بوركينافاسوتحاليلسياسيةشؤون إفريقية

واشنطن وانقلاب 30 سبتمبر في “بوركينا فاسو”، أو في المحددات الرئيسية للسياسات الامريكية في افريقيا

علي عبد اللطيف اللافي-كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

ساعات بعد الانقلاب الجديد والثاني في نفس السنة في “بوركينا فاسو”، سارعت الولايات المتحدة الأمريكية بإدانته ومنذ صبيحة السبت 1 أكتوبر 2022 أدانت واشنطن الانقلاب وبالإطاحة بحكومة البلاد على يد ضباط بالجيش، بل وأعربت عن قلقها الشديد إزاء تلك الأحداث، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية يومها في بيان مقتضب “نلاحظ أنه للمرة الثانية خلال 8 أشهر، حل ضباط بالجيش للحكومة والجمعية الوطنية وعلقوا العمل بالدستور…” وبعد أسبوع تطور الموقف الأمريكي الى تحذير واضح للعسكريين الحاكمين في “واغادوغو”(العاصمة السياسي لـــ”بوركينا فاسو”) من مخاطر تحالف مع روسيا خاصة وأن هذه الأخيرة أبدت مجموعتها شبه العسكرية “فاغنر” دعماً واضحاً لمنفذي الانقلاب الأخير والذي نُفذ فجر 30 سبتمبر 2022…

  • أولا،حتى بداية العقد السابق كانت العلاقات بين واشنطن و”واغاداغو” تُوصف بالجيدة، ورغم أن العلاقات بين البلدين تخضع لسلالات في الماضي (وخاصة منذ بداية الألفية وحتى سنة 2014) بسبب الرئيس الأسبق “كومباوري”بسببأن بعض حكوماته المتعاقبة قد تساهلت وشاركت في تجارة الأسلحة وأنشطة أخرى لكسر العقوبات الغربية، ومعلوم أن معطيات تقرير أمريكي سنة 2012 قد بينتإن 82 بالمائة من سكان “بوركينافاسو”موافقون على القيادة الأمريكية للعالم (مقابل رفض 17 بالمائة لذلك وعدم تأكيد نسبته 1 بالمائة) وهو فعليا ثالث أعلى تصنيف للولايات المتحدة لأي دولة شمها الاستطلاع يومها…
  • ثانيا، فعليا لم يُطنب قادة الانقلاب في الحديث على علاقتهم بالغرب واكتفوا بالإشارة الى باريس وهوما ينطبق على التصريحات القليلة التي أدلى بها قائد الانقلاب “إبراهيم تراوري” والذي كان في السابق عسكريا مثل باقي العسكريين في بوركينا فاسو قبل أن يَلمع نجمُه على ضوء الانقلاب العسكري الحالي والذي نفذته مجموعة من العسكريين ضد الكولونيل “بول هنري داميبا”(رئيس المجلس العسكري الحاكم قبل 29 سبتمبر 2022)، وقد كان “تراوري” قبل وقوع الانقلاب قائدا لفيلق “فوج مدفعية كايا” في شمال بوركينافاسوقبل أن يتولى منصب رئيس ما أسماه “الحركة الوطنية من أجل الحفاظ على الجمهورية” إثر اسقاطه لحكم الكولونيل “بول هنري داميبا”…
  • ثالثا، كان “إبراهيم تراوري” قد التحق بجامعة “واغادوغو” في العام 2006 ودرس “الجيولوجيا” قبل أن يحصل على شهادة بتقدير ممتاز. في 2010 قرر الالتحاق بالأكاديمية العسكرية التي تدعى “جورج نامونو”(متخصصة في تدريب عسكريين من فئة “الكومندوس”)، وبعد سنتين من التكوين في الأكاديمية العسكرية، تم إرساله إلى فوج المدفعية المتواجدة في منطقة “كايا” (شمال بوركينا فاسو) وتحديدافي 2014وليحصل هناك على رتبة ملازم ثم رتبة كابتن في 2020 قبل أن يتم تعيبنه في شهر مارس/آذار من نفس السنة قائدا للفوج العاشر للمدفعية العسكرية في منطقة “كايا” من قبل الكولونيل “بول هنري داميبا” الذي تمت تنحيته الأحد 02 أكتوبر الحالي الماضي من رئاسة المجلس العسكري، ويبلغ “إبراهيم تراوري” من العمر 34 عاما، وهو يعتبر من بين الضباط الذين شاركوا في إزاحة رئيس بوركينا فاسو السابق “روك مارك كرستيان كابوري” من السلطة في حانفي/يناير 2022 فيما تعهد أيضا بمحاربة الجماعات الإرهابية التي تنشط في البلاد وفي منطقة الساحل.
  • رابعا،قادة الانقلاب كانوا حذرين في حديثهم على علاقاتهم الدولية ولم يتحدثوا الا على العلاقة والموقف من باريس وقال قائد الانقلاب في تصريح مطول لإذاعة فرنسا الدولية يوم 03 أكتوبر الجاري أن “الوضع الأمني مستتب في بوركينا فاسو ولايوجد أي شيء يبعث على القلق”، مضيفا أن “الكولونيل دامبيا في مكان آمن ولقد تحدثت معه ولا يوجد أي مشكل شخصي بيني وبينه…” وقال قائد الانقلاب في نفس التصريح “سنعمل بكل ما في وسعنا من أجل العودة إلى المسار الدستوري قبل شهر جوان/يونيو 2024 وذلك وفق التعهدات التي اتخذتها بوركينا فاسو حيال المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا”، فيما أوضح أنه يقوم فقط بـ”تسيير المرحلة الانتقالية لغاية تنظيم ما يسمى باجتماع (القوات الحية) للبلاد والتي سيتم على إثرها اختيار رئيس لتسيير المرحلة الانتقالية المقبلة…” ولكن قائد الانقلاب لم يوضح تاريخ تنظيم ذلك المؤتمر ولكنه قال أنه “يأمل أن يكون قبل نهاية السنة الجارية”، وبخصوص مستقبله الخاص، صرح أنه لا “يود الاستمرار في السلطة”. وتساءل: “لماذا يجب أن أستمر في الحكم، لم نأت لغرض خاصوما يهمنا هو وضع حد للانفلات الأمني ووضع البلاد على سكة التنمية…”، كما تأسف إزاء الهجمات التي استهدفت بعض المصالح الفرنسية في بوركينا فاسو، موضحا أن ذلك كان “نتيجة الانحرافات والتجاوزات التي قام بها بعض المتظاهرين الذين تسببوا في أعمال تخريب بالعاصمة”وبخصوص العلاقة بين فرنسا وبلاده قال “بوركينا فاسوتتعامل مع فرنسا ومع شركاء آخرين، على غرار روسيا التي يربطنا معها عقد عسكري،ونحن نستخدم كثيرا العتاد العسكري الروسي”.، وبخصوص الحفاظ على الشراكة مع فرنسا من عدمه أكد قائلا  “بما أن هناك علما فرنسيا في بلادنا فهذا يعني بأننا تجمعنا علاقة شراكة معها، لكن في نفس الوقت يجب مراجعتها لأن هناك بعض الأشياء التي يجب تعزيزها وتحسينها وأخرى يجب ربما التخلي عنها”.
  • خامسا،واضح أن الإجابات الواردة في النقطة/الفقرة السابقة كانت حاسمة في اتخاذ واشنطن لمواقفها خاصة وأنها كانت ومنذ سنوات تراقب ما يجري في دول الساحل والصحراء وتمتلك معطيات ودراسات دقيقة حول الأوضاع الداخلية لكل بلدان غرب ووسط افريقيا خاصة وان قوة الأفريكوم عمليها ليس عسكريا فقط،وكل ما سبق يُفسر سرعة رد الفعل الأمريكية تجاه الانقلاب الأخير حيث قالاخيرا المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية “فيدانتباتيل” للصحافيين إن “الدول التي انتشرت فيها مجموعة فاغنر أصبحت أضعف وأقل أماناً، ورأينا ذلك في حالات عدة في أفريقيا وحدها”. وأضاف “ندين أي محاولة لمفاقمة الوضع الحالي في بوركينا فاسو، ونشجع بقوة الحكومة الانتقالية الجديدة على الالتزام بالجدول الزمني المتفق عليه للعودة إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً”، وكان رجل الأعمال المقرب من الكرملين ومؤسس مجموعة فاغنر “يفغيني بريغوجين”، قد قال في منشور على شبكات التواصل الاجتماعي، عن دعمه لإبراهيم تراوري ورجاله، الذين “قاموا بما هو ضروري (…) لمصلحة شعبهم” حسب تعابيره وهو ما يفسر تحذير واشنطن الأخير للانقلابين من التعامل مع “فاغتر ” ومعلوم أن المجلس العسكري الحاكم في مالي (المجاورة لبوركينا فاسو)قد اقام علاقات مع قوات “فاغنر”(عمليا تم توثيق وجود المجموعة الروسية منذ ثماني سنوات في أوكرانيا وسورية وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، ويعتبرها منتقدوها جيشاً يحركه فلاديمير بوتين، بينما تتهمها الأمم المتحدة والدول الغربية والمنظمات غير الحكومية بارتكاب انتهاكات عدة).
  • سادسا، ما يجعل خطاب واشنطن هادئا رغم التحذير الأخير ورغم ادانته السريعة للانقلاب يعود رُبما لسببين رئيسيين:
  • سبب أول: وجود تعقيدات في علاقتها المباشرة مع بعض الانقلابيين من عدمه (وهو أمر لا يمكن تبين لا تفاصيله ولا دقته) خاصة وأن الثابت أنهم مُختلفي الولاءات الفكرية والسياسية والمباشرة بين موسكو وباريس وأطراف دولية أخرى بما في ذلك واشنطن نفسها…
  • سبب ثان:تعهد القائد العسكري الجديد لبوركينافاسو “إبراهيم تراوري” باحترام الجدول الزمني للانتقال الديمقراطي الذي اتفق عليه سلفه مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ايكواس)، ويأتي تصريح تراوري بعد اجتماع مع وفد للمجموعة الاقتصادية جاء إلى البلاد للاجتماع مع المجلس العسكري الذي تولّى السلطة منذ بداية أكتوبر الحالي في ثاني انقلاب في الدولة الواقعة غربي أفريقيا هذا العام.

ومعلوم أن تراوري قد أكد إن “بوركينا فاسو ستحترم التسوية القائمة” التي تم الاتفاق عليها مع إيكواس في جويلية/يوليو للعودة إلى النظام الدستوري في غضون 24 شهراً، وأضاف أن بلاده ستفي بالتزاماتها الدولية، وما يتعلق منها خاصة بحماية حقوق الإنسان، وستتعاون مع آليات تقييم التكتل للتقدم المحرز في هذا الصدد، وقال رئيس النيجر السابق “محمد يوسف” (اي وسيط “إيكواس” ورئيس وفد المجموعة) إنه راضٍ عن المناقشات.

  • سابعا،في ظل تعدد الانقلابات في القارة السمراء منذ دخول “بايدن” للبيت الأبيض يمكن القول أولا أن هناك بهتة أمريكية امام ما يجري وخاصة في ظل تراجع الفرنسيين في وسط وغرب القارة السمراء وتقدم الروس في كل مساحة تتركها باريس ولكن يمكن القول أيضا أن الإدارة الامريكية قد أدركت أهمية أن تكون شريكا قوياً وموثوقاً به لدى الأفارقةوخاصة في ظل اشتداد التنافس الدولي والإقليمي المستعر على النفوذ في قارة توسم بانها قارة المستقبل ويمكن الجزم أنها أعطت الاهتمام بهدف تعزيز العلاقات الدبلوماسية مستقبلا ومن ثم إعادة تقديم المساعدات الإنمائية للدول الأفريقية وأنها قد تقوم بالأكثر خلال السنتين القادمتين وخاصة في  ملفات التغير المناخي وريادة الأعمال في أفريقيا، بالإضافة إلى دعم وتفعيل ثوابت السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا التي في مقدمتها مكافحة الإرهاب، والتعامل مع المناطق التي تعاني من مخاطر الصراعات، والتحولات الديمقراطية ومما لا شك في أن “بوركينا فاسو” ذاتها معنية بذلك ومن ثم ستتوجه واشطن الى احتواء ناعم ومتدرج ولكنه حذر لتراوريورفاقه (أي قادة الانقلاب)، والثابت أن أيضا أن “بايدن” وفريقه سيُحاولون مستقبلا دعم أكبر للشراكة مع أفريقيا وهي قناعة وأولوية لوزير الخارجية الحالي (أي “بلينكن”) وأيضا لدى “ليندا توماس غرينفيلد”(ذات الأصول الأفريقية التي عملت في أفريقيا في ليبيريا وكينيا وغامبيا ونيجيريا، وشغلت منصب مساعد وزير الخارجية لمكتب الشؤون الأفريقية في إدارة أوباما)، وواضح أن هناك منذ بداية 2022 تركيز على زيادة التعاون الاقتصادي والتجاري مع القارة السمراء، بما في ذلك مزيد انخراط واشنطن في تعزيز التنمية الاقتصادية في دول القارة؛ وهو ما يمكن أن يتمثل في دعم أمريكي لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وتمديد العمل بقانون النمو والفرص في أفريقيا لما بعد عام 2025.
  • ثامنا،الخلاصة أن واشنطن أدانت الانقلاب وحذرت الانقلابيين وخاصة في علاقتهم بالروس – والتي اعترف بها ضمن قائد الانقلاب بعد انقلابه بيومين-وهو ما سيحيل الى إعادة طرح أسئلة عدة بخصوص الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالقارة السمراء في أفق نهاية 2024 (تاريخ مغادرة “بايدن” للبيت الأبيض)، ولكن الثابت أن الانقلاب في “وغاداغو” كان مؤشرا جديداقد أشعل الضوء الأحمر – ي وربما أضواء حمراء عديدة – خاصة وأن واشنطن لها في المنطقة خطوط حمراء ثلاث لا تُريد الاقتراب منها باي شكل من الاشكال وتحت أي ظرف وهي: مواصلة ضخ النفط-محاربة واستئصال التنظيمات الإرهابية – التواجد العسكري الروسي، وهيخطوط وأمور متفق عليها في واشنطن من طرف إدارة البيت الأبيض والمشرعين ايضا، وهؤلاء – أي المشرعين كانوا قد أكدوا على ذلك في أوت/أغسطس الماضي عندمناقشتهم لتعيين مسؤولين رئيسيين للقواتالأمريكية في افريقيا خاصة وانهم عبروا يومها  عن قلقهم الشديد بشأن استخدام موسكو لمجموعة “فاغنر”( والتي وسموها يومها بالمرتزقة) لإبراز مكانة روسيا في القارة الإفريقية، وسلط المشرعون الأمريكيون يومها الضوء على أنشطة “فاغنر” في مالي حيث تسببت حسب رأيهم في الانقلابات العسكرية المتتالية بل وفي زعزعة الاستقرار في كل المنطقة، وقالوا إنها أعطت روسيا موطئ قدم في القارة وخاصة في غربها، كما أعربوا يومها عن قلقهم من أن نفوذ روسيا المتوسع في جميع أنحاء القارة يمكن أن يُبعد الولايات المتحدة من قطاع التعدين في إفريقيا(مع التركيز بشكل خاص على المعادن النادرة مثل الكوبالت، وهو عنصر حاسم في بطاريات أيون الليثيوم القابلة لإعادة الشحن، والمستخدمة في الهواتف المحمولة والسيارات الكهربائية والعديد من المنتجات الأخرى)، ولكن هناك اليوم سؤالين رئيسيين يجيب طرحهما:
  • سؤال أول:هل ستنتبه واشنطن لقصور في سياساتها السابقة ومن ثم ستنتبه أنه يجب بناء شراكات فاعلة مع الدول والشعوب الأفريقية أم انها لم ولن تترحك الا إذا مست مصالحها الاستراتيجية؟
  • سؤال ثان: كيف سيتم التعاطي مستقبلا مع الانقلابات في افريقيا وخاصة في ظل تناميها عدديا واقتراب فاعليها ومٌنفذيها من موسكو،وهل أن الاحتواء الناعم والمتدرج للانقلابات سواء في “بوكينا فاسو” أو غيرها مؤشر دال ومعبر أن ما بين “موسكو” و”واشنطن” من جهة وبين “موسكو” و”باريس” من جهة ثانية وفي افريقيا تحديدا، تقاطع وانقطاع وليس عداء مستفحل وفي اتجاه واحد كما يعتقد البعض؟

 

المصدر : صحيفة 24/24
بتاريخ 11 أكتوبر 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق