الجزائرالرئيسيةتحاليلسياسية

ماذا تريد أمريكا من الجزائر؟

ناصر جاني : الجزائر

في الحقيقة قد يكون الأصح التساؤل عما تريده أمريكا من العالم، لأن هذا هو أصل الموضوع، رغم أننا نفضل من جهتنا الانطلاق بالسؤال بما تريده من الجزائر تحديدا، إيمانا منا بأن فهم ما تريده أمريكا من الجزائر قد يكون المدخل لفهم ما تريده هذه الدولة العظمى من العالم، وهو يعيش حالة استقطاب حادة، نتيجة تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، كما ظهر بشكل جلي في الآونة الأخيرة، من قرار تخفيض إنتاج النفط من قبل دول «الأوبك ـ بلوس». قرار اتهمت الولايات المتحدة بوقوف السعودية وراءه، باعتبارها أكبر مصدر دولي للبترول في العالم، داخل هذا الكارتل الدولي.

قرار يصب في صالح روسيا، حسب وجهة النظر الأمريكية، التي لم تتقبل خروج السعودية ودول الخليج عن طوعها، هي التي تعودت ان تأمر فتُطاع، من قبل هذه الدول التي ظهر على سلوكها السياسي الخارجي، نوع من الاستقلالية، عبّر عن نفسه بقربها من روسيا والصين، ليصل إلى إيران، ترفض الولايات المتحدة أن تقبل به وتفكر في عقابها عنه، كما هو حاصل إزاء السعودية تحديدا وولي عهدها، محمد بن سلمان الذي حاولت التغاضي عن ممارساته السابقة، استقلالية برزت أكثر في فترة حكم الرئيس بايدن، الذي كانت السعودية وما زالت تفضل عليه الرئيس ترامب، وهي تراهن على عودته إلى البيت الأبيض مرة ثانية في 2024 إذا صحت هذه التوقعات.
بالطبع الأمر مختلف جدا فيما يخص الجزائر التي امتازت علاقاتها بأمريكا باستقلالية أكبر وبكثافة أقل، منذ فترة حكم الرئيس كنيدي الذي كان من المؤيدين لاستقلال الجزائر. موقف لم يمنع الرئيس أحمد بن بلة من التوجه مباشرة، بعد لقائه به لزيارة كوبا وهي تعيش حالة حصار فرضها الرئيس الأمريكي صديق الجزائر، في عز الحرب الباردة 1963. موقف نابع من استقلالية الوطنية الجزائرية، كما يتم التعبير عنه في السياسة الخارجية، وهي تحافظ على ود خاص من الدول التي أيدتها ودافعت تاريخيا عن استقلالها، من خارج المنطقة العربية، كما كان الحال مع الصين وروسيا وبعض دول المعسكر الاشتراكي، الذي اقتربت منه الجزائر، دون ان تذوب فيه. ليتحول هذا الود التاريخي إلى علاقات اقتصادية كثيفة بعد الاستقلال، كما هو الحال مع الصين التي كانت الجزائر من الدول العربية القليلة التي دافعت بقوة على انضمامها إلى الأمم المتحدة في 1971 ردا للجميل الصيني في تأييد الثورة الجزائرية. الوضع نفسه الذي يمكن قوله حول الاتحاد السوفييتي الذي اقتربت منه الجزائر في المجال العسكري والجيو -استراتيجي على المستوى الدولي، وهي تحافظ على استقلاليتها كإحدى دول عدم الانحياز الفاعلة. مواقف جزائرية تفهّمها الأمريكيون -على مضض في الغالب – وتعاملوا معها ببراغماتية وهم يحاولون كل مرة تطوير علاقاتهم الاقتصادية مع الجزائر، في أكثر من ميدان، ليصل الأمر إلى المجال السياسي، بمناسبة ما عرف بأزمة رهائن السفارة الأمريكية بطهران التي استعانت فيها الولايات المتحدة بالدبلوماسية الجزائرية لإطلاق سراح موظفيها في 1981، رغم قلة الزيارات الأمريكية بين الجزائر والولايات المتحدة على مستوى الرؤساء والحكومات إذا استثنينا الزيارة الوحيدة الرسمية للرئيس الشاذلي -1985. جدية ورصانة الدبلوماسية الجزائرية التي ما زالت الإدارات الأمريكية المختلفة، تتعامل معها باحترام حتى الساعة، وهي تدرك العمق الفكري والسياسي الوطني الذي تصدر عنه، البعيد عن الشيوعية، عكس ما حاولت بعض الأوساط الترويج له، يجعل هذه الدبلوماسية حذرة جدا في التعامل مع المؤسسات الرسمية للدولة الجزائرية، كما يظهر على سلوك رجال ونساء السفارة الأمريكية بالجزائر في كل الأوقات، رغم المواقف التي قد لا تعجبها بالتأكيد، كما هو حاصل هذه الأيام، مع اجتماع الفصائل الفلسطينية في الجزائر بقائمة وفود الفصائل المغضوب عليها أمريكيا، كالجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية – القيادة العامة وحتى حماس. تماما كما كان الحال عند الإعلان عن استقلال دولة فلسطين في 1988. فصائل كان السائد عربيا التعامل معها من خلال المخابرات، في اجتماعات مغلقة وليس بحضور سفراء الدول الغربية والصحافة الدولية، في بث تلفزيوني مباشر، كما حدث ويحدث في الجزائر. استقلالية جزائرية ستكون على المحك، بعد الحرب الروسية على أوكرانيا التي تريد الولايات المتحدة والغرب اتخاذ مواقف، بعيدة عن اللون الرمادي فيها، كما حصل في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخير التي امتنعت فيه الجزائر عن التنديد بضم روسيا لأراض أوكرانية. موقف جزائري فسر أمريكيا بكونه تأييدا للموقف الروسي، لتنطلق محطة الحرب الروسية التي يمكن أن تسوء فيها علاقات أمريكا مع الكثير من الدول، وهي تحاول الحفاظ على استقلال قرارها الخارجي، كما هو حال الجزائر التي تجد في مواقف الكثير من الدول تأييدا لها، كما هو حال الصين والهند وجنوب افريقيا.. دول بوزنها الاقتصادي والديموغرافي الكبير، يمكن أن تقود مرحلة جديد من فكرة عدم الانحياز، أصبح العالم في حاجة ماسة لها وهو يعيش حالة تشنج لم يعشها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قد تعود به إلى حروب ساخنة وليس باردة، كما كان الحال في عقد الستينيات على سبيل المقارنة. لنكون أمام تنمر أمريكي يكون قد بدأ في اتجاه الجزائر من خلال العريضة التي أمضاها بعض أعضاء الكونغرس- عدد قليل لا يتجاوز 27عضوا – ضد ما سمي بتسلح الجزائر الكبير الذي يصب لصالح روسيا من الناحية المالية، حسب أصحاب هذه المبادرة الذين تناسوا أن أمريكا ـ مع بعض الدول الغربية الأخرى – هي التي وقفت في وجه الجزائر عندما اتجهت نحو تنويع تسليحها وهي تحارب الجماعات المسلحة، داخل ترابها وعلى حدودها، في إقليم جغرافي ملتهب، تشتكي منه أمريكا نفسها.
بداية تنمر أمريكي ما زالت الإدارة الأمريكية حتى الآن بعيدة عن الأخذ به وتأييده، كما عبرت مصالح وزارة الخارجية وإدارة بايدن عن ذلك.. الشيء نفسه بالنسبة للمتعاملين الأوروبيين الذين عادوا بقوة إلى الجزائر، في وقت زادت فيه حاجتهم للغاز الجزائري الذي يمكن ان يزيد الاعتماد عليه أكثر على المدى المتوسط، إذا صدقت فرضية الاكتشافات الجديدة وزاد حجم الاستثمار الوطني والدولي في قطاع الطاقة. في انتظار تطورات المشهد الأوكراني المتسارعة في الشهور القليلة المقبلة، زيادة على ما قد يبرزه حضور الفاعل الإسرائيلي الجديد من اضطراب على المنطقة، لن يكون لصالح الجزائر وشعوبها بكل تأكيد، منطقة تبقى في حاجة إلى حل مشاكلها وصراعاتها البينية، بدءا من قضية الصحراء الغربية والوضع في ليبيا ودول الساحل، بالاعتماد على قاعدة أولوية تحسين أداء أنظمتها السياسية ودمقرطتها، حتى لا يتم جرفها في منطق الاضطراب الذي يسود العالم، بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.

الرابط:اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق