الرئيسيةتحاليلشمال إفريقياليبيا

الجغرافية السياسية للوطن الليبي ..

    سراج دغمان: باحث ليبي     سراج دغمان: باحث ليبي

 

يُنبئنا التاريخ أن الجغرافية الليبية وتركيبتها السُكانية تشكلت من خلال المواجهة وليست من خلال السلم والبناء الناعم وأنها الحلقة الأضعف في المتوسط وشمال إفريقيا بسبب وضعها الجغرافي وقلة الكُتلة السُكانية فليبيا من البلدان التي شهدت تحولات كثيرة في بُنية ديمغرافيتها السكانية بشكل ملحوظ عبر تاريخها

ولعلها من أسباب ضعفها الظاهري تستمد مركز قوتها وجاذبيتها فهي نُقطة إلتقاء الرياح الجيو سياسية من الجنوب الأوروبي والمغرب الأمازيغي والشرق الأوسط وهذا يجعل منها جغرافية التوازنات ومركز إلتقاء المصالح والحضارات

ودائمًا ما يتأثر الداخل الليبي عندما يحدث خلل ما أو مغالبة خط من إحدى هذه الخطوط الجيوبوليتيكية الثلاث بحيث ينعكس ذلك سلبًا على الداخل الليبي الهش وحينها تحدث الفوضى والنزاعات الدامية داخل المكون الإجتماعي الليبي الذي ماهو سوى إمتداد ومنتوج لمحيطنا الجغرافي والإقليمي بحيث نتأثر من مراكز القوى المحيطة بنا وغالبًا لا نؤثر إلاَّ عندما يكون الخط المغاربي قوي ومتماسك حينها تُصبح ليبيا مركز إشعاع لهذا الخط بتجاه الشرق والشمال لأنهُ يُعبر عن هويتها الحقيقية ..

تُدرج الحضارات القديمة التي أسست ليبيا سواءً الفينيقية أو الإغريقية أو الرومانية بالحضارات المائية التي أتت عبر البحر وليست من الحضارات الأرضية وهنا تكمن أهمية ليبيا الأساسية بأنها أم الشواطئ المُجنحة التي تربط الشرق الأوسط بالمغرب الأمازيغي ومناطق الوسط الإفريقي بالشمال الأوروبي

وقد كان تأثير الحرب العالمية الثانية واضحًا وجليًا في تغيير هوية هذه الخطوط الجيوبوليتيكية الثلاث المحيطة بليبيا وهذا بدأ منذُ عملية الشُعلة التي قادها الجنرال الأمريكي دوايت أيزنهاور الذي أصبح رئيسًا للولايات المتحدة فيما بعد وهو أول قائد أعلى لحلف الناتو وكانت عملية الشُعلة قد بدأت في الثامن من نوفمبر 1942 عندما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإنزال قواتها في المغرب الشقيق لدخول وإجتياح أوروبا الجنوبية عبر الجزائر وتونس ولم يكن هذا المُخطط سوى بنصيحة الماكر الإنجليزي الذي قل نظيرهُ تشرشل الذي إستوعب باكرًا أن الإجتياح الألماني لفرنسا أضعف الخط

الجيو سياسي النابوليتاني القديم الذي سيطرت عليه الإمبراطورية الفرنسية التي شيدت أجزاء من مستعمراتها في الدول المُطلة على سواحل أوروبا الجنوبية وفي العُمق الإفريقي وبتالي كانت الطريق ممهدة لدخول القوات الأطلسية إلى الخط الجيو سياسي المغاربي ومن ثم الدخول والسيطرة على الخط النابوليتاني الجنوب أوروبي وبعد سيطرت الجيش الثامن الإنجليزي على ليبيا ودخوله تونس إنتهت ليبيا الإيطالية وأصبحت ليبيا محاطة بالقوى الجديدة الأطلسية التي سيطرت على المنطقة إلى يومنا هذا وقد حاول الجنرال ديغول أن يقفز بفرنسا خارج هذا الصندوق ولكنهُ فشل ..

وبهذا نفهم أن ليبيا 1951 أساسها الأطلسيون وهم من رسموا ألوان فرحها وحزنها وصنعوا أيام ربيعها وبؤسها فهم من جعلها تتنفس الصُعداء قليلاً في زمن التاج الملكي الذي لا شك كانَ ولا يزال هو أكثر الحِقَب إشراقًا في ليبيا الحديثة وهم من جعلوها تحت الحكم الجديد

الذي تغيرت أشكاله العديد من المرات في زمن العقيد القذافي والذي لم يخلو من الهدوء بالرغم من كل ضجيج الخيبات الساكن الذي إنفجر في فبراير 2011

ولكن يبدو أن ليبيا كانت مُكبلة بطريقة تعجز فيها عن إثبات ذاتها فالأمر يتجاوز بكثير سيئات وحسنات العقيد القذافي وأسلوب حكمه العشوائي العبثي ..

ولكن اليوم علينا أن ندرس بشكل عميق الواقع الجديد الذي أنتج الخط الجيوبوليتيكي الرابع وهذا لم يحدث من قبل في تاريخ الجغرافية الليبية وهو الخط السياسي العسكري الإقتصادي الثقافي البشري الجديد الذي تقودهُ روسيا والصين في العمق الإفريقي وقد باتت واضحة معالم الثورة الأوروبية الغربية الناعمة والخشنة على هيمنة بريطانيا الأطلسية والولايات المتحدة الأمريكية بقيادة ألمانيا وفرنسا والنمسا وما كانت تستطيع روسيا السيطرة العسكرية على إفريقيا الوسطى الفرانكفونية بدون موافقة فرنسية مُسبقة وما كُنا نشاهد إنبعاث روسيا القيصرية الجديدة وإمتدادها العسكري في أماكن تعدت مناطق نفوذها التاريخي بحيث تسيطر على سوريا وأجزاء من إفريقيا وآسيا سوى من خلال بزوغ قطب كبير أخر في العالم صنعهُ العظيم ماو تسي تونغ والنخبة الفكرية التي توالت هناك وهي الصين الشعبية

وأعتقد في تحليل شخصي قابل لطعن أن الذي فرض الحرب الأوكرانية اليوم هي الولايات المتحدة وليست روسيا والمستفيد الأساسي من نتائج الحرب الروسية الأوكرانية التي ما هي سوى نقطة من مواجهة أكبر بين القطب الصيني الروسي والقطب البريطاني الأمريكي الأنجلو ساكسوني سوى الولايات المتحدة التي إستغلت الحرب في تكثيف وجودها العسكري في مناطق ودول شرق أوروبا وكذلك أصبحت تصادر الرأي الأوروبي الرافض للهيمنة الأمريكية بحجة العدوان على أوكرانيا

وما كانت أوكرانيا الجديدة التي صُنعت في 2014 سوى صنيعة غربية بحيث تُشكل منطقة إستفزاز ونزاع وإستدراج لروسيا لتأخير مشروع ولادة الخط الجيوبوليتيكي الرابع الذي يشق إفريقيا بتجاه الجنوب الأوروبي والذي يعني محاصرة المصالح الأمريكو بريطانية في الشرق الأوسط التي أصبحت مهددة من قبل المد الإيراني وحلفائهِ في المنطقة الذي يحظى بدعم الصيني حيثُ حاولت الولايات المتحدة أن تواجه هذا المد الجديد بمد أخر مصنوع من تحالف هش يجمع الكيان الصهيوني ومصر ودول الخليج ولذلك نرى المملكة السعودية والإمارات تحاول رسم سياسة متزنة بين القطبين بينما نرى أن التوجه الأمريكي واضح في السياسة القطرية ولذلك وصفها بايدن بأنها حليف إستراتيجي وكذلك فصل أوروبا وإفريقيا عن الولايات المتحدة وبريطانيا وفي المقابل تعود الإمبراطوريات الأوروبية القديمة للحياة من جديد ألمانيا والنمسا وفرنسا

المُلخص الختامي أننا كسكان لشمال إفريقيا والشرق الأوسط كذلك ستكون جغرافية أوطاننا المُتعبة ساحة إقتتال عسكري طويل بين هذهِ الأقطاب الكبيرة وهذا ما تسعى إليه فرنسا وألمانيا وروسيا اليوم بجر المعركة من جديد لليبيا ونقل المعركة من أوروبا إلى شمال إفريقيا وخلق هدنة أو تسوية ما في الملف الأوكراني

فجميع الأحداث التي نراها اليوم في منطقتنا العربية والشمال إفريقية وكذلك أجزاء مهمة من آسيا ما هي سوى تجهيز لمعركة أكثر حدة وشمولية من سابِقاتها سيُحيد فيها السلاح النووي ولكن لن يغيب عليها الأسلحة الفتاكة الأخرى وفي النهاية التاريخ يقول أن مراكز القوى في العالم تتغير عند مطلع كل قرن ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق