تقارير

الدولة العميقة الفرنسية: مربعاتها التاريخية واسترتيجيتها المستقبلية في المنطقة المغاربية (ج1)

بقلم :منية الوافي*

طرحت التطورات الأخيرة بالنسبة للفرنسيين سواء في افريقيا أو في الشرق الأوسط أهمية اجراء تغييرات على سياساتهم الخارجية والاقلاع عن التعاطي الأمني فقط مع الشعوب والدول الافريقية بالأساس إضافة الى أهمية التيقظ الكامل في كيفية التعاطي مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على أوروبا، والحقيقة ان قضايا عدة وألغاز يصعبُ تفكيكها الا من خلال فهم طبيعة العلاقات في الداخل الفرنسي ولكن ذلك غير ممكن فعليا الا إذا عدنا الى هوية ومكونات الدولة العميقة الفرنسية شديدة التعقيد والتركيب، ومن هنا يمكن فهم المربعات التاريخية والاستراتيجيات المستقبلية الفرنسية في المنطقة المغاربية تحديدا….

• رغم أن الباحث “بيتر سكوت” قد ربط بين مصطلح “الدولة العميقة” وبين مصطلح “السياسة العميقة”(أي جميع الممارسات والترتيبات السياسية المتعمدة أو غير المتعمدة، والتي يتم عادة قمعها بدلا من الاعتراف بها)، فانه يمكن القول أن الدولة العميقة في فرنسا بالذات هي في حالة التفاعل بين الدولة الدستورية الشرعية القائمة والقائمة على أسس الثورة الفرنسية والقوى العميقة التي تقف وراءها (وتحديدا أصحاب الثروة والسلطة وشبكات العلاقات في الاعلام والثقافة وكل المؤسسات الصانعة للقرار والقادرة على التأثير بل ولك القوى التي تستخدم العنف خارج إطار الحكومة أي ما سماع احد الباحثين بالباب الخلفي للدولة)، ومن هنا يمكن التأكيد أن مربعات الدولة العميقة في فرنسا تحديدا ترتبط بنواة الأقلية “الأولغارشية” (أو الطبقة المهيمنة) أي هي بمثابة المكوّن السياسي الضيّق والأكثر انغلاقاً ولكن أيضا الأكثر نشاطاً وفاعلية، وهو تدقيقا الأكثر سرية داخل هرمية المؤسسة الحاكمة وهي تلك التي عملت منذ سنوات على إضعاف “فرانسوا فيون” الذي كان يبدو في بداية الأمر، المرشح الأوفر حظاً للفوز بانتخابات الرئاسة الفرنسية قبل الأخيرة وذلك من خلال تسريب قضية الوظائف الوهمية إلى وسائل الإعلام، وذلك ما دفع فيون إلى الحديث عن وجود «غرفة سوداء» تعمل على توجيه مسار الانتخابات. وبالتالي فإن «الدولة العميقة» ليست مجرد مفهوم افتراضي يُحيل إلى الذهنية المهووسة بنظرية المؤامرة ولكنه مصطلح وظيفي أيضا يرمز إلى تلك الأجهزة البيروقراطية الراسخة والمؤثرة في الإدارات العسكرية والأمنية والدبلوماسية سواء في فرنسا وطبعا في مختلف الدول أيضا…

• كل القراءات والتحاليل ومنذ اكثر من ثمان سنوات تُؤكد أن الدولة العميقة في فرنسا هي نفسها التي سبق أن أسهمت في صناعة صورة الرئيس الفرنسي الحالي “ماكرون” وجعلته يتحول منذ سنوات (أي قبل فوزه في الانتخابات قبل الأخيرة) ويومها وفي ظرف أشهر قليلة تحول من مجرد خبير مالي واقتصادي إلى رجل دولة قادر على التحكم في أبجديات خطاب السلطة، بل ويحظى بتأييد قطاع كبير من رجال المال والأعمال في فرنسا؛ ومعلوم أن إحدى الصحف الفرنسية الشهيرة قد أشارت يومها إلى أن “بريجيت ماكرون” (أي زوجة الرئيس المنتخب)، قد اعترضت على قيام بعض مناصريه قبل 15 يوماً من تاريخ الجولة الأولى من الانتخابات بإلصاق صور لزوجها يبدو فيها أكبر من سنه الحقيقي، وتدخل ماكرون ليقنعها، أن المسألة مدروسة وتندرج ضمن خطة وضعها خبراء في مجال الإعلام والاتصال تهدف إلى إبرازه بمظهر يتماشى مع ما يتصوره عامة عن الناس عن سن الشخص الذي سيتولى منصب الرئاسة

• كُتب الكثير حول الدولة العميقة الفرنسية ولكن ساد التعميم وغاب التدقيق في أدوراها ومربعاتها التاريخية بين حقبتي “فرنسوا ميتران” و”ماكرون” وكيف كانت تنزل سياساتها وسرديتها الناعمة ولكن إصدار أمين عام قصر الرئاسة الفرنسية السابق “جان بيار جوييه” مذكراته والتي تحدث فيها عن أربعين سنة في كواليس السلطة كما عبر عن خيبة أمله من سياسات الرئيس الحالي “ايمانويل ماكرون”، بعد أن كان “جوييه” نفسه من الذين ساهموا بصعود نجم “ماكرون”، ومن خلال ما نشر حول مضمون الكتاب يمكن القول أن السياسي الفرنسي قد رسخ مفهوم “الدولة العميقة” فرنسيا بأنه “ذلك الكل المركب من شخصيات إدارية وسياسية وإعلامية وعسكرية ومثقفين ورجال دين اي من أولئك الذين تجمعهم مصالح اقتصادية ومشاريع تجارية ومالية، وعلاقات اجتماعية وعائلية ومن ثم توحدهم جميعا رابطة واحدة منطلقها ومؤداها: الإبقاء على مصالحهم وامتيازاتهم الخاصة…”، وطبعا الدولة العميقة في فرنسا أو في أي بلد تتداخل في عمقها مع مصطلحات أخرى مثل “الدولة الموازية” و”الدولة داخل الدولة” (وهي في نظر “James Corbett” تُشير جميعها إلى نفس الظاهرة المتمثلة في وجود مجموعة غير منتخبة وغير خاضعة للمساءلة وغير معروفة إلى حد كبير وراء الحكومة المرئية -أى الحكومة الشرعية- تسعى إلى تحقيق أهدافها الخاصة)

• يُمكن القول إن الدولة العميقة الفرنسية اليوم هي الأشرس بل وستكون في حالة استعداد ذهني خاصة امام التحولات الجارية ضدها في افريقيا وطبيعة ما قد يمثل أمامها من براكين في شمال وغرب افريقيا في أفق جوان/يونيو 2023 والثابت أن الكثير من كتاب فرنسا ومثقفيها حتى من غير الفرنسيين أن كتبوا منذ سنتين أن فرنسا ليست بخير. وهو انطباع سائد في الصالونات الفكرية وفي التقارير المؤسساتية الفرنسية البارزة وهو ما يعني حالة تيقظ تاريخية وغير مسبوقة للدولة وللدولة العميقة تحديدا ذلك أن الدولة الفرنسية قد تعاني مستقبلا أزمة ثقة بين المواطن والدولة، ومعلوم أن مجلة “لوبوان” الفرنسية Le Point قد عنونت في أحد أعداها «كيف تولد الثورات، هل نحن في سنة 1789؟»؛ والسؤال هنا منطقي وطبيعي فالثورة الفرنسية اندلعت عام 1789 في مرحلة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية أثرت بشكل بالغ على فرنسا وعلى كل الدول الأوروبية وانهار خلالها النظام الملكي المطلق الذي كان قد حكم فرنسا لعدة قرون في غضون ثلاث سنوات كما خضع المجتمع الفرنسي لعملية تحوّل مع إلغاء الامتيازات الاقطاعية والأرستقراطية والدينية وبروز الجماعات السياسيّة اليساريّة الراديكالية إلى جانب بروز دور عموم الجماهير وفلاحي الريف في تحديد مصير المجتمع. ، وفي تلك المرحلة كانت الدولة تحت رحمة المستفيدين من اقتصاد الربع الذين يطعمون خزينة الدولة، أما اليوم فالدولة تخضع سياسياً للفرنسيين الذين تقوم بتمويلهم كما أن كل الفاعلين السياسيين ليسوا في الحركية السياسية الصحيحة بل هم غارقين في مستنقع الدفاع الظرفي عن النفس، ومرد ربطنا التاريخي هذا هو أن الدولة العميقة الفرنسية قامت استراتيجيتها على أنها تعرف بدقة دائماً التصرفات اللا قانونية واللا أخلاقية بل واللا شرعية لفاعليها السياسيين الكبار كما تعلم بمناوراتهم لإرضاء أتباعهم أو زوجاتهم أو أولادهم والحقيقة أنها تُبقى السر مدفوناً لسنوات بل لعقود في سجلات بعض مؤسساتها (أي سجلات الدولة العميقة) إلى أن تأتي الفرصة السانحة ليعلن عن المستور وحتى تحافظ الدولة العميقة على مربعاتها فتخرج هذا من المسرح وتبرز آخرين كما ان نفس الدولة العميقة تعلم علم اليقين ان مصالحها مرتبطة ارتباطا وثيقا مع معمقها في الضفة الجنوبية للمتوسط وافريقيا والمرغب العربي تحديدا وبالتالي فلها استراتيجياتها هناك وهي استراتيجية مستقبلية مسطرة وبإحكام أيضا…

*** كاتبة صحفية مختصة في العلاقات الفرنسية الافريقية (Moniaelwefi2020@gmail.com)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق