الرئيسيةتقاريرشمال إفريقيامصر

المعرض العام في دورته الـ 43: الأمل في جيل جديد خارج “موالد” وزارة الثقافة المصرية

 يعتبر المعرض العام من أهم المعارض التي تقيمها وزارة الثقافة المصرية، والذي من المفترض أن يكون أهم ظاهرة ترصد تطور الفن التشكيلي المصري، إلا أن الواقع يتنافى دائماً مع ما يجب أن يكون. وبخلاف اكتشاف سرقة بعض الأعمال الفنية المُشاركة هذا العام من أعمال غربية، بعدما أشار إلى ذلك بعض الفنانين على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، فقد تم تنحية هذه الأعمال من المعرض، بعد الكثير من الجدل حول كُنه العمل، وهل هو سرقة أم اقتباس، ما يكشف مدى فقر فكر وثقافة اللجنة الموقرة التي تقوم باختيار الأعمال، وهو أمر ليس بالجديد على لجنة أو لجان تعتمد الأصدقاء والمعارف والمحسوبية من الفنانين، وتخشى من الأسماء كبيرة السن لما تمثله من مركز قوة داخل الوسط التشكيلي. المهم المسألة أولاً وأخيراً مصالح وحسابات وصداقات، ويأتي الفن في المرتبة الأخيرة من هذا المولد. ولكن.. هل ثمّة أمل؟ احتمال.

الوجوه المكرورة

بخلاف تدني مستوى الأعمال التي لا تليق بعرضها في معرض بهذا الحجم ــ اسماً على الأقل ــ نجد وجوه الفنانين المكررة، أسماء بعينها وأعمال ظلت تُعرض لسنوات، سواء في معارض خاصة أو عامة ترعاها الدولة ووزارتها المثقفة. وهذا بالطبع يستدعي مكان عرض هذه اللوحات، وهو أمر متروك للسادة أعضاء لجنة المعرض، فنجدها تنال حظها من حيث المكان والإضاءة. أما بعض الفنانين ممن لا أصدقاء ولا معارف لهم ــ وهم قِلة ــ فنجد أعمالهم معروضة في مساحات ضيقة ومُعتمة، هؤلاء الذين تم اختيار أعمالهم كتحصيل الحاصل، أو تكملة عدد للأعمال المشاركة.

مآس لن تنتهي

كالتردي في كل شيء في مصر، لم يكن الفن بعيداً عن هذه الحالة العامة، تجارب باهتة وأساليب متهافتة تطول جميع أشكال الفن التشكيلي ــ حسب ما تم عرضه في المعرض ــ من تصوير ونحت وخزف وفراغ في التجهيز. ليبدو التساؤل منطقياً.. إلى متى ستظل هذه المهازل؟ وإلى متى ستظل هذه المجموعة مُتحكمة ومُسيطرة على هذا المجال، ككل المجموعات في المجالات الأخرى؟!

خطأ غير مقصود

هل لنا أن نتحدث عن فناني الهامش، والذين من حُسن الحظ تم عرض أعمال البعض منهم، لتبدو كالخطأ غير المقصود وسط حفل التفاهة المُسمى بـ «المعرض العام»؟ هناك بالفعل بعض الأعمال التي تنم عن روح مختلف، لا يتماشى مع الموضة وتخاريف انتهت في الغرب من زمن. منهم مَن يتعامل مع المؤسسة الثقافية على استحياء وفي حدود، ومنهم مَن يخشونها لأنها تتعامل من قبيل أنها لن تخسر شيئاً أكثر مما خسرت، خاصة وأنها تعرف تماماً بعضا من فضائح الكثير من الفنانين أو الموسومين بالفنانين، والحالات كثيرة ولكن لا مجال لذكر هذه الفضائح المعروفة، من سرقة أعمال آخرين مغمورين، أو أن يقوم تلاميذ هذا الفنان الكبير أو ذاك برسم وتنفيذ الأعمال، والكبير القدير فقط يتفضل بالتوقيع باسمه على العمل.

أعمال لافتة

بعيداً عن الأسماء المعهودة جاءت بعض الأعمال اللافتة بالمعرض، والتي على قِلتها إلا أنها تكشف عن عالم مختلف لهؤلاء، وأنهم بالفعل يجتهدون في تنفيذ أعمالهم الفنية، بدون حالة الاستسهال المعهودة، نذكر منهم على اختلاف الأسلوب والخامة، أحلام فكري، وعاطف عناني، وسيف الإسلام صقر، وسمير شاهين، وسامح عمر، ورغدة عبد المجيد، وحسام إسماعيل، وأيمن سعيد، وأحمد عبد الفتاح، وإبراهيم غزالة، ويوسف ليمود، وهند خليل، ومحمد عطية، ونهلة عبد الحميد، وعماد إبراهيم، وعمرو عبد الوهاب، وعماد رزق.

من الكلاسيكية إلى الديجيتال

جاءت الأعمال تحمل الكثير من التنوع، خاصة أسلوب تنفيذ العمل الفني، سواء عند استعراض تفاصيل حي شعبي، أو مكان ريفي، أو حارة من حواري مصر ومظاهرها. فبينما نجد لقطة لا تحمل أي شكل من أشكال السفسطة لأحد الأسواق، في شكل تعبيري بسيط، ولكنه يقترب كثيراً من المخزون البصري للمتلقي (لوحة عماد رزق) نجد الأسلوب الكلاسيكي لمشهد ريفي (لوحة إبراهيم غزالة) وآخر انطباعي (لوحة عاطف عناني) أو من خلال الطباعة (لوحة سيف الإسلام صقر). وكلها مشاهد ريفية متنوعة بروح ورؤية وأسلوب مختلف، غير مُقحم على موضوع اللوحة. لنصل إلى حي قاهري عتيق من خلال تقنية الديجيتال (لوحة سمير شاهين) حيث المبالغة في النِسب والمنظور، ولكن طبيعة البنايات من مشربيات وحواري ضيقة تكشف كُنه المكان، وإن كان في شكل أقرب إلى الخيالي منه إلى الواقعي.

التجهيز في الفراغ

هناك بعض الأعمال التي انتهجت أسلوب أو تقنية التجهيز في الفراغ، كالبيت الريفي بكل تفاصيله وإضاءته الخافتة (عمل يوسف ميلود) أو الفتاة الخائفة الحبيسة، رغم تحطم سجنها (عمل أيمن سعيد). والمُلاحظ على العملين أنهما لم ينجرفا إلى موضة (الفراغ في التجهيز) بمعنى «أي حاجة والسلام» كما جاء عمل (عصمت داوستاشي) الذي يتصدر بهو قصر الفنون.

حالات فنية

يأتي عمل (حسام إسماعيل) معتمداً خامات متعددة، أساسها التصوير، لجسد إنسان وقد تحول في هذا العالم إلى حالة الأسماك المُحاطة بالخطافات التي تنتظرها فوق السطح (السنانير) وهي فكرة لطيفة وبسيطة، ولكن لوحته الأخرى التي كان موضوعها إحدى الأسماك، وقد حل بعدها الجسد الإنساني قد أضعفت الفكرة بعض الشيء، فالموضوع واضح بذاته ولا يستدعي المقارنة حتى نتعرّف حالة العمل الفني.
وفي لوحة هند خليل تبدو المرأة الجالسة مُستندة إلى الجدار في حالة وحدة أو فقان أمل، والمُبتكَر هنا هو زاوية النظر والمساحات اللونية التي جسدت هذه اللحظة، والتي جعلت من المرأة وجدارها شيئاً واحداً، يوحي بالوحدة والبرودة والفراغ.

نساء أحلام فكري

ثلاث نساء حيث لا يظهر إلا وجه المرأة التي تتوسط الأخريين، ربما يحتمين ببعضهن، أو أنها امرأة وحيدة تحتمي بظلالها. وما بين الأزرق والبني تتوزع الألوان، حيث يحاول الأزرق أن يجد له مكاناً على هذا الجسد أو ذاك. فكرة الجسد وتفاصيله وما يحمله من مشكلات دائماً هو محور أعمال أحلام فكري، ليس احتفاء بالجسد ولكن حالة إلى الرثاء أقرب، ربما نلحظ ذلك في الأثداء المترهلة أو المختفية، هناك تشوّه مقصود لجمال كان مصدراً للتباهي في ما سبق. ومن حالة الجسد يمكن الوصول إلى حالة نفسية أكثر عمقاً، ترفض ما هو كائن، بل وتسخر منه، ولكن في حالة من الأسى يمكن كشفها بسهولة.
هذه نظرة عامة على المعرض العام، وهي لا تختلف عن العام السابق والذي سبقه، وسيظل الحال هكذا طالما كان الفساد هو الحاكم والمتحكم في الحركة الفنية المصرية، أو الحالة المصرية بشكل عام. والأمل سيكون في جيل جديد ــ فنان حقيقي ــ لا يهتم إلا بما يفعله، ولا يسعى لموالد الدولة وتفاهة ما تقيمه من تظاهرات واحتفالات صاخبة مصيرها معروف مسبقاً.

 

المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق