الرئيسيةالسودانتحاليلسياسية

محطة باشدار.. كيف أصبحت رمزًا للنضال ضد الحكم العسكري في السودان؟

د.محمد مصطفى جامع

ما إن تُذكر التظاهرات المناهضة لانقلاب الجنرال عبد الفتاح البرهان إلا وتُذكر محطة “باشدار” التي تقع في حي الديوم الشرقية الشهير جنوب الخرطوم، فقد أصبحت باشدار رمزًا للثورية والنضال ضد الحكم العسكري، فهي نقطة التجمع التي يتوافد إليها الثوار من كل أرجاء الخرطوم لتنطلق منها المسيرات الاحتجاجية المناهضة للانقلاب وغالبًا ما تكون وجهتها النهائية القصر الرئاسي.

حتى قبل أن تنطلق التظاهرات من محطة باشدار، تُقام فيها منصة خطابية لتنوير الثوار بالمستجدات وخطط لجان المقاومة التي تصدرت المشهد منذ انقلاب البرهان، كما يجد الشعراء والأدباء الثوريون فرصةً لإلقاء قصائدهم بهدف تشجيع الرفاق على الصمود وبث الحماس في نفوسهم قبل انطلاق المواكب.

مفترق حيوي أصبح نقطة التجمع الرئيسية للتظاهرات

تقع محطة باشدار في شارع حيوي تجاري هو شارع “الصحافة زلط” الذي يربط حي الصحافة وما يجاوره “السوق المحلي والميناء البري” بقلب الخرطوم، وتشكل المحطة مفترقًا مروريًا حيويًا يجمع شارع الصحافة بامتداد شارعي 41 و43، والأول أحد الشوارع التجارية في حي العمارات المجاور.

تم اختيار محطة وتقاطع “باشدار” لتكون نقطة تجمع وانطلاق المظاهرات المناهضة للانقلاب لموقعها المناسب، فهي ملتقى وسط بين أحياء جنوب الخرطوم “الكلاكلات وجنوب الحزام والسلمة والأزهري”، والأحياء الغربية “السجانة وأبو حمامة والحلة الجديدة والقوز وجبرة”، إلى جانب الأحياء الشرقية “الرياض والبراري والطائف والعمارات”، كما أن حي الديوم الشرقية الذي تقع فيه المحطة يرتبط بحي الصحافة وأحياء الخرطوم 2 و3 بفعل شارع الصحافة الذي تم الإشارة إليه سابقًا.

خلال سنوات حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، كان حي الديوم الشرقية أحد الأحياء العصية على النظام رغم القبضة الأمنية، لذلك كان منسوبو النظام يصنفون سكان الحي على أنهم “شيوعيون”، وليس هذا بمستغربٍ فأي شخصٍ مناهضٍ لأفكارهم أو معارض لإسلاميي السودان، هو شيوعي في نظرهم، ربما بسبب العداء التاريخي بينهم وبين الشيوعيين.

وإلى الآن كل الشباب الذين يخرجون في التظاهرات المناهضة للانقلاب يعتبرهم الإسلاميون جميعًا شيوعيين، في حين أن القيادي بالحزب الشيوعي صديق يوسف أقرّ بقلة جماهير حزبه، حين أشار في مقابلة تليفزيونية إلى أن الحزب حصل على 3 مقاعد فقط في آخر انتخابات برلمانية ذات مصداقية قبل انقلاب الإنقاذ.

الديوم الشرقية عددها 41 ديمًا “حيًا

الديوم يقولون إنها كلمة إنجليزية استخدمت لوصف تقسيمات الأحياء في فترة الاستعمار، فمثلًا الديوم الشرقية الكبرى تنقسم إلى عدد 41 حيًا، أشهرهم: الديم وسط (بها محطة باشدار) وديم الزبيرية وديم بندة وديم تقلي وديم كارة وديم برتا وديم برقو وديم التعايشة وديم القنا وديم أبو ريش وديم الحجر وديم كوريا، لذلك يُطلق على سكان الديوم الشرقية اسم “الديّامة”.

والديوم الشرقية أو (الديم) اختصارًا يُعد من معالم العاصمة السودانية وأحد أبرز أحياء المدينة وأقدمها، تتعايش فيه أغلب القبائل السودانية، وأغلب سكانه من العاملين وصغار الموظفين وأصحاب المهن البسيطة، يتصفون بقوة العلاقات الاجتماعية والترابط، لهذا يُقال عنهم “الديامة صندل القيامة”.

قبل الزحف العمراني في السنوات الأخيرة، كانت معظم منازل سكان الديوم الشرقية عاديةً وصغيرةً، لا تتعدى مساحة المنزل مئتي متر مربع، لهذا عندما تتمدد الأسرة ويزداد عدد أفرادها يضيفون امتدادًا للمنزل من المواد غير الثابتة مثل الأخشاب والحديد وزراعة الشجيرات، وذلك لاستقبال الضيوف في هذه الامتدادات أو النوم فيها، كما أن البعض وخاصة الشباب يفضلون النوم حتى الصباح في الشارع العام.

عضوية عجبنا.. الجريمة التي لم ينسها سكان الديوم

أحدثت جريمة مقتل إحدى مواطنات الحي “عوضية عجبنا جبريل” برصاص شرطة نظام البشير عام 2012 نقطة تحول بين سكان الديوم الشرقية ونظام الرئيس المخلوع، فقد تم تشييع جثمانها آنذاك في موكب احتجاجي كبير، تم تواصلت التظاهرات المناهضة للنظام لعدة أيام بعد الحادثة.

ويروي وليد شقيق القتيلة قصة وقوع الجريمة أنه كان في طريقه ليلًا إلى أحد المتاجر الصغيرة، وفجأة قفز عليه اثنان من عربة دورية الشرطة واتهموه بالسُكر وانهالوا عليه بالضرب، لأنه قال لهما إنه لا يشرب أبدًا، وجراء ذلك خرج عدد من أفراد الحي، محاولين منع قوة الشرطة من اعتقاله، وقالوا لهم إن هذا الرجل لا علاقة له بالشراب، وأضاف أنه ذهب إلى الضابط المسؤول وقال له، إن هذا أسلوب غير كريم “التهجم على المواطنين في الشارع”.

وتابع وليد “اعتذرت له عن تجمهر الناس وقد شهد أنني فضضت الجمهرة، بعد ذلك دخلت المنزل وغيرت ملابسي الممزقة بفعل الاعتداء، وخرجت أقصد الدكان مرة أخرى، وفي هذا الحين اتضح أن ضابط الشرطة بيّت النية على الرجوع، وفي نحو ثلث ساعة عاد بقوةٍ مسلحةٍ يحملون الأسلحة النارية والعصي، كنت حينها خارج البيت وحينما عدت وجدت المشهد حيث الشرطة أوقفت سيارتها، وأن القوة نزلت وبدأت تضرب الرصاص الحي وأصابوا أختي”، وأكد وليد أن البلبلة وسط الناس والاشتباك من جانبهم بدأ بعد مقتل عوضية، فلم يبادروا بالهجوم والشرطة هي التي بادرت بكل تلك العدائيات.

أما بيان الشرطة بخصوص الحادثة فجاء كالآتي: “تعرضت دورية تتبع لشرطة أمن المجتمع لمحاولة تهجم من بعض المواطنين في أثناء طواف روتيني بمنطقة الديم عند الساعة الثانية عشرة ليلًا، وذلك عقب القبض على اثنين من المواطنين وهم في حالة سُكر، حيث قام بعض المواطنين بالتهجم على القوة مستخدمين العصي والسيخ والمواسير والحجارة الأمر الذي حدا بقائد القوة لإطلاق أعيرة نارية في الهواء أدت إلى إصابة إحدى المواطنات التي تم نقلها للمستشفى وتوفيت بعد ذلك”.

يتضح لنا من بيان الشرطة السودانية أنها كانت تنتهج الكذب والتدليس منذ أكثر من 10 سنوات، فقوة الشرطة هي التي تهجمت على مواطني الديوم واعتدت على عدد منهم بالضرب بأعقاب البنادق والهراوات وفقًا للعشرات من شهود العيان، بل وأطلقت الرصاص الحي على النساء فقتلت إحداهنّ، وما زال القاتل حيًا يرزق بعد أن ألغت محكمة الاستئناف حكمًا بالإعدام صدر بحقه بعد إدانته بالقتل العمد، واستبدلت المحكمة الحُكم بعقوبة السجن خمس سنوات والدية الكاملة لذوي المغدورة.

ورغم مضي أكثر من 10 سنوات على جريمة مقتل عوضية عجبنا، فإن سكان الديوم الشرقية لم ينسوا الجريمة وبشاعتها، فقد ظل الديوم أكثر الأحياء اشتعالًا بالتظاهرات المناهضة لنظام البشير في هبة سبتمبر/أيلول عام 2013، وكذلك ثورة ديسمبر/كانون الأول 2018 التي ما زالت موجتها الثانية مستمرةً حتى الآن، فقط تحولت من مناهضة نظام البشير إلى مناهضة تلاميذه في المجلس العسكري الحاليّ بقيادة الجنرال البرهان ونائبه دقلو.

استهداف شباب الديوم الشرقية 

كما هو معلوم، عقب انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول، شنّت قوات الأمن السودانية بتشكيلاتها المختلفة “شرطة، جيش، جهاز المخابرات إلى جانب مليشيات الدعم السريع” حملةً وحشيةً لقمع التظاهرين المناهضين للانقلاب، فقتلت منهم 116 شخصًا وأصابت الآلاف بجروح وبعضهم أُصيبوا بالشلل التام، وآخرون فقدوا أعضاءً حيويةً، ومن بين ضحايا حي الديوم الشرقية الشاب “مزمل تفيتا” الذي قُتل برصاص المجلس العسكري خلال تظاهرات 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وكذلك المهندس محمد أحمد حسين الشهير بـ”سيزر” الذي قنصته قوات الأمن بالرصاص الحي في تظاهرات 30 يونيو/حزيران الماضي، بل إن القوة التي استهدفته بالقتل مثلت بجثته وفقًا لشهود عيان، وثقوا وحشية وإجرام قوات البرهان وحميدتي.

وإلى جانب جرائم القتل، لا تزال السلطة الانقلابية تعتقل الشباب المقاومين للانقلاب بعضهم لأشهر طويلة إما بتلفيق تهم جزافية لهم وإما بحسبهم دون سبب، فمنذ مارس/آذار الماضي تعتقل قوات الانقلاب ابن الديوم الشرقية “سوار الذهب أبو العزائم”، وكانت عملية اعتقاله أشبه بفيلم أكشن، حيث حضرت للمهمة قوة مكونة من 4 سيارات دفع رباعي، أطلقت الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع بكثافةٍ أمام منزله لمنع أسرته وسكان الحي من التدخل.

كما اعتقلت قوات الأمن أبناء الحي: مؤمن سعيد وشقيقه منتصر ومهند عبد القادر الشهير بـ(دجانقو) وعثمان زكريا ومعتصم أحمد الشهير بـ(تشكيلي) ومحمد عبد الحميد وحمزة صالح محجوب وغيرهم.

ردًا على الاعتقالات التي استهدفت شباب الحي، قالت لجان مقاومة الديوم الشرقية إن حملة الاعتقالات المتكررة التي استهدفت عضويتها الهدف منها كسر عزيمتهم، مؤكدةً “مضيهم قدمًا في درب النضال حتى النهاية، وأن ما حدث لن يثنيهم عن استكمال أهدافهم، ولن تحقق مساعيهم أي نجاح، فالإيمان بالقضية لا يزال راسخًا وتضحيات الشهداء والجرحى والمعتقلين أقوى من كل أدوات البطش والقمع”.

محركات البحث توثق لباشدار 

رغم أن الوضع ما زال ضبابيًا بشأن كيفية إسقاط الانقلاب، هل بشكلٍ جذري تام كما تطالب لجان المقاومة وبعض الأحزاب السياسية مثل الحزب الشيوعي أم على طريقة “إنهاء الانقلاب” التي تتبناها قوى الحرية والتغيير، فإن محطة باشدار التي تتجمع فيها حشود الثوار المؤيدين للديمقراطية أصبحت رمزًا للمقاومة والنضال ضد الاستبداد، وضد محاولات فرض نظام حكم ديكتاتوري مدعوم من محور الثورات المضادة.

ربما لم يكن سكان الديوم الشرقية يتوقعون أن تحظى محطة ومفرق بهذه الشعبية، فقد بلغت شهرتها الآفاق وصارت معروفة في الفضائيات وكبريات المواقع الإخبارية، يكفي فقط أن نكتب “باشدار” أو “محطة باشدار” أو حتى “الديوم الشرقية” على محركات البحث لنجد مئات النتائج توثق بالفيديوهات والصور عظمة جيل التسعينيات والألفينيات الذي أشعل ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018 ضد نظام استبدادي جثم على صدور السودانيين طيلة 30 عامًا، وتصدى لانقلاب مدعوم بقوة من أنظمة مماثلة في المنطقة “مصر والإمارات والسعودية” إلى جانب كل من روسيا و”إسرائيل”.

ستبقى محطة باشدار في الديوم الشرقية، شاهدةً على بطولات شباب لم يستسلموا ولم تفتر عزيمتهم – فلأكثر من 9 أشهر يواجهون قمعًا مفرطًا من قوات ومليشيات لن نبالغ إن قلنا إنها تفوق في وحشيتها وحشية الاحتلال الإسرائيلي – كما لن ينسى الثوار حتى بعد سقوط الانقلاب “بإذن الله”، ذكريات نضالهم في باشدار، أمام إستديو منير الرماح وكافيتيريا عزة وأماريج مرورًا بمستشفى الجودة الذي شهد اعتصامًا ثوريًا الشهر الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق