الرئيسيةالسودانتحاليلسياسية

هل يحل مشروع الدستور الانتقالي أزمة السودان؟

أهم التحديات موقف عبد الفتاح البرهان من وجود مجلس للدفاع والأمن برئاسة رئيس وزراء مدني

بقلم : اماني الطويل

ألقى إعلان مشروع دستور انتقالي في السودان من جانب نقابة المحامين السودانيين بحجر في بحيرة الأزمة السياسية السودانية المستحكمة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وطرح كثيراً من الأسئلة في شأن مستقبل هذا المشروع ومدى قدرته الفعلية على خلق أرضية حوار مناسبة بين الأطراف المتصارعة في هذا التوقيت، وهل يشكل الدعم الدولي لهذا المشروع الرافعة المناسبة في هذه المرحلة لتحقيق الاستقرار في السودان أم لا؟

ربما تكون أهم ملامح مشروع هذا الدستور أنه جاء معبراً إلى حد كبير عن القوى الثورية السودانية، ونزوع المجتمع السوداني لتكوين دولة مدنية، وذلك في عدد من النقاط الرئيسة التي تبلورت في إلغاء مبدأ الشراكة بين المدنيين والمكون العسكري السوداني، وهو المبدأ الذي تأسس في وثيقة أغسطس (آب) 2019 بين الطرفين، فقد ألغيت هذه الوثيقة بموجب المشروع الدستوري الراهن، ولعل الأهم من ذلك هو إلغاء القرارات المترتبة على إجراءات الجيش على هذه الشراكة في 25 أكتوبر الماضي، وما ترتب عليه من أثر سياسي أو اقتصادي، وكذلك تفكيك نظام الإخوان المسلمين وتجريده من قدراته الاقتصادية عبر عملية استرداد أموال.

دولة مدنية بنظام فيدرالي

أما عن نظام الحكم فقد جرت صياغته بفقرة تتحدث عن إقامة دولة مدنية تتبع نظام الحكم الفيدرالي، بينما لا تزيد الفترة الانتقالية على عامين، تستهدف إلى جانب تأسيس إجرائي للدولة المدنية إقامة مؤتمر دستوري للخروج بدستور دائم للبلاد، ووضع الترتيبات اللازمة لإقامة انتخابات بنهاية الفترة الانتقالية، التي ستتكون مستويات الحكم فيها من مجلس تشريعي، ومجلس سيادة، ومجلس للوزراء، إضافة إلى عدد من المفوضيات المستقلة.

وفي ما يخص الموقف من المكون العسكري فإن مشروع الدستور يقرر ضرورة ابتعاد المؤسسة العسكرية من العمل السياسي والحكم، ودمج القوات العسكرية في جيش مهني واحد، تتركز مهمته في الدفاع عن سيادة وحماية حدود البلاد وحماية الدستور الانتقالي، وكذلك تنفيذ السياسات المتعلقة بالإصلاح الأمني والعسكري، وفق خطة متفق عليها من جميع الأطراف، كما نص على تبعية جهازي الشرطة والأمن إلى السلطة التنفيذية على أن يكون رئيس الوزراء هو القائد الأعلى لهما.

وحسب مقترح الدستور الانتقالي فإن مهمات الفترة الانتقالية، تهتم بمراجعة اتفاق جوبا للسلام الموقع في أكتوبر 2020، وصولاً إلى سلام عادل يشمل جميع الحركات غير الموقعة على الاتفاق.

موقف دولي إيجابي

مشروع الدستور المقترح هو منتج لنقاش وحوار بين أطياف القوى السياسية السودانية بحضور دولي كثيف من ممثلي البعثات الدبلوماسية العالمية، ولعل هذا ما يفسر الموقف الإيجابي الذي اتخذته تسع دول غربية من مشروع الدستور من حيث الترحيب به ودعمه، وأهم هذه الدول هي الولايات المتحدة وفرنسا والنمسا والسويد والنرويج وبريطانيا وإيطاليا وهولندا، وقد جاءت الخطوة الأهم في دعم هذا المشروع ممثلة في موقف فولكر بيرتس، مبعوث البعثة الأممية في السودان، الذي قال في تقريره الدوري للأمين العام للأم المتحدة، إن مشروع الإعلان الدستوري “يحوز توافقاً واسعاً سواء بموافقة عدد من أصحاب المبادرات السياسية السابقة عليه، أو بانضمام أحزاب جديدة كالحزب الاتحادي، وكذلك بعض موقعي اتفاق جوبا المشاركين في مجلس السيادة الراهن”.

وفي سياق مواز، رحبت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي بمشروع الدستور الانتقالي في خطوة قد تكون أهم آلية سيعتمد عليها السفير الأميركي الجديد في الخرطوم لإنجاح الجهود المشتركة مع السعودية بشأن التقريب بين الأطراف السودانية لتشكيل حكومة مدنية ممتلكة لصلاحيات تنفيذية ستكون مقتطعة بالضرورة من صلاحيات المكون العسكري.

على الصعيد الإقليمي التزمت الدول المعنية أمن واستقرار السودان خصوصاً دول الجوار، الصمت، ربما إلى حين أن يتضح موقف الأطراف الداخلية السودانية في السلطة من هذا التطور المهم، وطبيعة تفاعلهم معه .

أين يقف المكون العسكري؟

بطبيعة الحال القوى السياسية المناوئة لمشروع هذا الدستور ستكون قوى الإسلام السياسي، فهي مستهدفة بالتفكيك من ناحية، والتجريد من المقدرات الاقتصادية من ناحية أخرى، بخاصة أن هذه القدرات جاءت في معظمها عبر عمليات فساد ونهب واسع أثبتها عبر سنوات تقرير المراجع المالي السوداني العام، وكذلك كتاب التيجاني عبد القادر حول فساد النخب الإسلامية، الذين جاء هو نفسه من بين صفوفهم، لكنه امتلك من الشجاعة والنزاهة ما مكنه من فضح فساد النخب الإسلاموية السودانية المنتمية لنظام البشير.

وربما يكون من المتوقع أن تنضم إلى هؤلاء المتضررين من طرح مشروع الدستور الانتقالي بعض الحركات المسلحة المنضوية في اتفاق جوبا الموقع في خريف 2020، وذلك على اعتبار أنها قد حصدت امتيازات يصعب عليها التخلي عنها، وأصبح لها تأثير راهن على المجريات اليومية في العاصمة السودانية.

في هذا السياق فإن قدرة نخب النظام القديم في تقويض هذا الدستور الانتقالي ستكون مرتبطة بطبيعة موقف المكون العسكري منه، وذلك على خلفية استناد الفريق عبد الفتاح البرهان إلى قوى نظام البشير بعد 25 أكتوبر في مواجهة القوى الثورية المؤطرة في تحالف الحرية والتغيير المركزي. من هنا يكون السؤال الأساس، هل يغير الفريق البرهان تحالفاته في هذه المرحلة استجابة للضغوط الدولية المرتبطة بضرورة إحراز حال توافق سياسي داخلي تمهد لحكومة تنفيذية، وكذلك عدم قدرته على تسيير أمور الدولة خصوصاً بعد الفشل في تكوين حكومة تنفيذية أم ستستمر مواقفه مراهنة على انقسام المدنيين من جهة، ومخاوف المجتمع الدولي والإقليمي من انهيار ما تبقى من دولة السودان من ناحية أخرى.

حميدتي والسيطرة العسكرية

قد يكون موقف محمد حمدان دقلو من مشروع الإعلان الدستوري مهم، فقد رحب الرجل بهذا الإعلان في موقف يؤمن له موقعاً متقدماً في المشهد السياسي السوداني، ويحجز له أيضاً مكانة يريد الحفاظ عليها، لكنه يبقى موقفاً خالياً من مضمون عملي، إذ لم يتخذ موقفاً إيجابياً في عملية الترتيبات الأمنية المرتبطة باتفاق جوبا، ذلك أن عدم نشر الدفعة الأولى من قوة حفظ الأمن المشتركة في دارفور المكونة من 2000 مقاتل على الرغم من تخرجهم في مطلع يوليو (تموز) الماضي، يؤشر إلى مدى التعنت من جانب حميدتي في التخلي، ولو جزئياً، عن السيطرة العسكرية على إقليم دارفور، وذلك على الرغم من أن هذه القوات قد دربت من جانب الأمم المتحدة على المستويين العسكري والقانوني، مما يسهم في تعزيز الأمن وحماية السكان في إقليم دارفور.

وربما يكون عدم نشر القوات المدربة وراء قرار مجلس الأمن أخيراً بعدم رفع العقوبات المقرة منذ 17 عاماً على السودان في إطار مسألة دارفور، وذلك ضغطاً على طرفي المكون العسكري السوداني في ما يخص مسارات المعادلة السياسية الداخلية.

البرهان ولعبة التحالفات

لكن، بالتأكيد يبقى أن أهم التحديات الإجرائية التي يواجهها مشروع الدستور الانتقالي هو موقف رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان من وجود مجلس للدفاع والأمن برئاسة رئيس وزراء مدني، وذلك إلى جانب مجلس أعلى للقوات المسلحة، ويشكل هذا الاقتراح تحجيماً لقدرات المكون العسكري في المعادلة السياسية السودانية الداخلية، وهو أمر سبق أن تمت مقاومته في فترات سابقة.

ومن غير المعروف حقيقة التسريبات في شأن الوصول إلى اتفاق بين الأطراف في الكواليس، أهم بنوده أن تكون ممارسة الانتهاكات من جانب أي منتسب لقوات الأمن هي مسؤولية فردية، وهو أمر يفتح الباب أمام المصالحة في شأن الممارسات ضد شباب الثورة أو في إقليم دارفور.

حتى اللحظة الراهنة يجري التعبير عن موقف القوات المسلحة السودانية بمعزل عن قائده، إذ قال رئيس تحرير جريدة “القوات المسلحة” العقيد إبراهيم الحوري، إن الجيش ما زال ينتظر أن تعود الأحزاب لرشدها وتعلن توحدها، وتقدم ما هو ملموس وعملي في مستقبل حكم السودان، ولعل هذا الموقف يشير إلى صعوبة الموقف الراهن وعدم حسم الاتجاه بشأن التوافق السياسي السوداني .

الرابط:اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق