تحاليلشمال إفريقيامصر

مصر: تنافس بين الأجهزة حول إدارة الحوار

تسود حالة من الارتباك داخل الأجهزة الأمنية المصرية حول آلية إدارة حوار مرتقب بين الأطراف السياسية. في المقابل، تستعد “الحركة المدنية الديمقراطية” لعقد لقاء ثالث في مقر حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، للتباحث حول دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لـ”حوار وطني”.

كما أكدت مصادر مصرية معارضة أن استجابة مجموعة من المعارضين بالخارج لدعوة النظام المصري للحوار، “شرط اتخاذ عدة إجراءات وتدابير من أجل بناء الثقة”، قد يتم سحبها في الأيام القليلة المقبلة، وعدم الاعتراف بالحوار.

وأصبحت الدعوة التي أطلقها السيسي، في أواخر شهر رمضان الماضي، خلال إفطار الأسرة المصرية في 26 إبريل/ نيسان، ساحة لتنافس خفي بين الأجهزة الأمنية “السيادية” داخل النظام، مع العلم أن الرئيس المصري أطلق دعوته بحضور شخصيات محسوبة على المعارضة، مثل المرشح السابق لرئاسة الجمهورية حمدين صباحي، ثم تطورت الدعوة إلى مناقشات وإجراءات فعلية لترتيب الحوار.

امتعاض جهاز الأمن الوطني

 

وبينما تحاول الدائرة المقربة من السيسي، وعلى رأسها مدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، فرض رؤيتها وشروطها وآلياتها للحوار “المفترض”، يشعر المسؤولون بجهاز الأمن الوطني التابع لوزارة الداخلية بأن إدارة أي نشاط سياسي داخل البلاد مسألة تخصّ الجهاز دون غيره من أجهزة، وهو ما أكده مصدر خاص لـ”العربي الجديد”.

وقال المصدر إنه “من الطبيعي والمتعارف عليه منذ زمن طويل أن جهاز أمن الدولة (الأمن الوطني حالياً) هو المسؤول الأول عن أي نشاط سياسي داخل البلاد، بينما تقع المسؤولية على عاتق المخابرات العامة في الشؤون الخارجية والدولية”.

وأضاف أنه بسبب ذلك، يشعر المسؤولون بجهاز الأمن الوطني بأن تنفيذ وإدارة الحوار الذي دعا إليه السيسي كان يجب أن يتم من خلالهم، لأنهم أصحاب خبرة طويلة في التعامل مع الأنشطة السياسية الداخلية تمتد إلى عقود طويلة.

وتطرق المصدر إلى شمول صلاحيات جهاز أمن الدولة ملفات كانت تخص بالأساس جهاز المخابرات العامة، مثل ملف الإسلاميين بالخارج وتمركزاتهم في دول مثل ألمانيا وبريطانيا وغيرهما، منذ تسعينيات القرن الماضي، وأصبح التعامل مع أمثال هؤلاء يتم عبر “أمن الدولة” وليس المخابرات العامة.

يعتبر جهاز الأمن الوطني أن من حقه إدارة النشاطات السياسية

وتابع المصدر: “أيضاً في الفترة الأخيرة، عادت الكثير من الملفات التي استحوذ عليها جهاز المخابرات العامة لفترة (مثل الأحزاب والنقابات والصحافة والإعلام ومجلس النواب) إلى جهاز الأمن الوطني ليشرف عليها، وذلك بعد أزمة أحداث سبتمبر/ أيلول 2019 الشهيرة، والتي كان محرّكها الفنان والمقاول الهارب محمد علي”.

وقال إن “التنافس الخفي ما بين الجهازين (المخابرات العامة والأمن الوطني) يمكن ملاحظته في تفاصيل، مثل محاولات الأخير الواضحة لإثبات أنه صاحب القرار الأول والأخير في قرارات العفو والإفراج عن المعتقلين السياسيين، حتى أنه بعد قرار السيسي بالإفراج الفوري عن الصحافي حسام مؤنس، المقرّب من حمدين صباحي، تم الإفراج فوراً عن 3 صحافيين محسوبين على جماعة الإخوان المسلمين، وهم: عامر عبد المنعم، وهاني جريشة، وعصام عابدين”.

وأكد أن “قرارات الإفراج عن الصحافيين الثلاثة، تمّت بواسطة الأمن الوطني، عبر النيابة العامة”. وأضاف المصدر أنه “من خلال تفاصيل مثل هذه، يمكن رصد التباين بين الجهازين لإثبات الوجود وفرض السيطرة”، مشيراً إلى أنه “من الطبيعي أن يقلق المسؤولون بجهاز الأمن الوطني من حقيقة إشراف المخابرات العامة على الحوار الوطني المفترض، ولذلك فهم يحاربون الفكرة من أساسها”.

وبدأت حالة الرفض من جانب بعض مكونات المعارضة المصرية لإشراف جهاز المخابرات العامة على الحوار الوطني الذي دعا إليه السيسي أخيراً تظهر إلى العلن، وسط تأكيدات على أن الدعوة يتم في الوقت الراهن تفريغها من مضمونها، في إطار مناورة من جانب النظام المصري لتفويت الفرصة لإحداث أي تغييرات من شأنها السماح بمشاركة سياسية حقيقية، ورفع القيود عن أدوات تداول السلطة بشكل سياسي وسلمي.

في هذا الإطار، أكد النائب السابق محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية، المحسوب على الأجهزة الأمنية، رفضه “للطريقة التي يتم بها التعامل مع الدعوة الرئاسية”.

وقال: “كنت دوماً وما زلت من المرحبين والداعين للحوار الوطني الشامل الذي دعا إليه الرئيس السيسي، ولكني غير راض ولا مطمئن لإسناد تنظيمه وإدارته لبعض المؤسسات الشبابية التي تنتمي وتدار بمعرفة أجهزة بعينها (في إشارة إلى جهاز المخابرات العامة الذي يتولى القيادي بالجهاز، الذراع اليمنى لمديره اللواء عباس كامل، العقيد أحمد شعبان، الإشراف على الأكاديمية الوطنية للشباب) في شكل كرنفال مفتوح”.

وأضاف السادات في بيان، أنه “ربما لن يحقق الحوار الهدف منه حتى لو صاحبت هذه الدعوة والاحتفالية انفراجة مؤقتة ومحدودة، تتمثل في الإفراج عن بعض المحبوسين احتياطياً أو إصدار عفو رئاسي عن المحكوم عليهم في قضايا سياسية، فالمشكلة ستظل قائمة ومتكررة”.

وأشار السادات، الذي يشغل عضوية المجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى “السرعة والجدية التي تمت في المؤتمر الصحافي العالمي لرئيس الوزراء (مصطفى مدبولي، يوم الأحد الماضي) لإطلاق حزمة حوافز جديدة لجذب الاستثمارات وتشجيع القطاع الخاص”.

واعتبر أن “الحوار الوطني الذي يأتي بعد طول انتظار، ينبغي أن يعقبه التأسيس لنظام سياسي وعقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكومين، يشعر من خلاله المصريون بأحقيتهم في المشاركة في السياسات والقرارات التي تتعلق بآمالهم وتطلعاتهم، وأيضاً حريتهم في تحديد أولوياتهم في اختيار الإنفاق وترشيده في مشروعاتهم الحالية والمستقبلية، وشعورهم بأن هناك فصلاً وتوازناً بين السلطات ومساءلة ومحاسبة من خلال احترام الدستور والقانون وتطبيقه على الجميع، من خلال نظام قضائي عادل ومستقل ليس فيه تمييز أو تفرقة بين القطاعين الخاص والأهلي ومؤسسات الدولة بما فيها شركات القوات المسلحة”.

كشفت البيانات المتعددة للسادات عن تراجع حماسة معارضين للحوار

وتابع السادات: “لا نريد أن نتشاءم، ولكن أتمنى أن ننتهز هذه الفرصة لإعادة بناء الثقة ومد جسور التفاهم التي غابت لفترات طويلة، لكي نستطيع البناء الصحيح لمستقبل هذا الوطن والأجيال القادمة”.

وكان السادات قد أبدى تحفظات على الحوار في الأول من مايو/ أيار الحالي، وتساءل في بيان: “لماذا لا يقود مجلس الشيوخ تنفيذ الحوار السياسي؟”، داعياً إلى “تفادي تكرار مؤتمرات ومنتديات الشباب التي تختلف في الهدف والمضمون عن الحوار السياسي المنتظر عقده”.

ويبدو أن بيان السادات الأول قد أثار غضب بعض المسؤولين، فأصدر بياناً آخر في 3 مايو بعنوان “مصر أولاً”، قال فيه: “دعونا نتفائل ونطمئن بالخطوات التي تحدث كل يوم ونتعاون جميعاً لتحقيق وتشجيع هذه التطورات الإيجابية، من دون تشكيك أو فرض شروط مسبقة حتى تستقيم أحوال البلاد والعباد، والقادم أفضل”، لكنه عاد وأصدر بياناً، أول من أمس الثلاثاء، هاجم فيه “الخطة الخاصة بالحوار”.

وما عبّر عنه السادات بشكل معلن في بيانه الأخير، هو نتاج ما يدور في الجلسات المغلقة لعدد من الشخصيات المحسوبة على المعارضة أخيراً من الذين تراجعت حماستهم لتلبية الدعوة الرئاسية، بعدما أدركوا أنهم سيتحولون إلى مجرد قطع ديكور لتجميل صورة النظام السياسي.

 

تراجع الحماسة للحوار

 

من جانبه، قال مصدر حزبي مصري إن “كافة الجلسات التي جرت أخيراً، شهدت نقاشات وصلت إلى حد التراشق بالألفاظ بين المشاركين، خصوصاً بعدما تم فتح الاجتماعات لمشاركة الأحزاب المحسوبة على النظام والأجهزة الأمنية”.

وأوضح أن “شخصيات بارزة في دائرة الحكم المصرية طلبت من بعض رموز المعارضة المصرية الذين كانوا ضمن معسكر الثلاثين من يونيو، دعم توجهات الرئيس بشأن دعوة الحوار الوطني”، وعدم منح الفرص لمن سماهم بـ”الشباب الثائرين، والمخربين، الذين لا يريدون سوى رؤية مشهد الثورة والهدم الدائم”.

وقال المصدر إن “حالة الحماسة لدى من سارعوا وشاركوا في إفطار الأسرة المصرية إلى جانب السيسي، تراجعت كثيراً، خصوصاً بعدما أعلنت الأكاديمية الوطنية للشباب عن إدارة الحوار على طريقة المهرجانات السياسية ومنتديات الشباب”.

من جهة أخرى، أبدى معارضون ما وصفوه بـ”سطوة القيادي بجهاز المخابرات العامة العقيد أحمد شعبان على الدعوة الرئاسية، وتحديد مساراتها، باعتبارها نشاطاً حكومياً أو رسمياً، ما يتعارض تماماً مع طبيعة الدعوة التي تهدف في المقام الأول لكسر حالة الجمود التي تهمين على المشهد السياسي المصري”.

وقال مصدر سياسي: “فوجئنا بقائمة محددة لأسماء من السياسيين الذين أبدوا آراء متوافقة مع رؤية الأجهزة الأمنية للحوار، خلال جلسات لممثلي الأحزاب وشخصيات سياسية، هي فقط المسموح لها بالظهور على الفضائيات المملوكة لجهاز المخابرات العامة، ومَن دونهم ممنوعون من الظهور على الرغم من الحديث عن أجواء مغايرة ومنفتحة”.

وأوضح المصدر أن “هناك من الشخصيات السياسية من تلقى تهديدات مباشرة قيل إنها جاءت من شعبان مباشرة، مفادها أنه ليس معنى أن هناك حديثاً عن حوار سياسي أو أن هناك ضغوطاً مفروضة على الدولة في الوقت الراهن، أن يتم تجاوز الخطوط الحمراء من جانب النشطاء والسياسيين بشأن ملفات سياسية ورموز الدولة”.

وأضاف أنه “تم التأكيد عبر رسائل من شعبان، على أن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن الاقتراب منها”، لافتاً إلى أن “تلك الخطوط تتمثل في شخص الرئيس أو الحديث عن نفوذ أبنائه، وكذلك الاقتراب من أي إجراءات متعلقة بتداول السلطة”.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق