إقتصادإقتصاديةالرئيسيةتقاريرشؤون إفريقيةشمال إفريقيامصر

تداعيات مرتقبة لحصول مصر على قرض من صندوق النقد الدولي

 في الوقت الذي تقترب فيه مصر من الحصول على قرض جديد من صندوق النقد الدولي، تزداد مخاوف المواطنين من ارتفاع معدل الديون الخارجية الذي وصل إلى مستوى غير مسبوق خلال السنوات الماضية، إضافة إلى مخاوفهم من موجات جديدة من ارتفاع أسعار كافة السلع خاصة الغذائية منها، مع اشتراط الصندوق على الحكومة مزيدا من تحرير سعر صرف الجنيه، ما يمهد لتعويم جديد يخفض قيمة الجنيه أمام الدولار.
ووفق وزارة المالية، فإن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي جرى الانتهاء منه على مستوى الخبراء، بشأن مكونات البرنامج الجديد، وإعلان التفاصيل سيكون قريبا، دون الإشارة إلى قيمة القرض الجديد.

وأشار وزير المالية، محمد معيط، الى «مناقشات ثنائية مثمرة للغاية مع خبراء صندوق النقد الدولي على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن»، مؤكدا «إحراز تقدم كبير في جميع السياسات».

وأضاف في تصريحات متلفزة، أن «هناك بعض الاجتهادات من البعض بشأن قيمة قرض الصندوق الدولي، والحديث عن السياسات النقدية أمر متروك للبنك المركزي، وقيمة القرض سأتركه للإعلان النهائي».

وتابع: «الحديث عن التضخم والركود خاصة في الأسواق الناشئة مجرد اجتهادات، ولا أحد في العالم يعلم إلى أين ستسير أسعار الفائدة»، مشيراً إلى أن «التغيرات في أسعار المحروقات والغذاء بشكل سريع تسببت في ضغط كبير على العملة الصعبة».
ويتأهب المستثمرون لانخفاضات أكثر حدّةً في الجنيه المصري، تزامناً مع التوقعات بإبرام الاتفاق حسب مؤسسة «بلومبرغ إيكونوميكس»، التي بينت أن «متداولي المشتقات زادوا من رهاناتهم على أن مصر ستسمح للجنيه بالتراجع أكثر، بعد أن أعلن الصندوق، الذي يفضل مرونة أكبر في سعر صرف العملة، أنه يتوقع التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع مصر حول برنامج تمويل جديد «قريباً جداً».

وأكدت أنها «ستكون خطوة رئيسية لمصر قبل أن تتمكن من نيل موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي على قرض جديد».

تعويم جديد للجنيه… وموجة من ارتفاع الأسعار

وتقدّر «بلومبرغ» أن الجنيه يحتاج إلى الهبوط إلى 24.6 أمام الدولار «ليصل العجز التجاري المصري إلى مستوى معقول».

وشهد الدولار الأمريكي ارتفاعا ملحوظا مقابل الجنيه، خلال الفترة الأخيرة، ليسجل سعره اليوم نحو 19.69 جنيه وفق آخر تحديث للبنك المركزي، ليكسر مستواه التاريخي الذي سجله في ديسمبر/ كانون الأول 2016، والذي بلغ 19.51 جنيه، عقب قرار تحرير سعر الصرف «تعويم الجنيه» في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام نفسه.

وأدى انخفاض مستوى الجنيه إلى موجات غير مسبوقة من ارتفاع الأسعار، كان أبرز مشاهدها خلال الأسابيع الماضية، إقدام أصحاب مزارع دواجن على إعدام آلاف الكتاكيت بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف، إضافة إلى وجود أزمة في توافر الأرز في الأسواق، بعدما اعتبرت شركات التعبئة أن الأسعار الجبرية التي وضعتها الحكومة ستؤدي إلى تحقيق خسائر، كما ارتفع أسعار بيض المائدة ليسجل 95 جنيها لطبق البيض، وارتفعت أسعار العيش الفينو ليصل ثمن الرغيف إلى جنيه واحد مع انطلاق الموسم الدراسي، بعدما كان ثمنه نصف جنيه.

كما ينتظر المصريون قرار اللجنة الوزارية المعنية بمراجعة وتحديد أسعار بيعه بشكل ربع سنوي نهاية الأسبوع الجاري، في ضوء ارتفاع سعر خام «برنت» مقارنة بما قدرته الحكومة في الموازنة الجارية بـ80 دولاراً للبرميل، وتراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار إلى 19.70 جنيه، مقارنة مع 18.80 جنيه للدولار في 30 يونيو/حزيران الماضي.
ورفعت مصر أسعار البنزين 6 مرات على التوالي، كان آخرها في 13 يوليو/تموز الماضي.

وتعد هذه هي المرة الثالثة التي تلجأ فيها مصر إلى الصندوق، حيث سبق ذلك مرتان في السنوات الست الماضية، أولاهما في عام 2016 عندما حصلت على تسهيل ائتماني بقيمة 12 مليار دولار لدعم برنامج طموح للإصلاحات الاقتصادية، والثاني بقيمة 5.2 مليار دولار لتخفيف الأثر الاقتصادي لجائحة كورونا.

مبادرة حقوقية: القرض لن يحل أزمة الديون في مصر

لن يحل قرض البنك الدولي أزمة الديون في مصر، حسب ما أكدت «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، الأربعاء.

وأضافت في بيان حمل عنوان « ست سنوات من صندوق النقد: دواء يفاقم الداء»، أن «مصر أعلنت عن توقيع اتفاق على مستوى الخبراء للحصول على قرض جديد من صندوق النقد، يوفر لها تمويلاً يساعدها جزئياً في سداد التزاماتها الخارجية، في ظل موقف مأزوم، صارت فيه التزامات سداد الديون المستحقة بالعملة الصعبة في الأجل القصير تتجاوز حجم الاحتياطي من النقد الأجنبي».

ويأتي ذلك، وفق البيان : «بينما تتزايد صعوبات توفير العملة الصعبة، وتواجه قيمة الجنيه ضغوطًا كبيرة، يُتوقع معها أن يكون السماح بتخفيض إضافي للعملة أحد الشروط الأساسية للاتفاق الجديد، الذي يعزز وضع مصر الحالي كثاني أكبر مقترض من الصندوق بعد الأرجنتين، بإجمالي 14٪ من مجمل قروض الصندوق قبل التمويل الجديد».

وبينت المبادرة أن «شروط القرض الجديد، الذي يصبح فاعلاً فقط بعد مصادقة مجلس إدارة الصندوق عليه، ليست معروفة على وجه التحديد، لكن القرض سيكون، كما جرت عليه العادة، مدخلاً للحصول على حزم قروض إضافية من دول ومنظمات دولية ومن الأسواق».

الموقف المتأزم

وزادت أن «التوسع المنتظم والكبير في الديون الخارجية خلال السنوات الأخيرة، لعب دوراً رئيسياً في هذا الموقف المتأزم الذي يمر به الاقتصاد المصري، حيث تزايدت القروض بشكل مطّرد خلال السنوات العشر الأخيرة، وبدأت تتراكم بوتيرة مرتفعة بعد توقيع اتفاقية القرض مع صندوق النقد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، وارتفعت تكاليف خدمتها بالعملة الصعبة لتضيق على قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجات الاستيراد لبعض السلع الوسيطة».

وحسب البيان «وصل الدين الخارجي في يونيو/ حزيران الماضي إلى 155.7 مليار دولار وفق أحدث البيانات الرسمية الصادرة الأسبوع الماضي، متراجعاً بشكل طفيف عن مستواه في مارس/ آذار من العام نفسه، وبزيادة 17.9 مليار دولار عن العام المالي السابق».

وعلى الرغم من أن «البيانات الخاصة بالدين الخارجي يتم إعدادها بانتظام»، فإن نشرها «صار يتأخر كثيرا خلال السنوات الأخيرة، بحيث يتم التعامل مع بيانات مر عليها أكثر من ستة أشهر في المتوسط، وهو ما يجعل الواقع متجاوزاً لها في كثير من الأحيان، وقد نُشر الأسبوع الماضي البيان الخاص بحجم الدين في يونيو/ حزيران الماضي إلا أن البيانات التفصيلية الخاصة به لم تُعلن بعد»، تبعا للمبادرة.

ولفت البيان إلى أن «الحلول الحكومية تعتمد حتى الآن بشكل أساسي للتعامل مع الأزمة على الحصول على مزيد من القروض، إلى جانب بيع أصول منتجة لتوفير دخل لمرة واحدة من العملة الصعبة، سواء من خلال السعي إلى قرض صندوق النقد أو قروض من الصين واليابان كما أعلنت الحكومة مؤخراً، دون أن يكون هناك ربط لهذه القروض بأهداف تنموية تساهم في نهاية المطاف في تحسين قدرة الاقتصاد على تمويل أنشطته، والخروج تدريجيًا من هذه الدوامة لاستنزاف الموارد».

وتناول تحذير تقارير المؤسسات المالية الدولية، مصر، من مخاطر الديون، الداخلية منها والخارجية، ومنها، تلك التحذيرات التي صدرت حتى عن المؤسسات المُقرضة، وكان آخرها تقرير حديث للبنك الدولي، صدر في سبتمبر/ أيلول الماضي تحت عنوان «مراجعة الانفاق العام على قطاعات التنمية البشرية» في مصر، والذي يشير إلى مشكلة تزايد مدفوعات فوائد الديون، واستحواذها على جانب كبير من موارد الموازنة العامة في إطار تقييمه لسياسات الانفاق الاجتماعي الحكومية، بحيث «تزاحم الانفاق المُنتج والاجتماعي الهام».

لكن الانتقادات والتحذيرات المتكررة لا توقف تزايد القروض وأعباءها، وفق المبادرة، التي أكدت أن «نقطة الضعف الأكبر في الوضع الحالي، تتمثل في أن الديون الخارجية المستحقة السداد خلال سنة ارتفعت لتصل في مارس/ آذار الماضي إلى 42.1 مليار دولار، حسب بيانات البنك المركزي، بما يتخطى قيمة احتياطي مصر من النقد الأجنبي البالغ 37 مليار دولار في الشهر نفسه، مع الأخذ في الاعتبار أن الاحتياطي من العملات الأجنبية يفترض أن يغطي التزامات مصر المختلفة، وعلى رأسها الواردات، فضلا عن الديون وغيرها من الالتزامات. في الوقت نفسه فإن حجم الاحتياطي نفسه آخذٌ في التراجع خلال الشهور الماضية، وبلغ 33.1 مليار دولار في نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي».

من المثير للانتباه أنه «قبل بدء سياسة التوسع في الاقتراض الخارجي التي لجأت إليها الدولة خلال العقد الأخير كان احتياطي النقد الأجنبي يغطي مجمل الدين الخارجي، حيث بلغ في يونيو/ حزيران 2010 نحو 35 مليار دولار وكان إجمالي الدين الخارجي 34 مليار دولار.

تخفيض الجنيه يزيد الضغط

وتناولت المبادرة في بيانها، الضغط الذي تمثله تلك الديون مع التراجع المستمر في قيمة العملة المحلية، حيث فقد الجنيه منذ مارس/ آذار الماضي وحتى الآن نحو 25٪ من قيمته، ومن المتوقع أن يتراجع أكثر في الشهور المقبلة كما تشير معظم التوقعات.
وأكدت أن هشاشة الوضع المتأزم تعود إلى أن أحد مصادر العملة الصعبة التي تعتمد عليها الدولة خلال السنوات الماضية قائم على نوع آخر من الاستدانة، وهو عبر شراء الأجانب للأوراق المالية الحكومية. هذا النوع من الديون قصيرة الأجل التي تجذبها أسعار الفائدة المرتفعة، بطبيعتها سريعة الحركة شديدة التأثر بالأوضاع العالمية.

ولفتت إلى أنه مع الغزو الروسي لأوكرانيا، ومع رفع أسعار الفائدة الأمريكية، خرج حوالى 20 مليار دولار من الاستثمارات في أدوات الدين الحكومي من مصر، ومثَّل هذا الخروج المفاجئ ضغطاً كبيراً على الموارد الدولارية المحدودة، ومن ثم ضغط بشكل أكبر على قيمة الجنيه.

ووفق البيان، يزيد التراجع المستمر لقيمة الجنيه من حجم العبء الذي يمثله الدين الخارجي على الاقتصاد، ما يمكن ملاحظته بتتبع القيمة المعادلة له بالجنيه المصري، فقد بلغ حجم الدين الخارجي في شهر مارس/ آذار الماضي 157.8 مليار دولار، وكان يعادل نحو 2500 مليار جنيه قبل تراجع سعر صرف الجنيه في أواخر شهر مارس/ آذار الماضي، ثم ارتفعت قيمته قبل نهاية الشهر إلى ما يعادل نحو 2900 مليار جنيه (بزيادة أكثر من 400 مليار جنيه)، بعد تغيير سياسة المركزي تجاه سعر الصرف، وسماحه بتخفيض تدريجي للجنيه، فقدت على إثره العملة المحلية نحو 14٪ من قيمتها أمام الدولار حتى مارس/ آذار.

ورغم تراجع الدين الخارجي بنحو 2.1 مليار دولار في يونيو/ حزيران مقارنة بمارس/ آذار، فقد ارتفعت القيمة المعادلة له بالعملة المحلية لتبلغ 3067 مليار جنيه حسب سعر الصرف الحالي للجنيه أمام الدولار، وهو ما سيؤثر سلباً على مؤشرات مثل عجز الموازنة ونسبة الدين إلى الناتج المحلي.

إزاحة للتنمية والخدمات العامة

وحذرت المبادرة من أن الدين الخارجي وتزايد الاعتماد عليه كآلية للتمويل يمثل ضغطاً أكبر على موارد الدولة، بما يشكله من عبء على الموازين الخارجية (لما يتطلبه من توفير عملة صعبة لسداد التزاماته)، فإن اعتماد الدولة على الاستدانة بشكل عام كآلية رئيسية للتمويل يؤدي بشكل متزايد، عامًا بعد عام، إلى تقليص فرص الإنفاق على بنود التنمية الرئيسية.

ولفتت إلى أن بند سداد أقساط القروض المحلية والأجنبية احتل نحو ثلث قيمة الاستخدامات، التي تشمل كل ما تنفقه الدولة من ميزانيتها في عام (مصروفات وحيازة أصول وسداد قروض). وبلغت قيمة مخصصات سداد القروض 965 مليار جنيه، وأن فوائد الديون (المحلية والأجنبية)، فتخصص لها الدولة 690 مليار جنيه إضافية، وبذلك يصل إجمالي ما تخصصه الدولة لسداد القروض وفوائدها إلى نحو 54٪ من مجمل نفقاتها في العام الجاري.

إعادة نظر

وأكدت أن هذا الوضع المتأزم الذي يضيق مساحة الإنفاق العام على مجالات مختلفة تعود بالنفع على المواطنين، يدعو إلى إعادة النظر في السياسات المعتمدة على الاستدانة كمصدر رئيسي للتمويل. وأوصت بضرورة تبني مزيد من الشفافية والرقابة والمحاسبة على أوجه إنفاق الديون التي تتزايد سنويًا، بحيث يمكن توجيهها لتلبية الاحتياجات التنموية. فعلى الرغم من كم البيانات الحكومية المتاحة، إلا أنه يلاحظ أنها تتسم أكثر فأكثر بعدم الاتساق وعدم الترابط وعدم الانتظام في النشر، وهي كلها من علامات نقص الشفافية.

كما دعت إلى ضرورة وضع ملف الدين الخارجي تحت إشراف البرلمان (حسب الدستور)، بحيث لا ديون خارجية دون إقرار البرلمان، أيا كانت الجهة المقترضة، على أن تقدم خطة للسداد وخطة لاستخدام الأموال، وإلى وضع خطة خمسية معلنة مسبقاً للمشروعات المراد تمويلها بالاقتراض الخارجي، وخطة موازية لتنمية الموارد الدولارية التي تتيح السداد، يقرها البرلمان في تشريع، وتحاسب الحكومة على درجة التزامها بتلك الخطة.

 

المصدر: القدس العربي

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق