياسات “سعيد” عبر النزل شهريا للشارع منددة بخياراته واجراءاته وطرق رفضه لأي حوار وطني جامع وبدون شروط مسبقة، كما أن الأوضاع المعيشية والتهاب الأسعار والصعوبات اليومية في أغلب القطاعات إضافة للعزلة الدولية لتونس منذ سبتمبر الماضي والتي تتنامى كل يوم، وأمام تعدد سَيلَ الاشاعات في هذا الاتجاه أو ذاك وأمام رفض “الاتحاد” لعمل الحكومة واتباعه منهج الحذر وسياسة جس النبض وبـتأن، فان السؤال الذي سيطرح خلال قادم الأيام هو هل انتهت الصلوحية السياسية لــــــــــــــــــ”بودن” وحكومتها؟

 

1- أولا، كان واضحا من البداية أن الرئيس “سعيد” يَرغب في العمل مع شخصيات تدين له بالولاء الكامل وفقا لرؤية يؤمن بها وتتلخص في أنه الرئيس الوحيد وأنه يجب أن يكون واسع الصلاحيات (وهو ما يتنافى مع دستور 2014)، كما أنه يرفض العمل مع أي أشخاص لهم هامش الحرية في اتخاذ القرار وبعيدا عن التنسيق مع القصر الرئاسي والدليل في ذلك استقالة الكثير من المستشارين سواء في القصر (ريم قاسم – النيفر- الجنرال “الحامدي” – “عبدالرؤوف الطبيب” و”طارق بالطيب” وآخرين)، كما تمت اقالة رئيس الديوان السابقة ومستشارين في القصبة بل وتم التدخل في أكثر من مناسبة واضافة الى ذلك تم اعفاء معتمدين بعد مدة قصيرة من تعيينهم وذلك ينسحب على مسؤولين في رئاسة الحكومة والقصر وبعض وزارات ولعل آخر المبعدين هو مسؤول التشريع “منير عجرود”، والخلاصة في هذا المجال أن “سعيد” تأنى كثيرا قبل تعيين “بودن” ولن يُعوضها إلا متى وجد من هو بنفس الشروط ان لم يكن أكثر وبغض النظر عن طبيعة وصحة الاخبار التي روجت في أكثر من مناسبة حول طلب “بودن” للاستقالة أو قرب تغييرها فان الثابت أنه قد يتم تغييرها في أول تحوير وزاري والذي يؤكد البعض انه سيشمل في حد أدنى بين خمس وثامن حقائب وزارية…

 

2- ثانيا، غير خاف على كل متابع للتطورات السياسية في تونس منذ بداية السنة الحالية أن هناك حوالي خمس وزراء ومسؤولين يعتقدون جازما أنه سيكونون معوضين ل”بودن” خلال الفترة القادمة وأساسا في أول تحوير وزاري وهؤلاء هم :

 

  • وزير الشؤون الاجتماعية “مالك الزاهي”، وهو الذي كان مديرا لحملة “سعيد” في منوبة وكان يحضى بدعم قوي من “الاتحاد” الا أن العلاقات بينه وبين “الطبوبي” لم تعد قوية كما كانت (وخاصة بعد تدوينته منذ أيام والتي اعتبرت ردا غير مباشر على مواقف المنظمة الشغيلة وأساسا على تدوينة أحد المقربين الرئيسيين من “الطبوبي” إعلاميا في اسوار المنظمة)

 

  • وزير الداخلية توفيق شرف الدين، وهو الذي تراجعت مربعات حضوره بعد سحب شبه رسمي للكثير من صلاحيات التسميات لصالح أحد مستشاري القصر الرئاسي، الا انه يبقى الرجل القوي رغم انتقادات له من طرف بعض أحزاب مساندة للرئيس واجراءاته وخاصة حركة الشعب الناصرية (فعليا رفض “المغزاوي” أن يكون “شرف الدين” رئيسا للحكومة في بداية أكتوبر الماضي، كما انتقد “هيكل المكي” شرف الدين في أكثر من مناسبة).

 

  • وزيرة العدل “ليلى جفال”، وهي أهم أعضاء الحكومة الذين يحضون بثقة “سعيد”، وهي من تتابع كل الملفات القضائية وتوجيهات “سعيد” في ذلك الشأن بحرفية نادرة واستثنائية)، ومعلوم أن المرسوم 117 يعطيها كوزيرة للعدل امتيازات كبرى مقارنة ببقية الوزراء…

 

  • محافظ البنك المركزي مروان العباسي، وهو الذي يَعتبره البعض رئيس الحكومة الفعلي وأنه من يُسير الحكومة اجرائيا وفي ملفات عدة

 

  • سارة رجب، وهي تشغل رسميا خطة الكاتبة العامة للحكومة، ويعتبرها البعض انها المعوضة المرتقبة لــــــــــ”بودن”، وهي تحضى بثقة الكثير من الإداريين ولها امتدادات مع قدماء الوزراء وبعض أركان القديمة كما لها تواصل مع كثير من السياسيين من مختلف المشارب الفكرية والسياسيين وعلاقاتها ودية مع المنظمات الوطنية الست الرئيسية…

 

 

3- ثالثا، جاهزية الوزراء/المسؤولين سالفي الذكر أعلاه قائمة على طموحاتهم الكبيرة وموقعهم ضمن اهتمامات أنصار “سعيد” ولدى مسانديه في بعض أحزاب لا تزال معه في الخطوط الكبرى من حيث تبينها ودعمها لمنظومة 25-07، كما أنهم جميعا يحضون بدعم شخصي من “سعيد” ولكن بدرجات متفاوتة، والحقيقة أن “سعيد” يتبنى منهجية الشهيد “ياسر عرفات” بحيث يجعل من كل فريقه الرئيسي مرتب على ذهنية انه الرجل 2 في منظومته، ومعنى ذلك فإن أيام “بودن” وفي ظل المعطيات الحالية وبناء على ان الحوار الذي ينوي الرئيس “سعيد” أن يُديره ( وهو الذي اعتبره قد انطلق منذ مدة ومع الصادقين فقط حسب رؤيته)، وهو حوار لن يُدار موضوعيا وحسابيا الا بإجراءات جديدة وتركيبة حكومية جديدة ان لم تتغير المعطيات الراهنة، ولكن الثابت أيضا ان “سعيد” ربما يتمسك بسيدة لرئاسة الحكومة لاعتبارات تسويقية سياسيا في اتجاه المجتمع الدولي وجزء من الرأي العام النخبوي ذلك أن “سعيد” يضع في اعتباره رؤية وحشد أنصاره في كل فعل سياسي وفي أي قرار …

 

4- رابعا، لم تستطع “بودن” رغم كفاءاتها الإدارية (حيث عملت مع كل وزراء التعليم العالي بحرفية كبيرة وخاصة مع وزير التعليم العالي السابق المرحوم “منصف بن سالم”)، اقناع الرأي العام ولا حتى “سعيد” نفسه بأنها رئيسة حكومة فعليا من حيث النجاعة والقدرة على إدارة الحكومة ومتابعة عمل الوزارات، والواقع أن “بودن” تَسيرُ على طريق صعبة ومليئة بالأشواك السياسية، فهي كاتبة دولة ملحقة بالرئاسة فعليا وهي رسميا رئيسة حكومة بينما هي لا تدير الفريق الوزاري في كل عمله وهو فريق يعتبر فيه الكثير من أعضائه انهم على تواصل مباشر مع “سعيد” ومستشاريه أكثر منها، كما أن بعضهم يعتقد أنه أولى بمنصبها الرسمي، وينطبق ذلك أساسا على وزيري العدل والداخلية كما ينطبق على كثير من الوزراء ومحافظ البنك المركزي بل ومسؤولين آخرين من غير الوزراء، وقد تم ارباك “بودن” أكثر من مرة من طرف كثيرين فقد استقالت كاتبة الدولة “عايدة حمدي” منذ أكثر من ثلاث أشهر بل ولم تنتظر الرد على استقالتها وغادرت الى باريس بينما استقالت الوزيرة السابقة ومستشارة بودن “عاقصة البحري” وانسحبت في هدوء، ويظهر ان ذلك قد يتكرر مستقبلا وبأكثر درامية ودراماتيكية لو واصلت “بودن” مهامها وتواصل نسق الفعل السياسي في القصبة وفي البلاد بنفس الآليات…

 

5- خامسا، يرفض “سعيد” أن تترك القصبة في فعلها السياسي بعيدا أن أنظاره وهو يعرف جيدا أن وجود بديل وبنفس مواصفات “بودن” صعب توفره وأن المجتمع الدولي بل وحتى المؤسسات الصلبة في الدولة ترغب بطرق غير مباشرة في شخصية اقتصادية قوية وذات علاقات ممتدة على غرار أسماء ربما تم اقتراحها عليه ومن بينها:

 

  • مصطفى كمال النابلي(وزير التخطيط في بداية التسعينات ومحافظ البنك المركزي مباشرة بعد الثورة)
  • منذر الزنايدي(وزير التجارة والسياحة والصحة الأسبق والذي رفض الانخراط في نداء تونس)
  • النوري الجويني(وزير سابق ومختص في التنمية والاستثمار)
  • فريد بلحاج(الموظف السامي في البنك الدولي والذي قابل سعيد في أكثر من مناسبة وخاصة بعد 25-07-2021
  • الفاضل عبد الكافي، وهو رجل المال والاستثمار المعروف ورئيس حزب آفاق تونس (والذي تملكه بعقلية الأصل التجاري)، ذلك انه ليبرالي محافظ والحزب يساري ووسطي كتوجهات) مع أن سعيد من الصعب أن يقتنع بتسميته …
  • أسماء أخرى، على غرار “خيام التركي” و”الحبيب الديماسي” و”راضي المؤدب” و”حكيم حمودة” وآخرين من رجال المال والاقتصاد والاستثمار…

 

 

6- سادسا، رغم أن سعيد وعلى ما هو ظاهر سياسيا غير آبه بالانتقادات التي توجه للحكومة وفعلها السياسي والاجتماعي وأنه ماض في مشروعه وبنفس الآليات وانه لا يزال معترضا على الحوار الوطني الشامل، فانه واع بأهمية احداث تغييرات على تركيبة الحكومة الملحقة بالقصر من حيث فعلها اليومي والثابت أنه سيغير وزراء عديدين في التركيبة القادمة فان الثابت أن اسم رئيس الحكومة القادم جار البحث عنه وان نسبة ان يكون سيدة يقارب الـــــــ 66 بالمائة وان سارة رجب ووزيرة العدل الأكثر حظا في صورة عدم اقتناع الرئيس ومستشاريه المقربين بأسماء مثل التي ذكرناها أعلاه وربما يتم الاختيار مجددا على شخصية تكون “بودن2” ويربح بها الرئيس سعيد وفريقه الكثير من الوقت حتى مرحلة قادمة في مسار اداراته للبلاد حتى انتخابات 2024 في صورة استدام له الامر بظروفه وآلياته وصبت التداعيات الإقليمية والدولية لصالح أطروحاته ومشروعه ولكن ذلك مرتبط فعليا بمخرجات الحوار الوطني واستراتيجيا المعارضة بفريقيها ( جبهة الخلاص – ائتلاف بعض الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية) وأيضا الكثير من الفاعلين الاجتماعيين والشارع أيضا والقوى الصلبة للدولة….

 

سابعا، الخلاصة أن ليس مهما أن تكون “بودن” على رأس الحكومة أو غيرها من التكنوقراط، ولكن المهم ان يعي السياسيون وأولهم “سعيد” ومعارضيه ومسانديه أن التوافق والحوار هما الحل الوحيد لإنقاذ بلد يبدو مصيره ليس بعيدا عن “يونان” الأمس وعن راهن “لبنان” و”مصر “و”سيريلنكا”، والثابت أن شخصية اقتصادية وسياسية في نفس الوقت، هي من يجب أن تترأس حكومة انقاذ ناتجة عن طاولة حوار جامعة لكل التونسيين وبدون استثناء، وما عدا ذلك سيبقى العبث والمصير المجهول شيئين مرتقبين حتى لو طالت المدة بسياسات ترقيع وهروب للأمام ومهما اعفتنا الظروف في توقي ذلك المصير مؤقتا….فهل من مستمع ومتأمل وناصح أمين؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق