الرئيسيةالسودانتقاريرسياسية

السودان.. مبادرات متعددة للتسوية والأزمة مستمرة


على وقع احتجاجات مستمرة في الشارع، تتناسل المبادرات السودانية الرامية لتهدئة الأوضاع وإنهاء حالة الاحتقان السياسي المتزايد على مدى الأشهر العشرة الماضية دون أن تلوح في الأفق بارقة حل، بل يزداد المشهد تعقيدا مع اصطفاف وتجاذب الأطراف، إذ يسعى كل طرف لتسويق موقفه في ظل تعدد محاولات التسوية.

دخل السودان في أزمة سياسية طاحنة منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي إثر قرار قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إنهاء الشراكة مع تحالف إعلان الحرية والتغيير (الائتلاف الحاكم)، وتجميد كل النصوص ذات الصلة في الوثيقة الدستورية، معلنا حالة الطوارئ، ثم اعتقال عدد كبير من الوزراء، بمن فيهم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الذي وضع قيد الإقامة الجبرية بذريعة الحاجة لتنفيذ إجراءات إصلاحية وتوسيع المشاركة في السلطة.

لكن قرارات البرهان وصفت بالانقلاب العسكري، وقوبلت بغضب عارم في الشارع ما زال مستمرا في صورة احتجاجات شبه أسبوعية، للمطالبة بإعادة السلطة للمدنيين والقصاص للذين قتلوا خلال هذه المظاهرات.

ولوقف التصعيد المتزايد في الشارع وسد الفراغ الدستوري الذي تعيشه البلاد، طُرحت عدة مبادرات محلية ودولية، لكنها لم يحظ غالبها باتفاق الأطراف المتشاكسة.

وخلال ديسمبر/كانون الأول الماضي وحده طُرحت 4 مبادرات من واجهات مختلفة، حيث تقدم حزب الأمة القومي بخارطة طريق للحل حاولت البناء فوق اتفاق البرهان-حمدوك المبرم يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لكن المبادرة كانت محل نقد عنيف لرفض قوى عديدة استصحاب العسكر في أي مشروع للحل.

وتضمنت الخارطة التوافق على العودة الكاملة إلى الوثيقة الدستورية، والالتزام باتفاق سلام جوبا، إضافة إلى بنود أخرى، ثم فتح حوار بين شركاء الفترة الانتقالية بمراقبة إقليمية ودولية، لكن مساعي حزب الأمة هذه توقفت فور استقالة حمدوك مطلع العام، وإن كان قادة الحزب ظلوا يطرقون خلال التصريحات اللاحقة على الحاجة الملحة لتنفيذ تلك البنود لإنهاء الوضع المأزوم.

وكذلك طرح أساتذة جامعة الخرطوم مبادرة تأسست على الرفض الكامل لإجراءات الجيش وما تبعها من تفاهمات بين البرهان وحمدوك، وتوافق كل أطراف الصراع ومكونات الثورة على مبدأ مشروع العدالة الانتقالية، كما تحدثت عن وحدة الصف الوطني من خلال تطوير إعلان سياسي، ومن ثم تأسيس كيان لقوى الثورة، وإنجاح الفترة الانتقالية للوصول إلى التحول المدني المُستدام، وهي تقريبا النقاط ذاتها التي تضمنتها مبادرة حزب الأمة.

ولاحقا طُرحت مبادرة أخرى من قبل مديري الجامعات السودانية، دعت لتوحيد كل المبادرات السابقات في مصفوفة واحدة وفق محاور تشمل الاستحقاقات الدستورية والسلام والإجراءات القانونية والدستورية، مع صياغة وثيقة تجمع كل القوى السياسية، كما كانت تخطط لتقديم خارطة طريق توصل لاتفاق على الحد الأدنى لحل الأزمة السياسية.

الملاحظ أن تلك المبادرات توقفت بعد إعلان بعثة الأمم المتحدة المتكاملة في السودان في يناير/كانون الثاني الماضي إطلاق عملية سياسية، قالت إنها لا ترمي لتقديم مسودة حل، بل تيسير مشاورات بشأن كيفيّة المضي من أجل الديمقراطية والسلام، بما يمهد الطريق لعملية يمكنها تأمين اتفاق بين مختلف القوى السياسية والمدنية والعسكرية حول سبل الانتقال الديمقراطي.

ومع ترحيب غالبية الأطراف السودانية بخطوة الأمم المتحدة، إلا أن المجلس المركزي لتحالف الحرية والتغيير ولجان المقاومة وتجمع المهنيين لم يظهروا حماسا تجاهها، لكونها جعلت العسكر جزءا من الحل، لذا شدد ائتلاف الحرية والتغيير على أن تحركات البعثة الأممية يجب أن تهدف إلى “إنهاء الوضع الانقلابي” وإجراء ترتيبات دستورية جديدة، كما دعا لتوسيع المبادرة بإنشاء آلية دولية رفيعة المستوى تمثل فيها الأطراف الإقليمية والدولية بشخصيات نافذة.

وبالفعل توسعت المبادرة الأممية بدخول كل من الاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيغاد” (IGAD) لتصبح آلية ثلاثية، لكن خطواتها تعثرت بعد خلافات مكتومة بين أطرافها حول من يحق له المشاركة في هذه المشاورات، ثم توقفت رسميا بعد إعلان العسكر في الرابع من يوليو/تموز الماضي الانسحاب من المفاوضات السياسية، فانتهت أيضا جلسات حوار مباشرة بين الحرية والتغيير واللجنة العسكرية من دون اتفاق، بعد أن توسطت لإنجاحها كل من الولايات المتحدة والسعودية.

وخلال مارس/آذار الماضي، قدم تنظيم الجبهة الثورية -الذي يضم قوى مدنية وحركات مسلحة كانت تقاتل نظام الرئيس المعزول عمر البشير- مبادرة للحل نهضت على إدارة حوار من مرحلتين، ونصت بين بنود أخرى على الاتفاق على إجراءات جديدة تتضمن ملاحظات أطراف العملية السلمية، يتم بموجبها تعديل الوثيقة الدستورية دون المساس باتفاق جوبا للسلام.

لكن تنسيقيات لجان المقاومة بالخرطوم رفضت مبادرة “الثورية”، وقالت إنها لا تعبر عن تطلعات الشعب، وإنما هي “موقف تفاوضي ومحاولة منها للبقاء في المشهد لمعرفتها بقرب سقوط الانقلاب”.

مبادرة عقار

وفي مبادرة لا تختلف كثيرا، طرح رئيس الحركة الشعبية مالك عقار في يوليو/تموز الماضي تصوره الخاص للتسوية من 3 مراحل، ومع أن حركته جزء من تنظيم الجبهة الثورية، فلم يكن مفهوما طرحه مبادرة منفصلة.

وجاءت خطوة عقار -وهو عضو في مجلس السيادة- بعد أيام من إعلان الجيش الانسحاب من الحوار، مقترحا أن تشمل مرحلتها الأولى قادة الجيش والحرية والتغيير والحركات الموقعة على اتفاق السلام، لتحديد مهام كيانات الدولة وعلى رأسها المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وخصصت مبادرة عقار المرحلة الثانية لتكوين حكومة كفاءات وطنية، توكل إليها مهام معالجة الوضع الاقتصادي واستكمال السلام والتصدي للفساد، وإصلاح الخدمة المدنية، والتحضير للانتخابات، واقترح أن تكون الثالثة هي مرحلة الحوار الشامل.

وتقارب أفكار عقار رؤية “الحرية والتغيير”، إذ اقترحت الأخيرة حوارا من 3 مراحل، تخصص الأولى لإنهاء الانقلاب بمشاركة المقاومة وقادة الجيش، والثانية للترتيبات الدستورية تنضم إليها الحركات المسلحة، أما الثالثة فلوضع مسار السُّلطة المدنية بمشاركة جميع القوى المؤمنة بالديمقراطية.

فرص ضئيلة

وحاليا تتكاثف التحركات من واجهات مختلفة لمساندة مبادرة القيادي الديني الطيب الجد المطروحة تحت عنوان “أهل السودان للوفاق الوطني”، والتي تعمل على دعوة كافة الأطراف لمائدة مستديرة تتشكل على أساسها حكومة متفق عليها لإدارة المرحلة الانتقالية.

وتلاقي هذه التحركات مساندة من أحزاب سياسية، على رأسها حزب “الاتحادي الأصل”، الذي أعلن دمج مبادرة سابقة لرئيس الحزب محمد عثمان الميرغني في مبادرة “أهل السودان”، لتوسيع قاعدة المشاركة وتحقيق التوافق.

ورغم الحشد الكبير للمبادرة، فإن فرص نجاحها تبدو ضئيلة في ظل مشاركة أطراف محسوبة على النظام المعزول في تفاصيلها وإعلان قائد الجيش مباركته لها، في حين قرر المجلس المركزي للحرية والتغيير وقوى التوافق الوطني مقاطعتها باعتبارها ليست سوى واجهة للنظام المعزول وأعوانه، ومحاولة لإنشاء حاضنة جديدة “للعسكر”.

وبحسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة النيلين مصعب محمد علي، فإن عدم قبول المبادرات المحلية والدولية المتعددة ناتج عن اختلاف التقديرات والتباينات في تفسير الأطراف المختلفة لأصل الأزمة، كما يلعب انعدام الثقة دورا في عدم الاتفاق على إنجاح هذه التحركات.

ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى أن رؤية الفاعلين السياسيين للواقع بعد 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي مختلفة، فمنهم من يطالب بإنهاء الانقلاب، في حين يرى آخرون ما حدث تصحيحا للمسار، بالإضافة لذلك فإن بعض المبادرات قدمتها أطراف هي جزء من الصراع السياسي، وبالتالي تعثرت وانتهت.

وما لم تكن هناك مبادرة تجمع الأفكار التي طُرحت في المبادرات السابقة، فلن يكون هناك حل، وفقا لمصعب، الذي يردف “الأزمة ستتجه للتعقيد مع احتمال وصولها مرحلة تفرض واقعا جديدا”.

الرابط:اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق