الرئيسيةبورتريهمصر

رضا حجازي وزير مصري مهمته تذويب الفجوة بين الشارع والحكومة

حجازي يعي تماما ما يحتاجه الطلاب حسب مراحلهم العمرية المختلفة، فهو الذي احتك بهم في المدارس لسنوات طويلة بحكم وظيفته كمعلم ورئيس لقطاع التعليم العام.

ربما لم يأتِ وزير في الحكومة المصرية منذ ثورة يناير 2011 يملك قائمة تحديات ويواجه رقابة لحظية من المجتمع كما هو الحال مع رضا حجازي وزير التربية والتعليم الذي جرى تكليفه بالمهمة في أغسطس الماضي، بعد أن وصلت العلاقة بين الطلاب والأهالي والمعلمين وبين الحكومة إلى مرحلة من الصدام لم يسبق لها مثيل، بفعل التخبط الذي طغى على المنظومة التعليمية السنوات الماضية.

الميزة الأهم التي قد تساعد حجازي على عبور المهمة بأقل الخسائر الممكنة أنه تولّى منصب وزير التعليم وهو ابن “الوزارة” وكان قريبا من دوائر صناعة القرار التعليمي لسنوات.

ويُدرك أيضا ماذا يريد المعلمون بالضبط، فقد كان معلما ثم تدرّج في حياته العملية حتى حصل على درجة الدكتوراه ليشغل بعدها مناصب عديدة في المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي قبل أن يصبح رئيسا لقطاع التعليم بالوزارة، أي الرجل الثاني بعد الوزير، ثم يشغل منصب نائب وزير التعليم السابق لشؤون المعلمين.

حجازي يعي تماما ما يحتاجه الطلاب حسب مراحلهم العمرية المختلفة، فهو الذي احتك بهم في المدارس لسنوات طويلة بحكم وظيفته كمعلم ورئيس لقطاع التعليم العام، والأهم لديه خبرة الاحتكاك بالشارع لطبيعة مناصبه التربوية، حيث يفهم ما يدور في أذهان أولياء الأمور الذين كانوا أكبر المعارضين للوزير السابق طارق شوقي.

ولأنه على مقربة من متطلبات أهم ثلاثة عناصر في المنظومة التعليمية؛ الطالب، المعلم، وليّ الأمر، تبدو مهمة حجازي في امتصاص غضب الشارع الناقم على الحكومة بسبب التعليم سهلة، لكن تظل أمامه جملة من التحديات التي تحتاج منه إلى المزيد من الحكمة والعقلانية والصبر وعدم الاستسلام، لأن إرضاء قرابة 30 مليون طالب وأسرهم، إضافة إلى مليون معلم بالمدارس، ليست سهلة.

ثم إن حجازي تولى منصب وزير التعليم وهو يعرف كل الأسباب التي تسببت في وصول العلاقة بين الطلاب والمعلمين والأهالي إلى الصدام الذي يصعب معه ترميم العلاقة، لذلك لم يكن أمام دوائر صناعة القرار السياسي بديلا عنه أمام تصاعد منسوب الغضب في الشارع ضد المنظومة التعليمية، فالوقت ليس في صالح الحكومة لتضييع المزيد منه أو الاستعانة بأكاديمي يحتاج إلى شهور لفهم كواليس الوزارة.

الفارق بينه وبين الوزير السابق طارق شوقي أن الأخير كان يحلم بتعليم رقمي أوروبي دون إدراك لطبيعة التعقيدات الموجودة على الأرض، كما أن خطابه إلى الناس غابت عنه الواقعية أحيانا، كان يحدثّهم بلغة تفوق قدراتهم ومستوى تعليمهم بحكم منصبه القديم في منظمة اليونسكو، لكن حجازي اعتاد التحدث بلغة بسيطة تتناسب مع عقلية المتعلم والأمي، ويخاطب الناس بلغة الشارع الدارجة.

حسابات سياسية

 

[ تحديات بالجملة يواجهها حجازي في مسألة عجز المعلمين بالمدارس الذي وصل إلى أكثر من 320 ألف معلم
تحديات بالجملة يواجهها حجازي في مسألة عجز المعلمين بالمدارس الذي وصل إلى أكثر من 320 ألف معلم

 

بدا حجازي من الوهلة الأولى كما لو أن الحكومة استعانت به كخبير وعالم ببواطن الأمور لأجل تهدئة الشارع في المقام الأول، لأن الظرف السياسي لا يسمح باستمرار الصدام مع قرابة نصف المصريين، إذا ما كان هناك 30 مليون طالب وأسرهم ومعهم المعلمون وعائلاتهم، وعمل منذ اليوم الأول على إرضاء الناس من خلال الإعلان عن إعادة النظر في بعض السياسات والقرارات التي كان يتم تطبيقها، وأثارت حفيظة الشارع، ومن بينها محتوى المناهج الدراسية وطريقة الامتحانات.

كان محتوى المناهج المطورة في المرحلة الابتدائية مثار جدال مجتمعي وتربوي وسياسي وإعلامي، لذلك بادر حجازي باتخاذ قرار سعى من خلاله لاستمالة الناس إليه عندما قرر إجراء تعديلات على مضامين الدروس وتخفيفها، وهو القرار الذي جاء استجابة لمطالبات كثيرة خلال ولاية الوزير السابق، لكنه كان يرفض ذلك باعتبار أن أيّ مساس بالمناهج يخل بالهدف ويؤثر على التحصيل الدراسي للطالب، طالما أنها مرتبطة ببعضها، ولا يمكن حذف أجزاء منها كنوع من التخفيف.

كسب حجازي المعلمين في صفه عندما قرر زيادة مكافآتهم وإقرار لائحة انضباط سلوكي بالمدارس تحظر أيّ فعل من شأنه التقليل منهم، حتى لو بلغ الأمر حد فصل الطالب نهائيا من المدرسة، وقال متعهدا، إنه سيجلب للمعلمين كل مستحقاتهم المادية والمعنوية لدى الدولة لتحقيق الرضا الوظيفي لديهم، واصفا إياهم بأنهم العنصر الأهم داخل المنظومة التعليمية، وسيداوم على الاجتماع بهم والاستماع لوجهات نظرهم في القرارات والسياسات التعليمية، وهذا لم يكن مطبقا من قبل.

استمال أولياء الأمور بالدخول معهم في مجموعات على منصات التواصل الاجتماعي، “فيسبوك”، “واتس آب”، للرد على استفساراتهم وتساؤلاتهم وسماع وجهات نظرهم في القرارات والسياسات التعليمية والتواصل بشكل مباشر مع روابط وائتلافات الأمهات، باعتبارهن الأكثر تربصا بكل من له علاقة بأولادهن، حتى أنه تعهد بإطلاق منصة رقمية متخصصة تجمع آراء أولياء الأمور في قرارات الوزارة، وهناك من يؤيدها أو يعارضها، لإجراء نقاش مجتمعي حولها.

ظلت أزمة الحكومة مع الشارع في شأن المنظومة التعليمية، أن هناك افتقادا للغة الحوار بين المسؤول أو الوزير، والطالب والمعلم ووليّ الأمر، ما تسبب في اتساع الفجوة بين كل الأطراف، فكانت كل القرارات تقريبا محاطة بالغضب والتعجب ولو كانت إيجابية، وهي المعضلة التي لم يجد النظام المصري لها مخرجا، في حين أن المجتمع بكامل فئاته تقريبا مهموم بالتعليم، وهذه كانت أحد أهم المنغصات أمام الرئيس عبدالفتاح السيسي، حتى نجح رضا حجازي بنسبة كبيرة في فك هذا الاشتباك.>

ولأول مرة بالمدارس سيكون هناك يوم للنشاط الرياضي أسبوعيا لا يدرس فيه الطلاب ولا يدخلون قاعات المحاضرات، على أن يتنوع اليوم بين الرياضة والثقافة وممارسة الفنون مع استقطاب خبراء ومختصين في كل ملف لاكتشاف المواهب الطلابية لتقديمها إلى المجتمع، بحيث لا تكون المدارس بيئة حبيسة للطالب تقتصر على التحصيل العلمي فقط بل تنمية مهاراته وقدراته الجسدية والعقلية وتعزيز مواهبه كنوع من ترميم علاقته بالمدرسة وتهيئته نفسيا للمداومة على الحضور.

ثلاثة عصافير بحجر واحد

 

الظرف السياسي لا يسمح باستمرار الصدام مع قرابة نصف المصريين
الظرف السياسي لا يسمح باستمرار الصدام مع قرابة نصف المصريين

 

 ولتجنب الصدام مع أولياء الأمور في مسألة عجز المعلمين بالمدارس الذي وصل إلى أكثر من 320 ألف معلم، لجأ حجازي إلى فكرة الاستعانة بالدروس التي تقدمها البرامج التعليمية لإعادة تقديمها في المدارس بصورة مختلفة وذلك سيساهم أولا في تعزيز التكنولوجيا في المدارس، وثانيا في مواجهة عجز المعلمين، وثالثا في تطوير طريقة شرح المناهج التعليمية، بعيدا عن الروتين.

وتقوم الفكرة على أن يتحوّل المعلم داخل قاعة المحاضرات من مجرد شارح للمعلومة إلى مناقش للطلاب فيها، حيث سيتم تشغيل الدرس على الشاشة داخل القاعة، وكل فترة يوقف المعلم الفيديو ليناقش الطلاب في المحتوى الذي تم تقديمه: من فهم هذا؟ من لديه تعقيب على ما قيل؟ من الذي لم يفهم هذه النقطة؟ بحيث تكون الحصة الدراسية قائمة على الاستماع والمشاهدة والتحاور والنقاش بين الطالب ومعلمه ولا يصبح المعلم مجرّد ملقّن، والطالب متلقّ فقط.

صحيح أن التطبيق شيء، والفكرة شيء آخر، بل إن تفعيلها في حاجة إلى إمكانيات تبدو غير موجودة في الكثير من المدارس، لكن الرجل استعان بمعلمين ومدراء مدارس ومسؤولين للاستماع إلى وجهات نظرهم في البدائل وآليات التطبيق، وتم الاتفاق على وجود سبّورات ذكية في الفصول، أو على الأقل شاشات سمارت أو داتا شو، أي إمكانيات بسيطة يمكن من خلالها تفعيل الفكرة، ثم أرسل مخصصات مالية إلى المدارس التي ليس لديها القدرة المالية على شراء الأجهزة، قبل أن تصدر الأزمة له.

سد العجز الفوري

يُحسب لحجازي أنه حين كان نائبا للوزير السابق أجبر الحكومة على الاقتناع بوجود عجز في المعلمين، ونجح في تحديد العجز على مستوى 60 ألف مدرسة حكومية بكل مادة وصفّ دراسي، ووثّق العجز بالمستندات وقدمه إلى الوزير السابق طارق شوقي، الذي قام برفعه إلى الحكومة ثم بعد ذلك تم تعيين 150 ألف معلم.

وكان الوزير حجازي صاحب فكرة تقسيط المصروفات الدراسية لجميع المدارس، الحكومية والخاصة والدولية، مراعاة لظروف أولياء الأمور، ما جعله يصنف من قبل كثيرين بأنه الوزير الذي يتعامل مع الناس بحسّ أبوي، وقال عن ذلك في تصريحات صحافية “أنا في النهاية أب، وأعرف جيدا كمّ الصعوبات التي يعاني منها الناس للإنفاق على تعليم أولادهم، ولن أتحرك خطوة في أيّ ملف إلا إذا وضعت نفسي مكان وليّ الأمر، فلا تطوير دون رضاء مجتمعي يجعل المسؤول يشعر بأنه يسير في الطريق الصحيح”.

ينتمي حجازي لأسرة ريفية بإحدى قرى محافظة الدقهلية شمال شرق القاهرة، ويداوم على قضاء بعض الوقت بين أهلها البسطاء، لذلك يشعر بمعاناة الأهالي، ويتعامل بواقعية في غالب قراراته، ولا يمانع في تعديل سياسات تعليمية سبق إقرارها، بعدما وجد ضدها معارضة مجتمعية، أو رآها لا تتناسب مع البيئة المصرية أو تركيبة المجتمع، وحتى إذا تمسك بالبعض منها، مثل الإبقاء على التعلم الرقمي، والامتحانات الإلكترونية في الثانوية العامة، يطمئن الشارع بأنه سيحول سلبياتها إلى إيجابيات.

بغض النظر عن محاولاته ترضية الشارع الغاضب، فهو يُدرك جيدا أن عبور الأيام الأولى من العام الدراسي الجديد الذي ينطلق في الأول من أكتوبر المقبل، أكبر تحدٍ يواجهه في منصبه الجديد، فهناك أزمة في ارتفاع الكثافات الطلابية لقلة عدد المدارس مقارنة بتعداد الطلاب، ومشكلة أخرى مرتبطة بعجز المعلمين، وثالثة متعلقة بالروتين القاتل في المؤسسات التعليمية، وكلها كانت تحديات صعبة واجهت الوزير السابق ووجد أمامه سدودا منيعة لتجاوزها.

نظام تعليمي محيّر

لالا

المعضلة الأكبر أمام حجازي أن المجتمع يرفض النظام القائم، وفي نفس الوقت يرفض البعض تطويره أو هدمه، وهذا إرث ثقيل من غياب الثقة، لذلك فهو على قناعة بصعوبة المهمة أمام كثافة الضغوط ووضعه تحت المجهر طوال الوقت، ومحاولات العرقلة والنقد غير الهادف في كل القرارات، من أصحاب المصالح والأهواء الشخصية، وبالتالي فإنه يحتاج إلى المزيد من الدعم الحكومي لإزالة الجفاء بين كل عناصر المنظومة، طلاب ومعلمين وأولياء أمور ووزارة.

يسعى حجازي ليكون المجتمع نفسه متقبلًا لما يتم من تطوير، وأن تصبح العلاقة بين أطراف المنظومة قائمة على الشراكة والتعاون لا على التحدي والعناد، لكن ذلك قد لا يصبح كافيا أمام المسؤوليات الواقعة عليه أمام المجتمع والدولة لتحقيق طفرة معنوية للتعليم الذي ينحدر مستواه وتقلّ جودته، مع التحرك بخطوات محسوبة، لتجنب عودة الجفاء بين الشارع والحكومة مرة ثانية بسبب تخبط السياسات التعليمية.

مهما فعل أو اتخذ من قرارات مرضية للناس، ستظل يدا حجازي مكبلتين بميزانية هزيلة للتعليم لا تتعدى 4 في المئة من الناتج المحلي القومي سنويا يذهب ثلاثة أضعافها كرواتب للمعلمين والإداريين، ما يصعّب مهمة إرضاء الشارع بشكل كامل ويفرض عليه البحث عن أفكار خارج الصندوق لتدبير موارد مالية تساعده على النجاح في مهمته بعيدًا عن مد يديه للحكومة، لكن علاقته الجيدة بأغلب نواب البرلمان ووسائل الإعلام، قد تجلب له المزيد من أدوات النجاح.

المصدر: صحيفة العرب بتصرف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق