الرئيسيةتقاريرشمال إفريقيامصر

توقيت لافت وجدل دستوري.. لماذا حظرت مصر الظهور الإعلامي للقضاة؟

 تثار تساؤلات حول قرار حظر الظهور الإعلامي لأعضاء السلطة القضائية والنيابة العامة في مصر: طبيعته وأسبابه وأهدافه، دلالات توقيته، بالنظر إلى كونه جاء بعد يوم واحد من اجتماع رئاسي بأعضاء الهيئات القضائية.

وقبل أيام، قرر مجلس القضاء الأعلى -الهيئة الرسمية المنوط بها إدارة شؤون القضاة- حظر الظهور الإعلامي لأعضاء السلطة القضائية والنيابة العامة، في الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية.

كما نص القرار -المنشور على الموقع الإلكتروني الرسمي لمحكمة النقض- على حظر استخدامهم منصات التواصل الاجتماعي الخاصة والعامة، وذلك بأشخاصهم أو بصفاتهم، وأيا كان الموضوع، ويترتب على مخالفته مساءلة تأديبية، وفقا لقانون السلطة القضائية.

وبينما شهدت توصيات الحظر الإعلامي للقضاة السنوات الأخيرة نقاشات إعلامية لافتة، إلا أن القرار الجديد -الذي يمثل سابقة كونه اتخذ شكلا وطابعا رسميا- لم يلق الاهتمام ذاته من قبل وسائل الإعلام المحلية المختلفة.

كما كان لافتا صدور القرار بعد يوم واحد من لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بأعضاء المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية (يرأسه السيسي) بحضور وزير العدل عمر مروان والنائب العام حمادة الصاوي، وذلك في إطار الاحتفال بيوم القضاء المصري.

وبينما وصف فقيه دستوري القرار بالصائب مستبعدا مخالفته للقانون أو الدستور، شدد حقوقي بارز على أنه يمس استقلال السلطة القضائية، ويخالف التزامات مصر الدولية بهذا الصدد، كما توقع باحث في السياسات التشريعية أن يدفع إلى حالة “من الاحتقان، وقد يفجر موجة احتجاج قضائية”.

جدل دستوري

 

أستاذ القانون الدستوري فؤاد عبد النبي، يرى الحظر الإعلامي لأعضاء السلطة القضائية قرارا صائبا، وأنه يضع القضاة وأعضاء النيابة العامة في منأى عن القيل والقال والشبهات.

وفي تصريحات للجزيرة نت، شدد عبد النبي على ضرورة أن تظل السلطة القضائية بعيدة تماما عن الشؤون والتعليقات العامة سواء في الإعلام أو عبر وسائل التواصل، حتى لا يتسبب منتسبوها في إهانتها إذا تعرضوا للنقد العام في صورتهم الشخصية.

واستبعد الفقيه الدستوري وجود علاقة بين تزامن توقيت القرار واجتماع الرئيس السيسي بالمجلس الأعلى للهيئات القضائية، موضحا أن السلطات القضائية سبق أن اتخذته بأكثر من مناسبة في صورة توصيات.

وأضاف أن القرار أو التوصية أو التعليمات تأتي كلها بدرجة واحدة، وتندرج مخالفتها تحت بند الخروج عن التعليمات الرسمية بما قد يعرض المخالف للمساءلة المباشرة، والتي تبدأ بتوجيه اللوم ثم التشديد في الجزاءات.

وردا على سؤال بشأن ما يثار حول مخالفة الدستور، شدد الفقيه الدستوري على دستورية قرار الحظر الإعلامي وعدم مخالفته القانون، موضحا أن الدستور ينص على أن القانون ينظم مساءلة القضاة تأديبيا بما يحفظ استقلالهم، ويَحول دون تعارض المصالح، كما بيَّن الحقوق والواجبات والضمانات المقررة لهم.

في المقابل، يعتبر المحامي والحقوقي ناصر أمين الحظر الإعلامي للقضاة وأعضاء النيابة العامة “مخالفة للدستور”.

وفي تصريحات للجزيرة نت، أضاف أمين (رئيس مركز استقلال القضاء والمحاماة (غير حكومي، مقره القاهرة) أن الحظر الإعلامي، أو على منصات التواصل لأعضاء السلك القضائي، يمس باستقلال السلطة القضائية، ومخالف لالتزامات مصر الدولية المتعلقة بالمبادئ الأساسية والتوجيهية للأمم المتحدة المتعلقة باستقلال القضاة، كما أنه له تأثير بحق القضاة في التعبير عن آرائهم.

السيسي يجتمع برؤساء الهيئات القضائية(المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)على فيس بوك
السيسي (وسط) بعد اجتماع برئاسته المجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية (صفحة المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية)

الهيمنة على القضاء

 

وحول دلالات القرار وأهدافه، يرى الباحث في السياسات التشريعية، عباس قباري، أنها تكمن في الظهور السريع لأثر الإجراءات التي اتخذتها السلطات لإحكام الهيمنة على كافة شؤون القضاة، وفق قوله.

وفي حديث للجزيرة نت، أوضح قباري أن هذه الإجراءات تتمثل في إعادة تشكيل المجلس الأعلى للهيئات القضائية، الذي أسسه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ضمن إجراءات ما يعرف بـ “مذبحة القضاة” وكان الغرض منه إلغاء دور مجالس الهيئات القضائية التي كانت تمثل عقبة أمام هيمنة السلطة التنفيذية وتؤدي لإحراجها أحيانا.

ومذبحة القضاة واقعة عُزل فيها 200 قاضٍ، وتعود إلى عام 1969، بتهمة العداء لنظام ثورة 23 يوليو/تموز 1952 التي أطاحت بالنظام الملكي وأعلنت قيام الجمهورية.

ويضيف قباري أن دور المجلس الأعلى للهيئات القضائية تقلص إلى حد بعيد على وقع احتجاجات القضاة عامي 2005 و2006، حيث ألغى الرئيس الراحل حسني مبارك جُل اختصاصاته بموجب تعديلات دستورية عام 2007 استجابة لحركة استقلال القضاء.

وظهرت حركة تيار استقلال القضاء أواخر عهد مبارك، وخاضت آنذاك معارك ضد تزوير الانتخابات التشريعية، وشارك رموزها في الإطاحة بالرئيس، قبل أن يتم اقصاؤهم عبر الإقالة أو الحبس أو المنع من السفر أو دفعهم للخروج من المشهد في صمت.

ويرى قباري أن السيسي أعاد، السنوات الأخيرة، للمجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية كامل اختصاصاته بعد تعديلات 2019 الدستورية، والتي ترتب عليها “ترؤس السيسي للمجلس بصلاحيات مطلقة”.

ولفت إلى تعيين رؤساء الهيئات القضائية بقرار من رئيس الجمهورية، وذلك وفقا للتعديلات الدستورية والقانونية التي مكنته من تجاوز مبدأي الأقدمية واستطلاع رأي المجالس القضائية، المعمول بهما في الأوساط القضائية منذ نشأتها.

ويرى قباري أن القرار “يمثل سابقة كونه اتَّخَذ شكل القرار الرسمي وليس التوجيهات أو التعميمات كما كان في السابق، كما أنه رتب إجراءات تأديبية لم ترد بقانون السلطة القضائية، وهو ما يجعله وإجراءاته التأديبية مخالفة لأعراف القضاة وقانون السلطة القضائية”.

ويتفق الباحث مع الآراء التي تعد القرار “مخالفة للدستور” موضحا أن حدود الحظر الخاص بالقاضي تتوقف عند الامتناع عن إبداء رأيه في قضية ينظرها أو حكم قضائي أقرته محكمته.

ولم يتسن الحصول على تعقيب رسمي، بشأن ما ذكره الباحث المصري، غير أن السلطات المصرية عادة ما تؤكد استقلالية ونزاهة القضاء.

وفي لقائه الأخير بأعضاء الهيئات القضائية، أكد السيسي أن الدولة تحرص على استقلال القضاء وعدم التدخل في شؤونه كمنهج ثابت، وتسعى دائما إلى تطويره وتحديثه وتعزيز قدراته، ليكون نظامًا قضائيًا متطورًا، حسب بيان رئاسي.

إقالة الزند

 

وحسب رصد للجزيرة نت، تتمثل أبرز الأزمات التي سبّبها الظهور الإعلامي للقضاة، السنوات الأخيرة، بسبب آراء ومواقف أو زلات لسان، في الآتي:

في مارس/آذار 2016، أعفى رئيس الحكومة وزيرَ العدل الأسبق أحمد الزند من منصبه على خلفية تصريحات متلفزة “تطاول فيها على النبي محمد صلى الله عليه وسلم” وذلك بعد بلاغات ضده وإدانة الأزهر الشريف لإقحام النبي الكريم في تصريحاته.

ويعد الزند، رئيس نادي القضاة الأسبق، من أبرز الوجوه القضائية التي عارضت حكم الرئيس الراحل محمد مرسي، كما أعلن عن مشاركة القضاة في احتجاجات 30 يونيو/حزيران 2013 التي مهدت الطريق للإطاحة بمرسي، حين كان السيسي وزيرا للدفاع. كما دعا الزند الرئيس الأميركي بارك أوباما للتدخل في مصر ضد حكم مرسي.

600 مليار فساد

 

وشهد عام 2016 أيضا إعفاء السيسي لرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينه من منصبه (2012 – 2016) بسبب تصريحات أدلى بها الأخير قال فيها إن “تكلفة الفساد في مصر خلال 3 سنوات تبلغ 600 مليار جنيه”.

وجنينة الرئيس الأسبق لمحكمة استئناف القاهرة، أحد رموز “تيار استقلال القضاء” محبوس حاليا، بعد أن ألقي القبض عليه في فبراير/شباط 2018، عقب تصريحات أدلى بها تفيد بأن رئيس أركان الجيش الأسبق سامي عنان (كان مرشحا محتملا بانتخابات الرئاسة 2018) لديه وثائق تدين نظام الحكم.

عامل النظافة

 

وفي مايو/أيار 2015، قدّم وزير العدل الأسبق محفوظ صابر استقالته، وذلك بعد تصريحات مثيرة للجدل نالت من الفقراء، قال فيها “إنه لا يمكن لابن عامل النظافة أن يصبح قاضيا”.

وكان صابر قال خلال مقابلة تلفزيونية ردا على سؤال حول ما إذا كان ابن عامل النظافة يمكن أن يصبح قاضيا “مع احترامي لكل عامة الشعب، القاضي له شموخه ووضعه ولابد أن يكون مستندا لوسط محترم ماديا ومعنويا”.

المصدر :  الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق