الرئيسيةالسودانتحاليلسياسية

بعد إعلان فشل الانقلاب.. لمن يبعث حميدتي بالرسائل؟

لسنوات ثلاث وتداعيات الأحداث في المشهد السياسي تتأرجح ما بين السكون والهياج، وسط حالة من الصراع المعلن والمستتر بين مختلف القوى المدنية ذات الائتلاف العريض (قوى الحرية والتغيير) قبل ان تفتته الانقسامات وتعصف به الصراعات ومحاولات اختطاف القرار على حساب الآخر، ليظل الثابت في علن المشهد المأزوم هو تعاضد المكون العسكري على قلة افراده في مواجهة المكون العريض.
هكذا كان يحكي واقع الحال، غير ان باطن العلاقة بين العسكريين يقول غير ذلك، وهو ما كانت تحمله تسريبات عدة عن وجود صراع بين الجيش والدعم السريع، سريعاً ما تداعى قادته لاخفائه من خلال الظهور بانسجام في عدد من المناسبات، لكن يبدو أن المعادلة اختلفت معاييرها بعض الشيء، سيما بالنسبة لنائب رئيس مجلس السيادة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي خرج امس الاول في مقابلة له مع  قناة (بي. بي. سي)، مؤكداً على ان الإجراءات التي قام بها المكون العسكري في اكتوبر الماضي فشلت تماماً، الا انه آثر الصمت وعدم الإفصاح عن الأسباب التي قادت للفشل، الامر الذي خلف استفهامات واسعة حول التصريحات غير المتوقعة، فيما ذهبت التحليلات نحو اتساع هوة الخلاف بين البرهان وحميدتي، مما جعل الاخير يخرج للعلن ليقول ما قاله. فما الذي جعل حميدتي يعلن فشل اجراءاتهم كمكون عسكري؟ هل ثمة تسوية محددة تستدعي من الرجل الثاني إيجاد تقارب له مع قوى الحرية والتغيير؟ ولماذا صمت البرهان ومكتبه على تصريحات دقلو؟

ترتيبات جديدة

منذ وقت طويل ومنهجية نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو مع وسائل الإعلام المختلفة تمضي في ثبات محدد، حول تقديم جرعات قليلة للظهور وفق ما تقتضيه الحاجة، ليضع رسائله في أكثر من بريد قبل أن يعود وينزوي عنها، وفيما كانت جل الرسائل توضع في بريد قوى الثورة المختلفة ولجان المقاومة وتجمع المهنيين وغيرهم، اختلفت المعادلة أخيراً، ليضاف إلى بريد القوى السياسية بريد العسكر التابع لهم، فلماذا أقر بالفشل في هذا التوقيت رغم اصرار العسكريين على نجاح إجراءاتهم؟
ويعد مراقبون للشأن السياسي حديث حميدتي امس الأول حالة استشعار بالخطر من تحركات البرهان التي يمضي فيها بارهاصات عن تشكيله حكومة مرتقبة، فضلاً عن التفاف قوى سياسية ذات انتماء إسلامي حوله بمعزل عنه، ووفق المراقبين فإن دقلو استعد لخوض غمار معركته مع قائد الجيش بترتيبات جديدة ارتأى بدايتها بممارسة الديمقراطية بتقديم نقد ذاتي لاجراءاتهم، ومن ثم الحديث عن زهده في السلطة.

نقطة انتقال

ويذهب كثيرون إلى أن حديث حميدتي امس الاول يعتبر نقطة انتقال من معسكره إلى معسكر القوى المدنية برعاية اممية تتزامن وعودة رئيس البعثة الاممية لدعم الانتقال في السودان فولكر بيرتس إلى المشهد مجدداً عقب اختفاء طويل، مع الاخذ في الاعتبار تصريحات حزب الأمة القومي باقترابهم من التوصل إلى حل.
وقال نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) لـ (بي. بي. سي) إن الاجراءات التي قام بها المكون العسكري في أكتوبر الماضي فشلت تماماً لاسباب لم يفصح عنها.
وذكر دقلو أن الأوضاع الاقتصادية والأمنية باتت أسوأ مما كانت عليه قبل الإجراءات، واوضح أنه زاهد في السلطة ولن يترشح لمنصب، وأضاف أن المكون العسكري جاد في قضية الانسحاب من العملية السياسية والتفرغ للمهام الأمنية، وتابع قائلاً: (لا مانع من دمج قوات الدعم السريع في الجيش في إطار تشكيل جيش قومي ومهني، وحققنا الكثير من الإنجازات في غرب دارفور على مستوى توفير الأمن والمصالحات القبلية، واتصالاتنا مازالت مستمرة مع قوى الحرية والتغيير، وخلافاتنا معهم حول كيفية إدارة البلاد).

احتمالات

وفي اتجاه آخر يرى بعض المراقبين أن الفترة المقبلة تعتبر فترة خلع البزة العسكرية بالنسبة لحميدتي، توطئة لتقديم نفسه لحكم البلاد وفق ترتيبات محددة تبدأ بتحسين صورته واحلال السلام في دارفور ذلك الإقليم المنكوب، وإنشاء حزب يترأسه، وفي الأشهر الماضية سرت تسريبات عن اتجاهه لتكوين حزب السودان، ومن ثم الاعتراف بخطأ الإجراءات التي قاموا بها لانهاء الشراكة مع المدنيين، وقبول دمج قوات الدعم السريع في الجيش، وغيرها من محسنات بديعية، فالرجل بحسب المراقبين لن تنتهي وضعيته في المشهد بان يتوارى عائداً إلى ثكناته وقواته التي يتكئ عليها تدمج في الجيش، ووفقاً للمحلل السياسي وهبي السيد فإن ثمة احتمالين بشأن تصريحات حميدتي يتلخص اولها في تخطيطه لحكم وإدارة البلاد، وإن كان قد أعلن زهده في العمل السياسي، أو أن تسوية ما تحتم عليه الاعتراف بجريرة الإجراءات والتأكيد على دمج القوات، ويرى وهبي في حديثه لـ (الانتباهة) ان الاحتمال الأول يعد الأقرب، لكن طبيعة المرحلة تحتم على حميدتي الحديث عن عزوفه عن العمل السياسي، وتابع قائلاً: (العسكر دوماً يتحدثون عن زهدهم في العمل السياسي والعودة للثكنات حال تكوين حكومة مدنية، غير أن هذا لا يحدث، لان اي تقارب بين المدنيين يتم اختراقه من قبلهم، الامر الذي يجعل المشهد بالشكل الذي يمضي عليه).

خلق حواضن

وفيما يستبعد متابعون فرضية وجود تقارب بين حميدتي والقوى السياسية بمنأى عن البرهان، ينظر بالمقابل خبراء في الشأن السياسي إلى التصريحات على أنها تأتي في إطار محاولة خلق الحواضن السياسية في حالة (تباري) بين الرجلين، وطبقاً للمحلل السياسي خالد البشير لـ  (الإنتباهة) فإن حالة الالتفاف من قبل القوى المدنية ذات الصبغة الإسلامية وغيرها من القوى المشاركة للنظام السابق حتى سقوطه، وقد بدا ذلك من خلال مبادرة الشيخ الطيب بدر أخيراً، جعلت حميدتي يعمد إلى وصم الإجراءات بالفشل عقب محاولة إخفاء حالة الصراع بينهم في الفترة الماضية، تمهيداً لخلق حاضنة سياسية بدأ العمل عليها بالفعل من خلال تأييد رجالات الطرق الصوفية له واحلال السلام في دارفور بعد سنوات عصية من الدم، وقال: (في تقديري ان الرجلين الآن يعملان في مرحلة خلق الحواضن استعداداً لفترة مقبلة ترعاها الأمم المتحدة، وتابع قائلاً: (السيناريو الآن تقديم حميدتي بزي مدني ورعاية اممية، طالما ان الأمم المتحدة تتحدث عن انتقال مدني).
وعن صمت البرهان أو مكتبه حيال تصريحات حميدتي، يؤكد البشير أن الايام المقبلة ستحمل الرد وفق تقديرات العسكر أنفسهم.

كبش فداء

(لكن بخلاف جل التكهنات فإن الأمر بالنسبة لقوى الشارع محسوم)، هكذا ينظر المحلل السياسي عبد الله آدم خاطر خلال حديثه لـ (الإنتباهة)، مؤكداً على أنه مهما بلغت درجة الخلافات بين المكون العسكري فإن الأمر بات محسوماً، وقال: (ان قيادة الشارع حسمت الامر بأنه لا مناص من مضي الثورة وانجاحها بجهود كل السودانيين، ولذلك فإن خيارات جميع الفاعلين السياسيين من النظام البائد والعسكريين بالوصول إلى سدة الحكم مرة أخرى فهو امر غير ممكن هذا اولاً، اما ثانياً فمهما كانت الخلافات بين البرهان وحميدتي فإن للمسألة في اعتقادي أبعاداً خارجية، فالأخير لا يود أن يكون كبش فداء لوحده بكل تأكيد).
الرابط:اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق