الرئيسيةتدويناتسياسية

ليبيا: فشل اقتحام طرابلس للمرة الثالثة.. ما المخرج؟

صابر طنطاوي:

خيم الهدوء مجددًا على أجواء العاصمة الليبية طرابلس بعد الاشتباكات التي اندلعت فجر الجمعة وحتى بعد ظهر السبت، 26 و27 أغسطس/آب الحاليّ، بين قوات حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة وقوات رئيس الحكومة المكلف من مجلس النواب فتحي باشاغا، وأسفرت عن سقوط 32 قتيلًا وعشرات الجرحى.

ونجحت قوات حكومة الوحدة الوطنية في صد الهجوم الثاني من نوعه خلال 3 أشهر، فيما انسحبت قوات اللواء أسامة جويلي المساند لباشاغا إلى جنوب غربي طرابلس، بعد السيطرة على مقرها الرئيسي في منطقة السواني، وفي المقابل سيطرت القوات الموالية للدبيبة على كامل مقار اللواء 777 التابع لهيثم التاجوري وسط العاصمة، بحسب مراسل “الجزيرة” الذي نقل عن مصدر داخل حكومة الوحدة تفاوضها مع قوات أخرى موالية لباشاغا لإخلاء مقارها غربي طرابلس.

كان باشاغا يؤمل نفسه بنجاح الاقتحام هذه المرة بعد فشله في المرة الأولى في مايو/آيار الماضي، ليكرر سيناريو فشل داعمه الأول، اللواء متقاعد خليفة حفتر، في أبريل/نيسان 2019، ليواصل رئيس الحكومة المدعوم من برلمان طبرق نزيف نقاطه السياسية بما يهدد مستقبله ويشكك في استمرار غطاء الدعم العسكري المقدم له من ميليشيات الجنرال.

وتعد تلك الاشتباكات هي الأسوأ خلال العامين الأخيرين، لما شهدته من عودة حرب الشوارع مرة أخرى، وهي التي جُمدت مرحليًا نتيجة المواءمات والتوافقات السياسية بين أطراف الصراع، وسط مخاوف من اندلاع حرب شاملة ينزلق الجميع إلى أتونها مدفوعًا بحالة انسداد الأفق العام التي تفرض نفسها في ظل تغليب المصالح الفئوية والشخصية على مصالح البلاد العليا.

خيم الهدوء مجددًا على أجواء العاصمة الليبية طرابلس بعد الاشتباكات التي اندلعت فجر الجمعة وحتى بعد ظهر السبت، 26 و27 أغسطس/آب الحاليّ، بين قوات حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة وقوات رئيس الحكومة المكلف من مجلس النواب فتحي باشاغا، وأسفرت عن سقوط 32 قتيلًا وعشرات الجرحى.

ونجحت قوات حكومة الوحدة الوطنية في صد الهجوم الثاني من نوعه خلال 3 أشهر، فيما انسحبت قوات اللواء أسامة جويلي المساند لباشاغا إلى جنوب غربي طرابلس، بعد السيطرة على مقرها الرئيسي في منطقة السواني، وفي المقابل سيطرت القوات الموالية للدبيبة على كامل مقار اللواء 777 التابع لهيثم التاجوري وسط العاصمة، بحسب مراسل “الجزيرة” الذي نقل عن مصدر داخل حكومة الوحدة تفاوضها مع قوات أخرى موالية لباشاغا لإخلاء مقارها غربي طرابلس.

كان باشاغا يؤمل نفسه بنجاح الاقتحام هذه المرة بعد فشله في المرة الأولى في مايو/آيار الماضي، ليكرر سيناريو فشل داعمه الأول، اللواء متقاعد خليفة حفتر، في أبريل/نيسان 2019، ليواصل رئيس الحكومة المدعوم من برلمان طبرق نزيف نقاطه السياسية بما يهدد مستقبله ويشكك في استمرار غطاء الدعم العسكري المقدم له من ميليشيات الجنرال.

وتعد تلك الاشتباكات هي الأسوأ خلال العامين الأخيرين، لما شهدته من عودة حرب الشوارع مرة أخرى، وهي التي جُمدت مرحليًا نتيجة المواءمات والتوافقات السياسية بين أطراف الصراع، وسط مخاوف من اندلاع حرب شاملة ينزلق الجميع إلى أتونها مدفوعًا بحالة انسداد الأفق العام التي تفرض نفسها في ظل تغليب المصالح الفئوية والشخصية على مصالح البلاد العليا.

لماذا الاقتحام هذه المرة يبدو مختلفًا؟

ربما لم يمر على محاولة اقتحام حفتر لطرابلس أكثر من 3 أعوام وعلى محاولة باشاغا الأولى 3 أشهر، لكن هذه المرة شهدت عدة متغيرات ساهمت في تغيير قواعد اللعبة ومن المتوقع أن يكون لها تداعياتها مستقبليًا، لا سيما فيما يتعلق بمعادلة التوازنات ميدانيًا ومستقبل حكومتي النزاع، باشاغا والدبيبة.

القاسم المشترك بين المحاولات الثلاثة هو الفشل البيّن، وإن تأرجح في مستواه وتداعياته، غير أنه في المرة الأولى كانت خريطة التوازنات زاخرة بالعديد من اللاعبين، المحليين والدوليين، فكانت بعض القوى الخارجية حاضرة بقوة في المشهد، فعلى المستوى الغربي كانت أبو ظبي والقاهرة في مقدمة داعمي ميليشيات حفتر في مقابل دعم أنقرة الواضح لحكومة فايز السراج حينها، وهو الدعم الذي قلب الموازين آنذاك.

كان الميدان في تلك المواجهة الأولى متعدد الجنسيات، حيث مشاركة الكثير من الفصائل والمرتزقة من هنا وهناك، وكانت الحرب بالوكالة السمت الأبرز لتلك المعركة التي انتهت بهزيمة قاسية لحفتر، كان لها صداها في تهميشه لاحقًا وتراجع الدعم المقدم له بعد ذلك إثر التفاهمات التي جرت بين القوى الإقليمية والدولية التي كان على إثرها ولادة حكومة الدبيبة.

أما المعركة الحاليّة فالمشهد يبدو مختلفًا في كثير من تفاصيله، فاللاعبون هنا معظمهم من أبناء الدولة الليبية، بما يشبه احتراب أهلي في ثياب عسكري مناطقي، هذا بخلاف غياب القوى الخارجية إلى حد كبير، حتى إن كانت تلعب من خلف ستار، لكن وجودها المباشر تراجع بشكل ملحوظ، وهو ما يعطي المعركة نكهة داخلية خالصة، ما أثار المخاوف من نشوب حرب أهلية مباشرة ستقود البلاد إلى منزلق جديد من الدماء.

المشهد العام في صورته الأولى يشير إلى نزاع بين حكومتين، كل واحدة منهما تدعي الشرعية وتنسب لنفسها أحقية الحكم والإدارة، لكن في المضمون الصورة حالكة السواد، فالأمر يعكس حالة الانقسام والفوضى التي تخيم على الأجواء، وتجعل من الحلول الدبلوماسية دربًا من الخيال في ظل تلك الوضعية المرتعشة أمنيًا وسياسيًا.

باشاغا يخسر أهم أوراقه

في المواجهات السابقة كانت شماعة المبررات زاخرة بالعديد من الخطاطيف، ما بين أجندات خارجية وقوى أجنبية ومرتزقة وميليشات وجماعات مسلحة، وكان الدم الليبي يتفرق بين تلك الشعب في كل مواجهة تسفر عن إراقة الدماء وتناثر الأشلاء، وهو ما كان بمثابة مسوغ للمزيد من التجريف دون خشية المساءلة والحساب والعقاب ودون أدنى توريط في تحمل المسؤولية بصورة مباشرة.

اليوم المشهد مختلف والمقاطع المصورة المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي لعمليات الحرق والقتل من ليبيين في حق إخوانهم، وشهادات الرعب الصادرة عن سكان طرابلس التي دفعت بعضهم إلى الهرب، كفيلة وحدها بتكوين مناخ شعبي محتقن ضد القوى المعتدية وهي الفصائل الموالية لباشاغا التي وجدت نفسها في مأزق حقيقي لتبرير ما فعلته.

هذه الصورة الملبدة بغيوم الفوضى ويفوح منها رائحة الدماء التي تزكم الأنوف هي في حقيقتها محفز قوي لتبني موقف صارم ضد رئيس الحكومة المكلف، سواء من خصمه الدبيبة أو مؤسسات الدولة بصفة عامة، فضلًا عن الشارع الثائر ضد سيناريو الحرب الشاملة الذي يقترب من العاصمة يومًا تلو الآخر.

وفي أول ردة فعل إزاء ما حدث ذلك الأمر الصادر عن رئيس حكومة الوحدة الوطنية بالقبض على المشاركين فيما أسماه “العدوان” على العاصمة طرابلس، منوهًا أن حكومته اتخذت حزمة من الإجراءات لملاحقة المتورطين، فيما أصدر المدعي العام العسكري في ليبيا أوامر بمنع سفر باشاغا والجويلي وآخرين بسبب تلك الأحداث وحتى الانتهاء من التحقيق فيها.

يعلم باشاغا جيدًا أن فشله في إخضاع طرابلس لحكمه يعني باختصار سقوطه السياسي كرئيس حكومة مكلف، ورغم الهزيمة التي مني بها في المحاولة الأولى التي لم تسفر إلا عن خسائر محدودة (قتيل واحد وعدد من الجرحى)، فإنه أعاد الكرة مرة أخرى، لكن بشكل أكثر تصعيدًا بعدما بات في مأزق حقيقي، لذا كانت المواجهات أشد شراسة والخسائر كبيرة، وهو ما يتوقع أن يكون له صداه بشأن الدعم المقدم له من حفتر والبرلمان، وفي المقابل سيعزز حتمًا من نفوذ منافسه وخصمه السياسي، عبد الحميد الدبيبة.

مخاوف الحرب الشاملة

التغيرات سالفة الذكر التي شهدتها معركة طرابلس الحاليّة أثارت مخاوف الشارع الليبي من اندلاع حرب شاملة، لن تقتصر على العاصمة فحسب، بل ستمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، خاصة إذا دخلت الفصائل المسلحة على خط المواجهة في ظل تلك الأجواء المناسبة لها لتعزيز حضورها ونفوذها الميداني، وهو ما قد يفتح الباب كذلك على التدخلات الخارجية، فالبيئة هنا ستكون أكثر خصوبة لتلك المستجدات.

ثمة حسابات واعتبارات تضعها مؤسسات الدولة نصب أعينها وهي تراقب هذا التصعيد، وهو ما دفع الجميع إلى العودة خطوة للوراء والمطالبة بتغليب لغة الحوار، كما جاء على لسان المتحدث باسم مجلس النواب الليبي في طبرق عبد الله بليحق الذي كشف عن مباحثات أجراها رئيس البرلمان مع عدد من أعضاء مجلس الدولة بشأن سبل التوصل إلى توافق ليبي – ليبي وإنهاء المرحلة الراهنة في محاولة لفرض حالة من الاستقرار حتى إجراء الانتخابات بشكل رسمي.

من جانبه دعا المجلس الرئاسي الليبي جميع الأطراف للتهدئة وتجنيب البلاد ويلات أي حرب محتملة، مؤكدًا في بيان له أنه يسير بخطوات ثابتة نحو الاستقرار والمصالحة الوطنية، مشددًا على عدم التفريط فيما تحقق من مكتسبات على صعيد إنهاء الانقسام السياسي وتوحيد مؤسسات البلاد، كما حذر المجلس في بيانه كل من يحمل السلاح في تلك المواجهات، لافتًا أن تلك الأسلحة موجهة إلى صدور أبناء الوطن الواحد وأن الأبرياء من النساء والرجال والأطفال هم في مقدمة ضحاياه، وأن نيرانه ستلحق الضرر بالجميع دون استثناء.

ما المخرج؟

استعراضات القوة التي قامت بها القوات الموالية لباشاغا في شمال غرب ليبيا خلال الآونة الأخيرة، والفوضى الأمنية التي تخيم على العاصمة، والسجال المتبادل بين الحكومتين المتنازعتين على السلطة، واتساع رقعة انتشار السلاح في البلاد بصفة عامة، وتعاظم دور الجماعات المسلحة في الوسط والجنوب، كلها أجواء ملتهبة تحول البلاد إلى برميل بارود قابل للاشتعال.

ما زال رئيس الحكومة المكلف من برلمان طبرق يراهن على دعم المعسكر الشرقي له، حفتر وصالح، لكن الرهان يتقلص يومًا تلو الآخر، نتيجة فشله في تحقيق المطلوب منه وهو ترسيخ سلطته عبر بوابة طرابلس، لكن هذا لا يعني أن باشاغا سيرفع الراية البيضاء، إذ ربما يؤمل نفسه بمحاولات أخرى أكثر شراسة إذا لم يكن هناك متغيرات جذرية تعيد ترتيب المشهد من جديد.

وفي الجهة المقابلة يتمسك الدبيبة بشرعية حكومته، مبررًا ذلك بأن برلمان الشرق ليس من حقه استبعاده من السلطة، وأن الأمر متروكًا لصناديق الاقتراع، مطالبًا بإجراء الانتخابات في أسرع وقت، وهنا تساؤل يفرض نفسه: هل الأجواء الحاليّة مهيأة لإجراء تلك الانتخابات؟

من الواضح أن إجراء الانتخابات في تلك الوضعية مغامرة محفوفة بالمخاطر، وأن المضي قدمًا في الإسراع بها تلبية لرغبة الشارع قد ينجم عنها تداعيات سلبية تزيد الوضع تفاقمًا وتدخل البلاد نحو منزلق آخر من الصدام في ظل تنامي خطاب التخوين والكراهية والعداء بين المعسكرين وأنصارهما.

سيتشبث باشاغا بخيط السلطة حتى آخر رمق، ولن يتخلى الدبيبة عن منصبه إلا عبر الصناديق، وعليه فإن الأمر مرشح للتصاعد – أو على الأقل يبقى على وضعيته الملتهبة تلك – إن لم يكن هناك تدخلات خارجية عاجلة لاحتواء الموقف والعودة إلى مسار التفاوضات مرة أخرى لتهيئة الأجواء تمامًا لإجراء الانتخابات بعد إعادة النظر في أرضيتها القانونية والدستورية المختلف عليها، ومن ثم تسليم السلطة إلى جهة منتخبة، وحتى يتم ذلك يحبس الليبيون أنفاسهم ترقبًا لأي مغامرات من هنا أو هناك تحاول تغليب الكفة لصالح أي طرف بما يعزز موقفه خلال عملية التفاوض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق