أثيوبياتحاليلسياسيةشؤون إفريقية

سد النهضة: لماذا تمارس “أديس أبابا”سياسة الهروب للأمام؟

مع قرب عملية الملأ الثالثة وفي ظل ضعف تكتيكات القاهرة وانشغالات الخرطوم الداخلية

علي عبداللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

تواصل إثيوبيا عمليات البناء في سد النهضة في الوقت الذي اقترب فيه موعد الملء الثالث للسد المقرر مطلع شهر جويلية/يوليو المقبل والغريب أن ذلك يتم من دون الالتفات للمطالب المصرية أو السودانية بشأن التوصل لاتفاق قانوني شامل وملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل،ويأتي ذلك فيما فشلت كل محاولات القاهرة للضغط على أديس أبابا لوقف عمليات البناء وتعلية الممر الأوسطي في جسم السد لحين التوصل لاتفاق نهائي، أو الذهاب إلى جولة مفاوضات جديدة، فما هو مستقبل عمليات الوساطة، ولماذا تعمل “اديس ابابا” للمناورة، وقبل ذلك ما سر تعيينها لكبير مفاوضيهافي ملف “سد النهضة” سفيرا في واشنطن، وهل أن ذلك هو مرحلة ثانية في خطة المحاصرة الفعلية للتحركات المصرية؟

** هل أن تعيين كبير مفاوضي سد النهضة سفيرا في واشنطن هو مرحلة ثانية في خطة محاصرة التحركات المصرية؟

1- أولا،منذ بداية ماي الجاري، استلم السفير الإثيوبيالمعين لدى الولايات المتحدة الأميركية “سيليشيبيكيلي” مهامه رسميا، واعتبر المتابعون أن ذلك التعيينما هو الا تحرك من جانب “أديس أبابا” لتفادي الضغوط التي تسعى مصر لفرضها عليها عبر الإدارة الأميركية خلال الفترة المقبلة خاصة وأن السفيرهو عمليا كبير مفاوضي ومستشاري سد النهضة في الإدارة الاثيوبية وخاصة بعد تركه منصبه كوزير للمياه، وكان السفير “بيكيلي”نفسه قد أكد حال استلامه لمهامه أن”مهمته ستتركز على بناء علاقات دبلوماسية طويلة الأمد عبر مجموعة من الآلياتومن بينها بناء الصورة”، ولا يختلف اثنان اليوم أن الخطوة الإثيوبية قد أتت بعد إدراك”اديس ابابا” طبيعة التحركات المصرية على صعيد التعامل مع أزمة سد النهضة والتي تعول كثيراً على الإدارة الأميركية في التوصل إلى حل يخفف من التبعات السلبية المرتقبة للإجراءات الأحادية الإثيوبية.

2-ثانيا،يمكن الجزم أن وجود وزير المياه الإثيوبي السابق والذي شارك لفترة طويلة في مفاوضات سابقة للسد ضمن الآلية السداسية التي كانت تضم وزيري الخارجية والمياه لكل من مصر والسودان وإثيوبيا، علاوة على دوره ككبير مفاوضي بلاده في أزمة السد، يحمل دلالة كبيرة على ما توليه إثيوبيا من اهتمام بموقف الإدارة الأميركية بشأن أزمة السد، كما بمكن التأكيد أن تقليده المنصب الجديد يعد بمثابة خطوة استباقية لإفشال أية مساعٍ مصرية للضغط علي “اديس ابابا” عبر واشنطن، ومعلوم أن القاهرة جددت مطالبها منذ أسابيع للإدارة الأميركية بضرورة تكثيف ضغوطها على الحكومة الإثيوبية من أجل إطلاق جولة مفاوضات جديدة قبل شروع الحكومة الإثيوبية في الملء الثالث لسد النهضة المقرر له موسم الفيضان الجديد الذي يبدأ في جويلية/يوليو المقبل، ويأتي ذلك في ظل حالة التجاهل الإثيوبي التامة للنداءات المصرية والسودانية، ومعلوم أيضا أن أزمة السد كانت من بين الملفات الرئيسية على أجندة وزير الخارجية المصري”سامح شكري” خلال زيارته الأخيرة إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، وقد طالب يومها من نظيره الأميركي “بلينكن” بضرورة التحرك العاجل على صعيد الأزمة بين مصر وإثيوبيا مشدداً يومها على أن الأوضاع في مصر لن تحتمل أية هزات متعلقة بالأمن المائي والغذائي للمصريين في ظل الأزمة العالمية التي تعاني منها الاقتصادات الناشئة بسبب تداعيات السلبية للحرب الروسية على أوكرانيا.

3- ثالثا،في الأول من مايو/ أيار الجاري، احتفل “سيليشي”نفسه بالذكرى الحادية عشرة لوضع حجر الأساس لتشييد سد النهضة الإثيوبي، وكتب على حسابه الرسمي في “تويتر” يومها “يصادف اليوم إنشاء سد النهضة قبل 11 عامًا،ومنذ نحو شهر بدأنا في توليد الكهرباء، ونخطط لاستكمال بناء محطة لتوليد 15700 غيغاوات في الساعة في العامين المقبلين. مبروك للزملاء الإثيوبيين والمهنئين من أبناء إثيوبيا”، وفي نفس اليوم الذي غرد فيها المسؤول الاثيوبي بذلك أعلنت وكالة أمن شبكة المعلوماتتعرض أجهزة كمبيوتر اثيوبية تُستخدم في مشروع سد النهضة لهجمات إلكترونية، وقال المدير العام للوكالة يومها”شوميتجيزاو” إن الوكالة أحبطت هجمات إلكترونية مخططة كانت تستهدف سد النهضة الإثيوبي، كما أكد أيضا أن “الهجمات الإلكترونية كانت محاولات لعرقلة أعمال سد النهضة من خلال استهداف 37 ألف جهاز كمبيوتر مترابط تستخدمها المؤسسات المالية وأن كياناً مدعوماً من دول لا تريد السلام والنمو في إثيوبيا كان يعمل على تخريب البناء الناجح لسد النهضة من خلال شن عملية حرب إلكترونية”، قال إنها تسمى “حرب الهرم الأسود”.

** جولتان من المفاوضات الثلاثية بوساطة إماراتية بدون أي تقدم فعلي

1- أولا،بدأت منذ حوالي شهرين جولات مفاوضات بين الدول الثلاث بوساطة إماراتية رسمية وأوضحت مصادر إعلامية إماراتية وعربية أن “المشاورات الأخيرة كانت على المستوى الفني من جانب وفود متخصصة من البلدان الثلاثة؛ مصر والسودان وإثيوبيا، وجرت في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وذلك بعدما أقنع الإماراتيون الإثيوبيين بالمشاركة بضمانات من جانبهم حيث حضر ممثلون عن دولة الإمارات للاجتماعات غير المعلنة كمراقبين”، ومعلوم أن إثيوبيا قد بدأت في فيفري الماضي، تشغيلاً محدوداً لتوربين بالسد، كمرحلة أولى لإنتاج الكهرباء ووفق وسائل إعلام رسمية، فإن السد الواقع غربيّ إثيوبيا والقريب من الحدود مع السودان، يمكنه توليد 375 ميغاواطا فقط من الكهرباء من التوربين الذي تم تشغيله، وفعليا جرت المشاورات على مدار جولتين ولكنها لم تحقق اختراقاً يُذكر في أي من القضايا العالقة بينما انحصر التعاون الإثيوبي في إمكانية تنسيق الجهود بين البلدان الثلاثة قبل عملية الملء الثالث فقط، مع التأكيد على الرفض التام لاطلاع المصريين والسودانيين على أي معلومات دقيقة تخص عملية تشغيل السد في الوقت الراهن وكذلك خطط الاستعداد للملء الثالث، وقد أبدى الإثيوبيون استعداداً لإخطار مصر والسودان قبل الشروع في عملية الملء الثالث، حتى يتسنى للدولتين الاستعداد وتجنب أي آثار سلبية، ولكن الوفد الإثيوبي تمسك أيضاً خلال المشاورات، برفض الملاحظات الفنية المتعلقة بأمان مشروع السد، والتي تطرحها مصر، من دون أن يقدم أي تصميمات هندسية، حيث طرح التقارير الفنية السابقة لمكاتب فرنسية.

2- ثانيا، فشل الجولتين فرض على الاماراتيين برمجة عقد جلسة مشاورات جديدة في أبوظبي بين الوفود الثلاثة قبل منتصف جوان/يونيو المقبل، وأوضحت مصادر إعلامية أنه “تم إطلاع مستشار الأمن القومي الأميركي “جيك سوليفان” على تفاصيل الجلستين الماضيتين خلال زيارته الأخيرة للقاهرة، حيث طالب المسؤولون في مصر بدور أميركي أكثر فاعلية لزحزحة إثيوبيا عن موقفها الرافض لإبداء أي مرونة، سواء بشأن المفاوضات الفنية الجارية في أبوظبي، أو التعاطي مع المطالب المصرية السودانية لإطلاق جولة مفاوضات سياسية جديدة بشأن الأزمة”، وفعليا ورغم تمسك القاهرة في الماضي بعدم مسايرة “أديس أبابا” في إجراءات لا تأتي على قاعدة الوصول لاتفاق ملزم لكافة الأطراف، إلا أنها اضطرت أخيراً للقبول بالمبادرة الإماراتية، على أمل إحداث أي اختراق في الموقف الإثيوبي قبل الملء الثالث، وأيضاً في ظل مواجهة مصر أزمات داخلية واقتصادية، وفعليا “ترغب القيادة المصرية بالوصول إلى اتفاق بشأن سد النهضة يمكن تسويقه شعبياً ويُخفف من حدة الاحتقان في الشارع المصري، بعدما فشلت كافة المحاولات بهذا الإطار أخيراً، وكان الرئيس “السيسي” قد أكد خلال لقائه “سوليفان” ووفد أمريكي رفيع المستوى في 11 ماي الحالي، على “التمسك بضرورة التوصل لاتفاق ملزم بين الأطراف الثلاثة، ومعلوم إن “سوليفان”وحسب مصادر إعلامية عربية ومصرية قد استخدم خلال مباحثاته مع السيسي ورقة “سد النهضة”، بل ولوّح بإمكانية تقديم مساعدة أميركية في هذا الشأن من أجل الحصول على تعهدات مصرية في مسألة العلاقات مع روسيا، وضرورة دعم الموقف الأميركي في أزمة الحرب الروسية الأوكرانية”.، وأوضحت نفس تلك المصادرأن “حاجة واشنطن إلى موقف مصري داعم في الأزمة الروسية الأوكرانية، حرّك الكثير من الملفات التي تهم القاهرة، وبينها ملف أزمة سد النهضة”.

3- ثالثا،القاهرة تعي جيداً أن أزمة السد صعبة ومعقدة، وأن موقفها فيها ضعيف، في ظل عدم وجود نص قانوني في اتفاقية اعلان المبادئالتي تم توقيعها بين الدول الثلاث في الخرطوم عام 2015، يلزم إثيوبيا بالموافقة على الطلبات المصرية بخصوص السد، والمتمثلة خصوصاً في التوقيع على اتفاق قانوني شامل وملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد”.، ومعلوم أن آخر جلسة للمفاوضات قد جرت قبل أكثر من عام ( أي في افريل2021) وتحديدا برعاية الاتحاد الأفريقي، أعلنت عقبها الدول الثلاث فشلها في إحداث اختراق، ما دعا مصر والسودان للتوجه إلى مجلس الأمن الذي أصدر قراراً رئاسياً منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، شجع فيه الدول الثلاث  على استئناف المفاوضات برعاية الاتحاد الأفريقي، للوصول إلى اتفاق مُلزم خلال فترة زمنية معقولة، ومعلوم أنه تم تداول أنباء خلال الأسبوعين الماضيين مفادها استمرار أعمال تعلية الممر الأوسط بسد النهضة الإثيوبي، وقال مختصون وباحثون مصريون إن “أعمال تعلية الممر الأوسطي للسد وصلت إلى منسوب يتراوح بين 580 و581 متراً وأشاروا إلى “استمرار تشغيل ممر واحد للاستخدامات، مع تشغيل أول توربين منخفض”.

** تعنت “اديس ابابا”يراكم خسارات القاهرة في كل الاتجاهات 

 1- أولا، القاهرة أثبتت رغم كل الإمكانيات اللوجستية وموقع مصر الاستراتيجي باعتبارها إقليم قاعدة في المنطقة العربية، أنها قد ارتكبت أخطاء قاتلة واستراتيجية منذ 2014 فهي قد أمضت اتفاقا تبين انه في صالح اديس ابابا ثم لم تستطع توظيف الازمة الأثيوبية الداخلية، ومن ثم خرجت أثيوبيا في موقع قوة رغم هزات حرب “تيغراي” كما ربحت الوقت وانتصرت ضمن مربعات الاتحاد الافريقي عندما غاب “السيسي” عن قمة الاتحاد وظهر في الصين في نفس يوم افتتاح القمة، ولاحقا أصبحت أثيوبيا تفعل وتبادر والقاهرة ترد الفعل على عكس ما قبل 2015 وها هي  أديس ابابا عقد عينت كبير المفاوضين الأثيوبيين لمحاصرة مبادرات ووساطات وتكتيكات القاهرة ثم أيضا استطاعت ان تحاصر القاهرة حتى في محيطها العربي (التباينات المصرية الإماراتية وتباين الموقفين السوداني والمصري في كثير من تفاصيل الموضوع – رغم أنهما في نفس المربع- وقبل ذلك تباين دول حوض النيل مع القاهرة ورفضها كثير من مطالبها ومقترحاتها)   …

2- ثانيا،شهدت العلاقات المصرية/الاماراتية حالة من الفتور والتباين خلال الأشهر الماضية بشأن عدد من الملفات الساخنة التي تمر بها المنطقة، وتلعب فيها أبوظبي دوراً فاعلاً، بالإضافة إلى الملفات المشتركة بين البلدين، ومعلوم أنه “كانت هناك حالة من الاستياء لدى صنّاع القرار في مصر من مواقف حكام دولة الإمارات أخيراً، بسبب تجاهل مطالبات مصرية متكررة حول عدد من الأزمات من بينها سد النهضة، إذ تقتنع القاهرة بأن أبوظبي تدعم أديس أبابا بما يساهم في تقوية موقف الأخيرة في مقابل القاهرة والخرطوم، وقالت مصادر أن “علاقات الإمارات وتواصلها المستمر مع إثيوبيا، من دون النظر للمطالبات المصرية باستغلال تلك العلاقات في مساعدة القاهرة، بل على العكس من ذلك دعمت أبوظبي أديس أبابا مالياً أكثر من مرة، وهو ما أغضب المسؤولين المصريين من الجانب الإماراتي، وكان دبلوماسي مصري قد أكد ليومية عربية إن “استراتيجية الإمارات في هذه القضية تنطلق من أرضية الاستثماراتوالعلاقات، وبدعم قوي من إسرائيل، وهذا ما يأتي على حساب مصر”، بل ان ذلك الدبلوماسي أضاف أن “الإمارات ترتبط بعلاقات قوية جداً مع إثيوبيا، ولها استثمارات هناك بمليارات الدولارات، ويعنيها في المقام الأول بسط هيمنتها على المضائق في جنوب البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وبالتالي التحكم في مياه أعالي نهر النيل، وهذا طبعاً يتم لصالح إسرائيل، الحليف الرئيسي الحالي لحكام أبوظبي”.

3- ثالثا، لا يمكن تغييب حقيقة أن “جولتي المفاوضات الفنية، اللتين عقدتا في أبوظبي خلال الشهرين الماضيين، وحضرهما ممثلون فنيون من الدول الثلاث، يمكن أن تكونا ضمن محاولات لطمأنة القاهرة في قضية المياه في وقت يحتاج فيه الحلفاء الرئيسيون للإمارات (أميركا وإسرائيل) إلى مصر في بعض القضايا الساخنة على الساحة العالمية”.، ومعلوم أن الولايات المتحدة تحتاج إلى الدعم المصري المطلق في أزمة الحرب الروسية الأوكرانية، وهناك حديث أميركي تردد أخيراً عن أن الدعم الذي تنتظره واشنطن يصل إلى حد نقل طائرات “ميغ” روسية من مصر إلى أوكرانيا لاستخدامها ضد روسيا، مع أنه أمر مستبعد نظراً لعلاقات القاهرة القوية بموسكو ولعدم يسر الخطوة فنيا وديبلوماسيا،وفي الأخيريمكن الجزم أن العلاقات المصرية الإماراتية تحسنت قليلاً بعد القمة التي عقدت في منطقة النقب المحتلة واستضاف فيها وزير الخارجية الإسرائيلي يومها نظراءه من مصر والإمارات والمغرب والبحرين بحضور وزير الخارجية الأميركي..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق