الجزائرالرئيسيةبورتريه

صورية مولوجي .. انثروبولوجية على رأس وزارة الثقافة الجزائرية تسعى لكسر الصورة النمطية وبناء اقتصاد ثقافي

استلمت صورية مولوجي وزيرة الثقافة الجزائرية في حكومة أيمن بن عبد الرحمان مهامها على رأس الوزارة بتاريخ 19 فبراير 2022 خلفا لوفاء شعلال.

وهي  من مواليد 1977 وقاطنة بولاية وهران حاصلة على درجة أستاذة بحث قسم أ، وحاملة لشهادة دكتوراه علوم تخصص ترجمة بالإضافة إلى شهادة التأهيل الجامعي من جامعة وهران.

مولوجي التي تحمل شهادة دكتوراه في الترجمة والأنثروبولوجيا شغلت عدة مناصب في السابق، منها منصب رئيسة قسم العلاقات الخارجية وتثمين نتائج البحث في مركز وهران، ثم عينت مديرة مكلفة بالبحث العلمي. ثم أصبحت نائب مدير المركز البحث منذ سنة 2020، قبل أن تستلم مهام تسيير هذه المؤسسة المكلفة بالبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، فضلا عن أنها أستاذة جامعية.

إضافة إلى ذلك فإن صورية مولوجي قادت وشاركت في العديد من المشاريع البحثية العلمية، ويجدر الإشارة إلى أنها أيضا رئيسة المرصد الوطني للدراسات والبحوث الاجتماعية والاقتصادية، الذي يعد هيئة علمية تضم ثلة من النخبة العلمية الوطنية، التابع للتنسيقية الوطنية لحماية المجتمع.

في نوفمبر 2021، نظمت مع جامعة وهران يومًا دراسيًا حول «ثقافة العيش معًا في سلام»، وشاركت مع جمعية الصحة سيدي الهواري في وهران في نقاش حول المدرسة والمواطنة. وهي ثاني باحثة في المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية تُعين وزيرةً بعد نورية بن غبريط رمعون التي ترأست وزارة التربية الوطنية بين عامي 2014 و 2019. 

ورغم هذه السيرة الأكاديمية، إلا أنها لا تملك في رصيدها نشاطا سياسيا أو انتماء حزبيا، ولذلك فهي وجه أرستقراطي يراهن عليه الرئيس عبدالمجيد تبون للنهوض بالقطاع الثقافي والدفع بمجالات البحث والإبداع، بعيدا عن التجاذبات السياسية والأيديولوجية، وتلافي تجارب سابقة، كان فيها وزراء القطاع بخلفية سياسية لكنهم لم يستطيعوا تحريكه ليكون قاطرة في معركة ناعمة.

عرفت صورية مولوجي بدفاعها عن الفنانين وإعلاء شأنهم من خلال تكريمهم والاعتراف بدورهم” وصل حد تشبيههم بالجنود المرابطين على الحدود من خلال حماية معالم الهوية الوطنية وحماية الموروث الثقافي الجزائري وسمات الشخصية المحلية والوطنية.

وهي أيضا من المدافعين على الموروث الثقافي الجزائري فقد اتخذت منذ توليها الوزارة جملة من الإجراءات لحماية التراث الجزائري اللامادي من النهب وتنصيب لجنة استشارية متعددة القطاعات تضم باحثين ومختصين في المجال وممثلين عن المؤسسات تحت الوصاية إضافة إلى قطاعات وزارية ذات الصلة لمتابعة الملف.

كما أمرت بإنشاء أرضية رقمية وقاعدة بيانات خاصة بالتراث الثقافي غير المادي، وإعداد تصور يتعلق بإنشاء متحف وطني لتثمين التراث الثقافي غير المادي.

فالوزيرة الجديدة التي تقلدت منصبها منذ فترة غير بعيدة كشفت منذ الأيام الأولى لتنصيبها في مبنى “هضبة العناصر”، حيث مقر الوزارة، عن معالم برنامجها العملي بإيلاء أهمية لـ”المقاولاتية الثقافية”، بغية المساهمة في الاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة، والخروج من سياسة الريع والفساد إلى بناء اقتصاد ثقافي.

وقالت إنها بصدد إعداد خارطة طريق لوضع ثقافة تشاركية وديناميكية، والعمل على تثمين الثقافة بكل مظاهرها سواء المادية أو اللامادية، وأنه سيتم إيلاء اهتمام خاص لـ”المقاولاتية الثقافية”، لأن الثقافة تعتبر إحدى أسس الاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة، كما أن وسائل الإعلام شريك مهم لتطوير الفعل الثقافي.

كما يحسب لوزيرة الثقافة صورية مولوجي حظرها التعامل باللغة الفرنسية في المراسلات والتعاملات والنشاطات الرسمية وتعميم استعمال اللغة العربية في كل أعمال الاتصال والتسيير الإداري والمالي والتقني (الفني)” في الوزارة والمؤسسات التابعة لها.

قرار انضمام وزارة الثقافة إلى القطاعات التي تبنت استعمال اللغة العربية في مختلف إداراتها ومؤسساتها حمل خصوصية مميزة، كونه صدر من امرأة لم يمر على تعيينها على رأس القطاع إلا أشهر قليلة، وهو ما يترجم جرأة وشجاعة في مواجهة الأحكام النمطية التي تراكمت لدى نخب جزائرية حولت الثوابت والقيم الوطنية إلى بضاعة سياسية وأيديولوجية للتغطية على جدية واجتهاد الخصوم.

ويرى كثيرون أن القطاع مؤهل لأن يستفيد من رصيدها الأكاديمي وأبحاثها الثقافية والاجتماعية، لاسيما وأن اهتماماتها التأليفية انصبت حول زوايا حساسة في حركية المجتمع الجزائري، على غرار دراستها المميزة حول تاريخ وتوظيفات الترجمة الحديثة وعلاقتها بالاستعمار الفرنسي. وهي تشدّد في هذا الشأن، بأن الترجمة شكلت غداة الحملة الفرنسية على بلدان شمال أفريقيا، أحد أهم الرهانات المُعول عليها في عملية تحويل معالم الهوية المحلية عن توجهاتها المكتسبة والموروثة عبر التاريخ.

وتبين مولوجي أن ذلك من أهم القنوات التي تساهم في تمرير الكينونة الفكرية في شكلها المادي، حين لعبت الترجمة أدوارا شتى تعددت بتعدد الاستخدامات والغايات، وكانت وسيلة لإطلاع الغرب على خصائص هذا المجتمع الدينية والتاريخية والثقافية. لافتة إلى أن الترجمة كانت وسيلة اتصال وتواصل بين الإدارة الاستعمارية والأهالي في الجزائر، ولكن أيضا في تونس عند فرض الحماية الفرنسية عليها العام 1881، وكذلك أثناء فرض الحماية على المغرب سنة 1912، لذا فقد أولت الإدارة الاستعمارية في هذه الأقطار المغاربية المحتلة أهمية كبيرة للترجمة والمترجمين الذين كانوا في الغالب عسكريين، خاصة في الجزائر.

وترى الوزيرة أن حركية الاستعمار وضرورات فرض الواقع الجديد في منطقة شمال أفريقيا هي التي دفعت حركة الترجمة لأن تعرف نشاطا مكثفا في مختلف مجالات الحياة العسكرية والسياسية والقضائية، وصولا إلى مجالات الفنون والمعرفة، وهو ما أفضى بالمستعمِر إلى تحصيل ذخيرة هامة من الوثائق والمخطوطات التي انكب على ترجمتها، واعتمد عليها في صياغة أولى الكتب الاستشراقية حول الجزائر بالخصوص والبلدان المغاربية الأخرى على وجه العموم.

وهو الأمر الذي أفرز نخبة من المترجمين العسكر، وكان أول لفيف من هؤلاء يتشكل من ضباط كلفوا بمهمة معرفة الخرائط والمخططات والجغرافيا والمعالم، ما جسد الدلالات والخلفيات لتنشيط الترجمة في إطار مخطط إنجاح المشروع الاستعماري، وبناء معرفة استعمارية حول البلدان المغاربية المستعمرة على وجه العموم والجزائر بالخصوص.

ومع ذلك كلّه يبقى مدى قدرة الوزيرة مولوجي على الثبات في كرسي وزيرة الثقافة أكبر تحد أمام هذه السيدة الأنثروبولوجية، وهاجسها هو التوفيق بين التوازنات الفاعلة داخل قطاع مفخخ تتجاذبه تيارات أيديولوجية وفكرية ولوبيات ومصالح، وهو ما عصف بكل من عُيّن في هذا الموقع خلال العقدين الأخيرين، ليكون بذلك كرسيا أشد حركة وعدم استقرار مقارنة بالوزارات الأخرى، وحتى بالحقائب السيادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق