إقتصادالرئيسيةتحاليلشمال إفريقيامصر

لهذه الأسباب يتراجع الأمن الغذائي المصري

أصدر وزير التموين والتجارة الداخلية المصرية، علي مصيلحي، قرارا يقضي بإجبار مزارعي الأرز على توريد واحد طن من المحصول عن كل فدان لحساب هيئة السلع التموينية، وهو ما يعادل 25% من انتاجية الفدان بسعر 6600 جنيه للطن من الأرز رفيع الحبة، و6850 جنيها للطن عريض الحبة. 

وقال الوزير إن الحكومة تستهدف شراء 1.5 مليون طن من الأرز خلال موسم التوريد لهذا العام لدعم الأمن الغذائي من السلع الأساسية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من سلعة الأرز وتأمين احتياجات بطاقات التموين من هذه السلعة الاستراتيجية. 

وأكد الوزير أن الأسعار التي فرضتها الحكومة مجزية جدا وتحقق هامش ربح جيدا وعادلا للمزارعين. وفي حالة امتناع المزارعين عن التسليم الإجباري للكمية المحددة، يعاقب المزارع بحرمانه من زراعة الأرز في العام التالي، اضافة الى عدم صرف الأسمدة والمبيدات الزراعية المدعمة لكافة أنواع الزراعات ولمدة عام، ويعد عدم التسليم مخالفة تموينية تحتسب بمقتضاها قيمة الأرز غير المسلم بمبلغ عشرة آلاف جنيه لكل طن يلتزم بسدادها كل من يمتنع عن تسليم الكميات المحددة، وفق قرار الوزير رقم 109 لسنة 2022.

والسؤال هنا، هل سعر الأرز الذي فرضته الحكومة مجز وعادل للفلاحين؟ وهل يكفي السعر الذي فرضته لإقناع الفلاحين ببيع المحصول للحكومة؟ وهل تنجح سياسة التوريد الإجباري في دعم الأمن الغذائي وتحقيق الاكتفاء الذاتي من سلعة الأرز، وهل الحكومة حريصة على تأمين احتياجات بطاقات التموين من الأرز كسلعة استراتيجية؟

مزاعم الأمن الغذائي

 

النظام ليس حريصا على الأمن الغذائي للمواطن المصري، ولا على تأمين احتياجات بطاقات التموين من الأرز كسلعة استراتيجية، ولا يعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأرز، ولا يوفر الأسمدة والمبيدات والتقاوي بأسعار مدعمة كما يدعي القرار. ذلك أن هيئة السلع التموينية توقفت عن بناء مخزون احتياطي استراتيجي من الأرز، بوصول الجنرال عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، وامتنعت عن شراء الأرز من الفلاحين بنظام التوريد المباشر إلى الشراء من التجار بنظام المناقصات. 

وفي موسم 2016، استهدفت الحكومة شراء مليوني طن من الأرز المحلي ووضعت سعر 3000 جنيه للطن، 160 دولارا، ولكنها فشلت بسبب امتناع المزارعين عن البيع لتدني السعر الذي يقل عن نصف سعر السوق.

وللرد على تمسك المزارعين بسعر عادل حيث وصل سعر السوق إلى 6000 جنيه للطن، أعلنت عن مناقصة لاستيراد الأرز الهندي بعد وصول المخزون إلى الصفر! وقامت وزارة التموين ببيعه للمواطنين بسعر 8 جنيهات للكيلو، وهو نفس سعر الأرز المصري الذي رفضته الحكومة في وقت يباع فيه الأرز الهندي في أسواق الخليج بنصف سعر الأرز المصري!

وفي سنة 2018، خفضت الحكومة مساحة الأرز المسموح بزراعتها إلى 724 ألف فدان بعد أن وصلت في سنة 2013 إلى قرابة 2 مليون فدان. واستحدث نظام الجنرال عبد الفتاح السيسي تعديلات على قانون الزراعة المصري المعمول به منذ سنة 1966 تقضي بعقاب مزارعي الأرز بالحبس حتى 6 أشهر، وبالغرامة المالية حتى 20 ألف جنيه، لمن يزرع الأرز في مناطق غير مصرح بها، بعد أن كانت تقتصر العقوبة على غرامة مالية لا تزيد على خمسين جنيهًا.

وتراجع الإنتاج المحلي من الأرز حتى أصبح لا يكفي الاستهلاك المحلي فضلا عن التصدير. وخلال هذا الشهر قامت الحكومة باستيراد الأرز من الهند بسعر يزيد عن الأسعار التي اقترحها التجار المصريون قبل الأزمة بحوالي 3000 جنيه في الطن، ما يعد إهدارا للمال العام. 

سياسة استيراد الأرز الأجنبي دمرت صناعة الأرز المحلية العملاقة، والتي تعمل بها 7‏ شركات مملوكة للدولة ومئات المضارب الخاصة وشرد‏ت 25‏ ألف عامل يعملون فيها حيث توقفت المضارب لشهور طويلة ثم لسنوات. واختفى الأرز من الأسواق، ووصل العجز في منظومة السلع التموينية إلى 100% في محافظات الصعيد، والوجه البحري إلى 80%، ثم رفع تماما من المنظومة.

ولعلاج الفشل في توفير الأرز في البقالات التموينية ومواجهة أسعاره المرتفعة التي وصلت إلى 15 جنيها للكيلو، قررت الحكومة إحلال سلعة المعكرونة محل سلعة الأرز في منظومة البطاقات التموينية.

وأصدر وزير التموين قرارا بخفض مقررات الفرد الشهرية في منظومة البطاقات التموينية من 2 كيلو للفرد، إلى كيلو واحد فقط للأسرة التي يقل عدد أفرادها عن 4 أفراد، و2 كيلو لباقي الأسر مهما كان عدد أفرادها. وبذلك خفض نصيب الأسرة بنسبة 87.5%، بمعنى أن الأسرة التي كانت تصرف 8 كيلو غرامات أصبحت تصرف كيلو غراما واحدا فقط!

الحل العادل

 

الأرز هو بديل رغيف الخبز ورديفه على موائد المصريين الفقراء والأغنياء. وكانت تكتفي مصر منه ذاتيًّا لعقود وقرون طويلة، وله شهرة دولية لتميزه في الجودة والطعم، وكان رافدا للعملة الصعبة حتى تخفيض زراعته بقرار حكومي من 2 مليون فدان إلى 724 ألفا فقط، بدعوى أنه شره لاستهلاك مياه الري، وهي معلومة غير صحيحة. وهو القرار الذي حوّل مصر من دولة مصدرة للأرز إلى مستوردة.

بعد اندلاع الحرب على أوكرانيا، كتبت مقالا في مارس/ آذار الماضي بعنوان، حلول جادة لأزمة الخبز في مصر، اقترحت فيه أن تتوسع الحكومة في زراعة الأرز الذي تبدأ زراعته في شهر أبريل/نيسان، ليكون بديلا لرغيف العيش وللمكرونة التي تصنع من القمح أيضا، لتصل المساحة إلى 1.8 مليون فدان بدلا من 724 ألفًا التي تتمسك بها الحكومة كل سنة، بحجة توفير مياه الري. ولم تستجب الحكومة وتمسكت بنفس المساحة، ولكن المزارعين استشعروا الأزمة وتوسعوا في زراعة الأرز إلى 1.5 مليون فدان وفق تقدير وزارة الزراعة.

وقبل صدور قرار وزير التموين بشهر تقريبا كتبت مقالا بعنوان، بدائل علمية لحل أزمة الخبز في مصر، قلت فيه بالنص “نحن على أعتاب موسم الحصاد، ووصل سعر الأرز الشعير حاليًّا إلى 10 آلاف جنيه للطن، والأرز الأبيض إلى 15 ألف جنيه، ويتم تصدير كميات منه بألف دولار.

لذلك أقترح أن تشتري الحكومة الأرز الشعير من الفلاحين بسعر 10 آلاف جنيه للطن، لتشجيع المزارعين على بيع المحصول لوزارة التموين وبناء مخزون استراتيجي، يتم توزيعه على المواطنين من خلال البطاقات التموينية بسعر منخفض في حدود 5 جنيهات للكيلوغرام، وبمعدل 3 كيلوغرامات للفرد في الشهر.

وبذلك يتمكن المواطن من استهلاك الأرز ويخف الضغط على استهلاك الخبز. ويمكن تغطية تكلفة دعم الأرز من نقاط الخبز التي توفر 32 مليار رغيف، وفق ما ورد في الموازنة العامة للدولة”.

الذي حدث أن الحكومة فرضت سعرا مجحفا ونظاما للتوريد الإجباري عفا عليه الزمن وألغي قبل 30 سنة، وهي التي تحارب زراعة الأرز وتسجن من يزرعه بعيدا عن المساحة المحددة، وتمنع تصديره للخارج، وفي نفس الوقت تغض الطرف عن جهات سيادية تصدره إلى ليبيا والسودان ودول الخليج بخمسة أضعاف السعر الذي اشتراه التجار من الفلاحين العام الماضي. ومن المفارقات غير الذكية، أن قرار وزير التموين يعاقب من يمتنع عن تسليم الأرز للحكومة بغرامة 10 آلاف جنيه عن كل طن، وهو السعر الحالي للأرز في السوق المحلي، وهو نفس السعر الذي اقترحته. 

ومن المفارقات المضحكة، وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء، أن الصحف نقلت خبرا بعد أسبوع من قرار وزير التموين يفيد بأن مجلس الوزراء قرر تحديد سعر الأرز الأبيض بـ15 جنيها للكيلو المعبأ، وبـ12 جنيها للكيلو غير المعبأ. ما يعني أن سعر الأرز الشعير يمكن أن يصل إلى ضعف السعر الذي حدده وزير التموين للشراء من الفلاحين، وهو تربح فاضح من الحكومة على حساب الفلاحين المساكين، ولولا أن القرار نشر في الجريدة الرسمية برقم 66 لسنة 2022 في يوم 6 سبتمبر الحالي لما صدقت الخبر!

سياسات مرسي الأنجح

 

كان من سياسات الرئيس الراحل محمد مرسي لتحقيق الأمن الغذائي، دعم مزارعي الأرز بالسعر المحفز. وفي مؤتمر احتفاله بعيد الفلاح بعد ثلاثة أشهر من انتخابه في سبتمبر سنة 2012، قرر رفع سعر توريد الأرز من 1400 جنيه للطن إلى 2050 جنيها. هذا القرار قضى على احتكار التجار أسعار الأرز التي لم تزد عن 1450 جنيها للطن.

وأسقط الرئيس مرسي الغرامات المالية المفروضة على المزارعين من حكومات مبارك والمجلس العسكري والتي استهدفت منع التوسع في زراعته. ولأول مرة تبلغ مساحة الأرز قرابة 1.9 مليون فدان في موسمي 2012/2013.

وكذلك كلف الرئيس مرسي وزارة التموين بشراء الأرز من المزارعين مباشرة وبناء مخزون استراتيجي. فاشترت الوزارة 800 ألف طن، وهو احتياطي استراتيجي لم تحققه حكومة من الحكومات من قبل ولا من بعد، وظل سعر الأرز في منظومة السلع التموينية 1.5 جنيه فقط للكيلو، بمعدل 2 كيلو كل مواطن في الشهر.

قرار الدكتور مرسي حقق وفرة في الأرز الأبيض طوال السنة التي حكمها، ولم يزد السعر عن جنيه ونصف الجنيه للكيلو في منظومة بطاقات التموين، وثلاثة جنيهات ونصف الجنيه في السوق الحر، وعاد بالرخاء على المزارعين الذين ربحوا 500 جنيه إضافية في كل طن كانت تذهب لمافيا الأرز، فأفاد القرار الفلاح المنتج والمواطن المستهلك، ودعم الأمن الغذائي المصري بزراعة الأرز كمحصول استراتيجي وكبديل للقمح اللازم لصناعة الخبز وتستورده الدولة من الخارج بالدولار.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق