الرئيسيةتحاليل

ليبيا: خلفيات وأبعاد زيارة المنفي للجزائر وأفق الحل الثالث  

علي عبداللطيف اللافي-كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

سياسيا يمكن تفهم زيارة رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي للجزائر وخاصة في هذه الفترة تحديدا ذلك أنه يُمثل الدولة الليبية في علاقاتها الدولية خاصة وأن الجزائر بصدد التحضيرات النهائية للقمة العربية، كما أن الجزائر دولة محورية في الإقليم بل وعادت دبلوماسيتها للفاعلية والنجاعة منذ بداية 2021 بعد أن كانت مشلولة بين 2014 و2020 ومن الطبيعي بل من الواجب التشاور معها في جزئيات الحل المقبل للازمة الممتدة منذ 2014، الا أن الزيارة لم تكن عادية لأنها تمت في ظرفية تتسارع فيها الأحداث والتطورات لا في الملف الليبي فقط بل في كل الإقليم ومربعاته المختلفة (المتوسط- المغرب العربي – الشرق الأوسط – افريقيا) وخاصة بعد نسقية الأحداث شرق المتوسط (الاتفاق الليبي – التركي الأخير مع حكومة الوحدة الوطنية – التحركات المصرية اليونانية ضد ذلك الاتفاق – ما يجري في دول الساحل والصحراء وخاصة في مالي والنيجر والتشاد وبوركينافاسو)، وبالتالي فالزيارة مركبة الأهداف والخاصيات ولها تداعيات لا على الملف الليبي فقط بل على كل الملفات في المنطقة وهي إعادة ترتيب وتركيب للحل السياسي في ليبيا لا على مساراته الأربع فقط بل أيضا زمنيا واجرائيا خاصة وأن تصريحات الرئيس الجزائري قد تلخصت في القول أن الحل في ليبيا بَيّن وواضح وأنه يجب أن يتم في 2023 وهو ما توصلت اليه ضمنيا كل لقاءات المبعوث الألماني في ليبيا خلال الأسبوعين الماضيين سواء تلك التي أجراها في “طرابلس” و”بنغازي” أو تلك التي أجراها في تونس بما فيها مع بعض سياسيين تونسيين على انفراد، فما هي عمليا حيثيات الزيارة وطبيعة المشاورات التي أجراها “المنفي” في العاصمة الجزائرية وأي أفق للحل النهائي ولحل الخيار الثالث تحديدا؟

  • أولا، تبين لكل المتابعين للملف الليبي منذ سنوات أنه ملف مُعقد ومُتشابك وأن خيوطه تُحيل لمربعات كثيرة التعقيد والتكوين لا في ليبيا بل وفي محيطها الإقليمي المتنوع فقط بل في كل الإقليم وعلى المستوى الدولي وحواشيه الظاهرة والخفية (شركات البترول العالمية – الشركات العابرة لقارات – المحافل العالمية سواء كانت ثقافية أو خفية الأهداف والمرامي)، ولعل إشارة المبعوث الاممي الرابع “غسان سلامة” سنة 2018 أنه “لا يكفي اتفاق الليبيين لحل ملف البلد” إشارة دالة ومعبرة خاصة وانه أضاف يومها انه “لا يحل ملف ليبيا الا باتفاق الأطراف الدولية واذرعها الإقليمية”، ولكن الثابت أن ترتيب الملف الليبي وفي ظل المعادلات الدولية الجديد سيفرض على واشنطن وحُلفائها سواء الدوليين أو الوظيفيين دوليا واقليميا المسارعة لترتيب له في الحدود الدنيا خاصة في ظل حقيقة أن المطلوب على المدى المتوسط وفقا للرؤية الغربية ليس حلولا بل مُسكنات ويظهر بوضوح ان المسكنات جاهزة ويجب ان تُفعل في افق جوان/يونيو 2023 ولأن ملفات أخرى في شمال وغرب افريقيا ستُرتب بناء على الترتيب الاولي للملف الليبي وأهمها طبعا ملفات أربع (التونسي – السوداني – البوركيني – التشادي)…

 

  • ثانيا، من حيث مخرجات الزيارة يمكن التركيز على تعبير الرئيس الجزائري عن أمله في أن “تكون السنة المقبلة 2023 سنة الحل بالنسبة للأزمة الليبية وعبر التوصل إلى أرضية توافقية تؤدي إلى إجراء انتخابات”، وأكد أن هذا الخيار بات الوحيد لحل الأزمة، مشدداً على تمسك الجزائر بدعمه، وهو الذي قال في تصريح مشترك مع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، عقب محادثات جمعتهما بمقر الرئاسة الجزائرية الأربعاء، “نأمل في أن تكون 2023 هي سنة الحل بالنسبة للأزمة الليبية ونهاية المأساة بالنسبة للشعب الليبي، بما يمكن ليبيا الشقيقة من استرجاع استقرارها واستغلال ثرواتها والمضي نحو التقدم والازدهار” بل أنه “نحن متفائلون، لأن كل الأصدقاء في أوروبا وكل الدول الصديقة والشقيقة أيقنت بأن الحل الوحيد يمر حتماً عبر الانتخابات، ووفقاً لما يقرره الليبيون أنفسهم ودون تدخل من أي طرف، بهدف السماح للشعب الليبي بالتعبير عن اختياراته الحرة، في انتخابات تنبثق عنها حكومة ومجلس نيابي، ما يسمح بإعادة توحيد مؤسسات الدولة الليبية”. وأضاف: “نحن منذ سنة ونيف كان بيننا (مع المنفي) لقاء، وقلنا نفس الكلام، لا شيء يوصل ليبيا إلى الاستقرار سوى العودة إلى الشعب الليبي لكي يعطي الشرعية والتمثيل لمن يحب، ومن تنبثق عنه الانتخابات يتعامل معه العالم على أنه الحكومة الشرعية”.
  • ثالثا، الزيارة تمت للجزائر لأنها أولا وأخيرا طرف إقليمي رئيسي في رؤية الفاعل الدولي وأيضا في رؤية الأطراف المحلية الرئيسية ومعلوم أيضا أن العقيدة الدبلوماسية الجزائرية ترتكز على بُند وقناعة “بومدين” المتوارثة والقائلة انه “لا يمكن حل ملفات المنطقة الا بالتشاور مع الجزائريين وأهل المنطقة…” وهو أمر توضح في باقي تأكيدات “تبون” وتصريحاته حيث جَدد حرصَ واستعداد الجزائر لدعم خطوات استقرار ليبيا، وقال: “نحن مجندون كل التجنيد من أجل راحة الشعب الليبي واستقرار ليبيا، وذلك في نمط التسيير وفي المرحلة الجديدة التي يختارها الشعب الليبي وحده”، مشيراً إلى أن “موقف الجزائر لم يتغير تجاه الوضع في ليبيا، إذ رافعت من أجل حل ليبي يكون هو الوحيد الكفيل بتحقيق الاستقرار والرخاء والازدهار في ليبيا، والمتمثل في الرجوع إلى الشعب الليبي لكي يختار من أراد ويعطي الشرعية لمن يمثله عبر العالم من خلال الصندوق”، ولا خلاف بين المتابعين أن الجزائر تستمر في دعم المجلس الرئاسي الليبي وحكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، وترفض في نفس الوقت وجود حكومة باشاغا الموازية التي تم تشكيلها بدعم من القاهرة، وترافع منذ مدة من أجل تنظيم انتخابات تشريعية في ليبيا ينبثق عنها مجلس نيابي وحكومة وطنية، وقد أهاب الرئيس “تبون” بالعلاقات التاريخية بين الجزائر وليبيا، خاصة وأن الشعبين الشقيقين احتفيا قبل أيام قليلة بالذكرى الـ65 لمعركة “إيسين” المشتركة ضد الاستعمار، وقال إن “الدولة الجزائرية أعطتها أهمية خاصة، عرفاناً بتضحيات الشعب الليبي إلى جانب شقيقه الجزائري إبان ثورة التحرير المجيدة…”
  • رابعا، “المنفي” كرئيس للجلس الرئاسي بيده اليوم حل قد يلجأ اليه وخاصة في ظل تآكل شعبية وشرعية باقي المؤسسات القائمة، وهو حل/مفتاح تمت الإشارة اليه في اكثر من مرة سواء من طرفه اثناء المنتظم الاممي في سبتمبر الماضي أو من طرف فاعلين دوليين بل ان الجميع يُجزم أن جزء من مشاوراته في الجزائر قد تطرقت الى ذلك، وأما المعلن في تصريحاته فقد تركزت على أهمية الاستقرار وسرعة الحل وعلى اجراء الانتخابات حيث أكد “هناك اتفاقاً عاماً على أن الانتخابات هي الحل، وأن الاتفاق على قاعدة دستورية في أقرب فرصة لا بد أن يكون هو البداية من أجل الانتخابات لكي يستقر الوضع في ليبيا بشكل كامل”، مضيفاً: “تحدثنا على الدور الجزائري الكبير والفاعل في المرحلة المقبلة، خاصة في القمة العربية المقبلة من خلال الخروج بموقف عربي موحد، ولدينا ثقة كبيرة في الدبلوماسية الجزائرية وحكمة الرئيس تبون من أجل الخروج بموقف موحد إزاء حل القضية اللبية وإجراء الانتخابات في أقرب فرصة”، وعبر عن تفهمه لبعض الانشغالات الأمنية المرتبطة بالهجرة والأمن على الحدود بالنسبة للجزائر والمنطقة، ومعلوم أن رئيس المجلس الرئاسي الليبي قد وصل، مساء الثلاثاء إلى الجزائر، بهدف بحث آخر تطورات الأزمة في ليبيا، والتباحث مع الرئيس تبون والمسؤولين الجزائريين وإطلاعهم على آخر التوافقات الحاصلة في مسار الحوار الليبي، خاصة ما يتعلق بالقاعدة الدستورية وآليات الوصول إلى انتخابات نيابية…
  • خامسا، الخلاصة أن زيارة “المنفي” مُربعاتها كثيرة وفيها التمثيلي لليبيا وفيها العاجل وانه كان لابد من غلق مواضيع يعينها مع “تبون” ووزير خارجيته وفيها وضع الجزائريين في الصورة لخطوات قد تتخذ في المستقبل وربما المنظور تحديدا وفيها مربعات التشاور والتوافق مع المسؤولين الجزائريين لأن “عقيلة صالح” يُريد اخذ مكان “المنفي” في الرئاسي في أي حل تريب ومستقبلي انتقاليا وقبل الانتخابات وفيها الاقتصادي الكثير الكثير، وخاصة مربعات الغاز والبترول والحدود (غدامس وما يجري من تحركات للبعض هناك – العلاقة مع باريس وتركيا ومربعات الغاز وامداداته)، كما فيها أهمية حضور الرجل في القمة العربية والتشاور معه في بعض تفاصيلها وطلب دعمه في أجندات ومخرجات القمة خاصة وان “المنفي” زار والمصالحة الفلسطينية قيد الترتيب والمعالجة، أما بخصوص تفصيلات الحل المستقبلي في ليبيا فإضافة الى التأكيد على الانتخابات والمسارات الأربع للأزمة (المسار السياسي والتنفيذي – المسار الاقتصادي والاجتماعي – المسار الدستوري – المسار العسكري والأمني)، فانه تم الحديث عن خيارات استثنائية بعينها ولم تكشف تفاصيلها ومن بينها الذهاب للخيار الثالث ومناقشة أسماء بعينها على غرار “المنتصر” و”الكيخيا” (وربما حتى “سالم” أو”رياض جحا” حسبما تم تداوله في شرق البلاد خلال الأيام الماضية)، ولا يُمكن تغييب أنه في نفس الوقت الذي كان “المنفي” في الجزائر كان رئيس المخابرات العامة المصرية يجلس لساعات مع العسكري المتقاعد “خليفة حفتر” (والذي لا يزال يملك جزء من معادلة المنطقة الشرقية والتي ينحدر منها أيضا “محمد المنفي” و”عقيلة صالح”)، وفي الأخير قد يكون “المنفي” في الجزائر قد أعلم الجزائريين بخطوات وهم فصلوا معه في كثير من جزئيات الملف الليبي مثلما فعل السياسي التونسي الهادي البكوش سنة 1987 قبل شهر واحد من انقلاب الجنرال “بن علي” على الرئيس السابق الحبيب بورقيبة، ربما هناك شبه كبير بين ذلك وما قام به “المنفي” وربما أكثر من ذلك بكثير وخاصة ما يهم مستقبل مسارات الملف الليبي سياسيا ودبلوماسيا واقتصاديا…      

المصدر: صحيفة 24/24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق