تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: السيناريوهات المرتقبة وآفاق الوضع في افق نهاية جوان/يونيو الحالي

علي اللافي – كاتب مختص في الشؤون الافريقية ومدير موقع “افريقيا2050” 

رغم أن كل الدلائل تشير إلى أن تشكيل حكومة توافقية مصغرة ومن ثم تنظيم الانتخابات البرلمانية بين سبتمبر وديسمبر المقبلين هو الترتيب الأقرب بناء على وصول المسارات الأربعة (السياسي – الدستوري – العسكري/الأمني – الاقتصادي) الى خواتمها، فان طبيعية التطورات والمتغيرات في الإقليم قد تدفع الأمور في ليبيا الى مربعات غير اعتيادية وتغير تفاصيل الاستراتيجيات الدولية في بلد تتداخل فيه الأجندات الإقليمية والدولية خاصة وأن السياسات الأمريكية والأوروبية فيه تعتمد منطق التفاعل مع طبيعة موازين القوى على الأرض وبناء على تطورات في مربعات دول الجوار المحيطة به إضافة الى امتدادات التأثر والتأثير مع التطورات الجارية في دول الساحل والصحراء، فما هي آخر التطورات في ليبيا وما هي آفاق الوضع في افق نهاية جوان/يونيو الحالي؟

1- أولا، معطيات التاريخ والجغرافيا في ليبيا وان تراكمت كميا وكيفيا الا أنها لم تتغير منذ عقود ذلك أن الخصائص العامة للمجتمع الليبي بقيت هي نفسها (التماسك والتمسك بالخصائص الحضارية – عدم تلوث السلوكات الاجتماعية – ارتكاز الشخصية الليبية على ثالوث “القبيلة” و”الغلبة” و”الغنيمة”)، وهو ما يعني ان تلك الخصائص محددة في مواقف المجتمع السياسية وفعله الثقافي والاجتماعي ورؤيته للفاعلين الإقليميين والدوليين، وفي سياق ثان بقيت معادلة أهمية ليبيا الجغراسياسية نتاج أهمية وطول سواحلها على المتوسط ووجود حدود برية وطويلة لها مع أغلب دول الساحل والصحراء إضافة الى كثرة ثرواتها الهائلة والنادرة ويُسر المرور من أراضيها للعمق الافريقي، وكل ذلك جعل المجتمع الدولي ضمن وإطار صراع نفوذ بين مكوناته وخاصة في ظل فرادة موانئ وسواحل ليبيا الاستراتيجية والتي لا تُضاهيها الا نظيرتها السودانية، ومن ثم فان أي مواجهة أمريكية وأوروبية مستقبلية سواء كانت باردة وناعمة أو مباشرة ومعلنة مع الروس والصينيين لن تكون الا عبر وانطلاقا من الأراضي الليبية…

2- ثانيا، كل الحقائق والمحددات والتراكمات السابقة وسالفة الذكر أعلاه مضاف اليها طبيعة الصراع منذ 2014 والذي يتفق كل المتابعين أنه ليس سوى حربا بالوكالة تخوضها أطراف ونخب ليبية – ضيقة الأفق الاستراتيجي ولصالح أذرع إقليمية خادمة بدورها لقوى دولية ومحافل وشركات عابرة للقارات، ستكون بالضرورة  ضابطة لأي فعل وسلوك واصطفاف سياسي سواء كان محليا او إقليميا أو دوليا مع ليبيا وعلى ترابها أو قريبا منها في أي دولة من دول الإقليم وخاصة في ظل حقيقة توازن الضعف (أو توازن القوى) القائم دوليا وإقليميا ومحليا منذ بداية سنة 2019 بل وستكون ليبيا حاضرة بقوة في لقاءات الرئيس الأمريكي “بايدن” في الشرق الأوسط وفي الخليج في منتصف جويلية/يوليو القادم…

3- ثالثا، مثلت لقاءات القاهرة الأخيرة سواء بين المسؤولين الاولين للمؤسسات القائمة حاليا في ليبيا وبين لجان مناقشة فصول الدستور المختلف حولها أو الأسس الدستورية التي ستجرى بناء عليها الاستحقاقات الانتخابية القادمة، مرحلة أخيرة للتوافق السياسي وبالتالي فان نجاحها من عدمه قد تدفع نحو هذا السيناريو أو ذلك وقد التقى رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، خلال زيارة قصيرة للعاصمة المصرية القاهرة الأربعاء الماضي (15-06) ومرتقب ان يكون صالح قد التقى خالد المشري رئيس المجلس الأعلى لدولة لتثبيت التوافقات السابقة وترحيل النقاط الخلافية لمرحلة ما بعد الانتخابات، كما قدم رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات “عماد السائح”، إحاطة للمجلس الرئاسي حول عمل المفوضية والتحديات التي واجهتها طيلة الأشهر الماضية أثناء الإعداد للانتخابات، ومعلوم أن عملية إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لاقت تعثرا، بعد أن كان مقررا إنجازها في 24 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، فيما عزت المفوضية فشل إجرائها إلى ما وصفته بـ”القوة القاهرة”، وفي القاهرة أيضا طرح رئيس الأركان اللواء محمد الحداد تصورا لتوحيد المؤسسة العسكرية وكل ذلك يعني ان اللقاءات الكثيرة والمراطونية في القاهرة اننا أمام لحظة الحسم فإما التوافق والخروج من مربعات التجاذبات ـأو فتح باب الحروب والقسيم من جديد

4- رابعا، سيبقى الوضع غامضاً بشأن ما سيحدث بعد 22 جوان/يونيو خصوصا مع عدم وضوح مستقبل الانتخابات المؤجلة منذ ديسمبر الماضي، ووسط خلاف حكومي كبير بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الذي رفض تسليم السلطة إلا لسلطة منتخبة، وحكومة كلفها مجلس النواب برئاسة فتحي باشاغا وتتخذ من مدينة سرت مقراً مؤقتاً لها، بعد فشلها في دخول العاصمة طرابلس في مناسبتين، ومعلوم أن القاهرة واضافة للاجتماعات المفصلة وسالفة الذكر أعلاه تحتضن القاهرة بالتزامن اجتماعين ليبيين، الأول للجولة الثالثة والأخيرة لمفاوضات اللجنة الدستورية، المكونة من 24 عضوا بالمناصفة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، لبحث مسار يفضي إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة، والثاني لأعضاء اللجنة العسكرية المشتركة 5 + 5 لـ”مواصلة مناقشة خيارات التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار الشامل، وتنسيق جهود وترتيبات انسحاب المقاتلين والمرتزقة الأجانب”، بحسب بيان للجنة العسكرية.

5- خامسا، بناء على كل المعطيات والمحددات سالفة الذكر هناك عمليا خمس سيناريوهات مرتقبة وهي قد تتحدد خلال الأسبوعين القادمين بناء على تطورات الأمور ميدانيا وسياسيا وبناء على تفاعل الفاعلين الإقليميين وخاصة الجزائر وتركيا ومصر وما قد يجري من لقاءات خاصة ومغلقة في القاهرة وتونس إضافة للقاءات الرئيسية والمعلنة في القاهرة خاصة وان عقيلة صالح يخلط المواقف والتصريحات والخطوات (تصويت مجلسه لميزانية حكومة “باشاغا” غير المعترف بها دوليا والتي لا لا يوفق البنك المركزي الليبي في التعامل معها حتى الآن، والسيناريوهات الخمس هي:

  • سيناريو أول (60 بالمائة)، ويتمثل في الوصول الى حل توافقي وحل الإشكالات في المسارات الأربع، وسيقوم عمليا عبر تشكيل حكومة مصغرة من حوالي 14 وزيرا، وتقود نفس الحكومة البلاد لمدة سنة على أن تجرى الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 2022 والرئاسية في جوان/يونيو 2023
  • سيناريو ثان (20 بالمائة)، وينبني ربما على أحداث وتطورات فُجئية خلال الأيام القادمة حيث قد يتم استهداف الحقول من طرف كتائب وقوى اجتماعية وعسكرية بحثا منها على طرد قوات “الفاغنر” الروسية هناك، ثم يتم لاحقا ترتيب السيناريو السابق نفسه تقريبا أي انتخابات برلمانية ثم رئاسية…
  • سيناريو ثالث (5 بالمائة)، ويتمثل في اقناع “الدبيبة” بانتهاء ولايته يوم 22-06-وتتم دعوته للترشح مقابل إيجاد حل لمباشرة حكومة باشاغا مع تعديلها كميا وكيفيا ثم تشرف بنفسها على مسار انتخابي مضبوط بخارطة طريق واضحة المعالم…
  • سيناريو رابع (10 بالمائة)، ويتمثل في أن تتطور الاحداث نحو مزيد من التأزيم ولكن قد لا تتوسع الاشتباكات ويتم الحرص على أن تبقى محدودة ومن ثم تتم المبادرة بدعم خطة إعادة الملكية لليبيا والاعتماد على دستور 51 جزئيا أو كليا…
  • سيناريو خامس والأخير (5 بالمائة)، وهو نفس السيناريو السابق تقريبا مع الدفع الإقليمي والمحلي للتقسيم أو ما شابهه سواء عبر الفيدرالية أو حتى الكونفدرالية المقنعة وهنا سيتم انشاء عملي لثلاث جيوش ولكنها جيوش تابعة لوزير دفاع مركزي (ضمن حكومة مركزية قوية ولكنها أقرب للتبعية للفاعل الدولي) وهنا ستواصل قيادة البعثة الأممية بمهام بعينها الى ما لا نهاية…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق