رأيشمال إفريقيامصر

مصر.. صفقات السلاح التي تزيد المصريين فقرا

وفقا لـ”معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (SIPRI) -وهو مؤسسة بحثية معروفة في السويد- فإن مصر أصبحت ثالث أكبر مستورد للسلاح بالعالم عام 2020؛ وذلك بعد السعودية والهند. ووفق تقرير “الاتجاهات في عمليات نقل الأسلحة الدولية” الصادر عن المعهد قبل عام، فإن واردات مصر من الأسلحة زادت بنسبة 136% خلال السنوات الست الأخيرة.

أصبحت مصر ثاني أكبر مستورد للسلاح الإيطالي خلال الأعوام الأخيرة، وذلك بعد أن وقعت الحكومة صفقات سلاح مع روما بما يتراوح ما بين 10-12 مليار دولار تشمل فرقاطات بحرية وغواصات وأقمارا صناعية عسكرية وغيرها.

الأكثر من ذلك أن مصر أنفقت ما يقرب من 44 مليار دولار على شراء السلاح خلال العقد الماضي، معظمها جاء بعد استيلاء الرئيس عبد الفتاح السيسي على السلطة عام 2014. فعلى مدار السنوات الثماني الماضية عقد الرئيس السيسي العديد من صفقات السلاح مع الدول الكبرى مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة وروسيا والتي حققت في بعض الحالات أرقاما قياسية لشركات تصنيع وبيع السلاح في تلك البلدان.

وفي التفاصيل، نكتشف على سبيل المثال أن مصر أصبحت أكبر ثاني مستورد للسلاح من فرنسا بنسبة وصلت إلى 20% من مبيعات السلاح الفرنسي للخارج وذلك خلال الفترة من 2016 إلى 2020. فعلى سبيل المثال عقدت مصر صفقة لشراء أسلحة فرنسية بمبلغ وصل إلى حوالي 5.8 مليارات دولار في فبراير/شباط عام 2015 شملت شراء 24 طائرة رافال المقاتلة وفرقاطة بحرية. وفي مايو/أيار 2021 وقعت مصر عقدا لشراء 30 طائرة رافال أخرى بمبلغ يصل إلى 4.5 مليارات دولار؛ وهو ما جعلها أكبر ثاني دولة في العالم تمتلك أسطولا من طائرات الرافال المقاتلة بعد فرنسا. أما اللافت في الأمر فإن تمويل الصفقتين تم من خلال قروض وديون خارجية لمصر سواء للحكومة أو البنوك الفرنسية.

مثال آخر هو صفقات السلاح التي عقدها الرئيس السيسي مع ألمانيا والتي جعلت مصر أكبر مشتر للسلاح الألماني خلال عام 2021. فوفق تقرير لوزارة الاقتصاد الألمانية، فإن مصر اشترت سلاحا من ألمانيا بما يوازي 4.8 مليارات دولار وهو أكبر مبلغ لصادرات السلاح الألماني لبلدان من خارج دول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي وفق التقرير. وشملت صفقات السلاح مع ألمانيا أسلحة بحرية وجوية.

أما الحالة الثالثة فتتعلق بصفقات السلاح مع إيطاليا والتي وصلت أيضا إلى مستويات قياسية. فقد أصبحت مصر ثاني أكبر مستورد للسلاح الإيطالي خلال الأعوام الأخيرة وذلك بعد أن وقعت الحكومة المصرية صفقات سلاح مع روما بما يتراوح ما بين 10-12 مليار دولار تشمل فرقاطات بحرية وغواصات وأقمارا صناعية عسكرية وغيرها.

كذلك عقدت مصر صفقات سلاح مع روسيا بمليارات الدولارات. ووفق تقرير “معهد ستوكهولم الدولي” فقد زادت مشتريات السلاح المصري من روسيا بحوالي 430% خلال آخر 6 سنوات. علما أن روسيا أيضا تبني محطة “الضبعة” النووية والتي تصل تكلفتها إلى حوالي 25 مليار دولار؛ أكثر من ثلثيها قروض من روسيا. ولا يمكن أن ننسى هنا صفقات السلاح من أميركا والتي كان آخرها في يناير/كانون الثاني الماضي، حيث وافق البيت الأبيض على بيع سلاح لمصر بمبلغ 2.5 مليار دولار. ناهيك عن المساعدات العسكرية السنوية لمصر والتي تقدر بحوالي 1.3 مليار دولار.

وفي مقابل مليارات الدولارات التي تم إنفاقها على السلاح خلال أقل من عقد، فقد زاد حجم الفقر والفقراء في مصر خلال نفس الفترة ووصل إلى مستويات قياسية أيضا. فحسب العديد من التقارير الدولية فإن ما يقرب من ثلثي الشعب المصري (أي حوالي 60 مليون نسمة) يعيشون تحت خط الفقر. أما وفق التقارير الرسمية المصرية فإن حوالي ثلث السكان (أي ما يقرب من 30 مليون نسمة) يعيشون تحت خط الفقر والذي يعني عدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية للفرد كالأكل والشراب والسكن والصحة والتعليم. بل في بعض المحافظات خاصة في صعيد مصر وصلت نسبة الفقر إلى ما يقرب من 60% من السكان كما هو الحال في محافظتي أسيوط وسوهاج. كذلك تراجعت الطبقة الوسطى المصرية مقابل زيادة الطبقة الفقيرة وذلك بسبب التضخم وارتفاع الأسعار وفي نفس الوقت ثبات أو تراجع مستوى الدخول. ناهيك عن ارتفاع نسبة البطالة خاصة بين الشباب والفتيات إلى مستويات كبيرة في ظل حالة الركود الاقتصادي وضعف منظومة التعليم التي لا تواكب احتياجات سوق العمل.

ومن يتابع صفقات السلاح والمبالغ الهائلة التي أنفقت عليها خلال السنوات الماضية، يعتقد أن مصر قد أصبحت قوة عظمى أو أنها على وشك الدخول في حرب خارجية مع عدو قريب. في حين أن واقع الحال يشير إلى أن كل هذا السلاح ليس له سوى هدف واحد وهو شراء الولاء السياسي للدول الغربية وذلك من أجل ضمان سكوتها على الانتهاكات المروّعة لحقوق الإنسان التي تحدث في مصر. وهو ما يبدو جليا في مواقف بلد مثل فرنسا التي رفض رئيسها إيمانويل ماكرون صراحة وبكل وقاحة ربط مبيعات السلاح لمصر بملف حقوق الإنسان. بل ومنح السيسي وسام “جوقة الشرف” وهو أرفع وسام فرنسي في ديسمبر/كانون الأول 2020.

ولذلك فإن هذه البلدان لا تقدّم فقط الدعم السياسي لأحد أكثر الأنظمة التي حكمت مصر سلطوية وفسادا في تاريخها الحديث، ولكنها أيضا شريكة في إفقار الشعب المصري من خلال الاستيلاء على أمواله وقوت يومه. ولا يسعنا إلا أن نتذكر ونذكّر بمقولة المتنبي الخالدة “وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء”.

المصدر: الجزيرة

خليل العناني: كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق