الرئيسيةتحاليلسياسية

التشاد وحيثيات أحداث 20 أكتوبر وتداعياتها المرتقبة على البلد والإقليم في أفق نهاية نوفمبر المقبل

 علي عبداللطيف اللافي-كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

أمس الخميس 20 أكتوبر قتل 20 مواطنا تشاديا و10 رجل أمن اثر مواجهات في العاصمة “نجامينا” بين رجال شرطة العاصمة ومتظاهرين في شوارعها الرئيسية اثر تنظيم احتجاجات شعبية ضد خيار الرئيس المؤقت تمديد المرحلة الانتقالية (والتي تنتهي مدتها اليوم الجمعة 21 أكتوبر ذلك أنها مُحددة سابقا بــــــــــ18 شهرا بداية من 21 افريل 2021)، هذا من حيث تفاصيل ما جرى ولكن الخلفيات والأسباب غير الظاهرة  أعمق بكثير في البلد الافريقي الأشد فقرا والأكثر صراعات منذ استقلاله سنة 1960 (رغم حكم 30 سنة الذي تزعمه والد الرئيس الحالي والمؤقت)، ومعلوم أن الأحداث تمت أيضا في ظل وضع متحرك ومضطرب في “غرب” و”وسط” افريقيا وخاصة في ظل أوضاع انتقالية لأكثر من خمس بلدان وفي ظل امتداد التنظيمات الإرهابية وخاصة في دول الساحل ووسط صراع صامت على النفوذ بين باريس وموسكو وقدرة الثانية على ـتأليب الشعوب الافريقية في المنطقة على الفرنسيين والذين حسبوا أنهم سيستفيدون من تحالفهم مع الروس بعد 2018 فاذا بهم يقعون في مصيدة الكرملين حيث وفي ظرف أربع أشهر انتفضت عليهم الشعوب في كل من “التشاد” و”النجير” و”بوركينا فاسو” وعبر رفع نفس الشعارات واستعمال نفس الآليات مما يؤكد وحدة الهندسة والتخطيط   وكان ما جد لهم في مالي منذ سنتين يتكرر الآن وبنفس عمليات الإخراج تقريبا، والثابت أن ما وقع بالأمس – الخميس 20 أكتوبر 2022- في “نجامينا” لم ولن يكون محليا فقط أولا لأن الأوضاع متشابهة بين حوالي ست دول افريقية ( تشاد- مالي – بوركينافاسو – النيجر – غينيا كوناكري – غينيا بيساو ) وثانيا لأن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على اقتصاديات هذه الدول غير مسبوقة تاريخيا منذ  استقلالها وكل ذلك سينعكس طبعا على كيفية إدارة المراحل الانتقالية في أغلبها بناء على حقيقة حدوث انقلابات وتحولات فيها بين 2020 و2022، ويستعرض مقال/تقرير الحال حيثيات وتفاصيل ما جرى في العاصمة التشادية وتداعياته المرتقبة في أفق نوفمبر القادم لا على التشاد فقط بل على كل دول المنطق الافريقية الثلاث أي غرب ووسط وشمال افريقيا…

 

  • أولا، ما سبق أحداث أمس الخميس (20 أكتوبر 2022)، هي تراكمات عقود عقبت استقلال تشاد على فرنسا بداية ستينات القرن الماضي وهي عقود تخللتها صراعات وتناحر على السلطة بين قبيلتي “زغاوة” و”القرعان” من جهة وعبر تدخل دول مجاورة في خلاافت مع السلطة المركزية في كل المراحل السابقة، ورغم حسم تلك الصراعات والخلافات بداية تسعينات بناء على حكم العقود الثلاث الفارطة من طرف “ادريس ديبي الأب” (1991-2021)، فان ذلك ولَّد أحقادا وخلافات وتولدت عليه فعليا أكثر من 55 فصيلا معارضا أغلبها له أجنحة عسكرية مقاتلة ومتمركزة بين جنوب ليبيا والسودان والشمال التشادي، وهي فصائل مرتكز أغلبها على الوكالة للأطراف الإقليمية أولا وثانيا كلها تتخللها الولاءات لعوامل اثنية وعرقية وايديولوجية وهو ما ينطبق بأكثر كارثية على مكونات وتركيبة السلطة العسكرية الحاكمة في “نجامينا” والتي لم تتغير طبيعتها لا قبل حادثة مقتل ديبي ولا بعدها – أي خلال السنة ونصف الأخيرة بما في ذلك بعد جولتي الحوار في كل من الدوجة ( مارس – أوت 2022) ونجامينا ( اوت- أكتوبر 2022) – حيث قرر “ديبي الابن” والمجلس العسكري ومن بقي من المعارضين حتى اليوم الأخير من الجولة الختامية للحوار، حيث تم إقرار  تمديد الفترة الانتقالية ومن ثم سقطت كل جهود الوساطة بين المجلس العسكري الحاكم ومعارضيه الحقيقيين وبالتالي كانت مواجهات الأمس (20 أكتوبر 2022) تعبيرا عن الانسداد وعودة لغة التصادم بين العسكريين واذرع المعارضة في الشارع….
  • ثانيا، حاول الاتحاد الافريقي وأطراف دولية وإقليمية ومجموعة الدول الخمس وبعض وسطاء على غرار دولة قطر، أن يلتزم المجلس العسكري الحاكم بتعهداته وبدأت فعلا جولات الحوار التمهيدي في العاصمة القطرية الدوحة في 13 مارس الماضي وتعثرت جولاته وبحث الوسيط القطري عبر أكثر من مشروع للوصول لمربعات حل وسط حتى يتم تتويج الوساطة ومن ثم الذهاب لنجامينا بتوافق أوسع، وفعلا ورغم انسحاب بعض فصائل رئيسية وخاصة بعد قول معارضين أنه تم اكتشاف محاولات اختراق أمني للمعارضة، فقد تم التوصل الى مشروع توافقي تم على أساسه بدء الجولة الثانية في ما سُميَ بحوار الأسابيع الثلاث والذي تمطط من منتصف اوت الماضي الى بداية أكتوبر الحالي واثناء ذلك انسحبت فصائل عدة معارضة ووصلت أخرى مما جعل وزير الخارجية يتقدم باستقالته في نهاية سبتمبر الماضي وليتم في الأخير التوصل الى مخرجات مهزوزة للحوار النهائي ومن ثم اعلان تمديد الفترة الانتقالية ومن هناك كنات النتيجة منتظرة وهي الصدام…
  • ثالثا، بخصوص حيثيات ما جرى من أحداث دامية نقل عن الناطق الرسمي باسم الحكومة الحالية في نجامينا (والتي يديرها فعليا المجلس العسكري الحاكم والمتكون من 15  ضابطا)، قوله ” إن “تظاهرة محظورة قد تحولت تمرّداً حيث سقط نحو ثلاثين قتيلاً بينهم نحو عشرة من عناصر قوات الأمن وعدد كبير من الجرحى، وأضاف “عزيز محمد صالح”، “لقد هاجم المتظاهرون مباني عامة، ومقر المحافظة، ومقر حزب رئيس الوزراء ومقر رئيس الجمعية الوطنية”، وطبعا هذه رواية حكومة المجلس العسكري وهي أولا وأخيرا رواية تشخصية مباشرة وحينية لما جرى ولكنها رواية تُغيب الأسباب والخلفيات ومن أوصل البلد الى هذه المطبات، وفي سياق متصل أدانت فرنسا عبر وزارة الخارجية، أعمال العنف وقالت الوزارة في بيان إنّ “عنفاً وقع صباح اليوم في تشاد، خصوصاً مع استخدام الأسلحة الفتّاكة ضد المتظاهرين، وهو ما تُدينه فرنسا”، مؤكدة في الوقت ذاته أن “باريس لا تلعب أي دور في هذه الأحداث”، وفي تلك الأثناء أعلنت “جمعية الصليب الأحمر التشادي” أنها نشرت عشرات الفرق في المناطق المتوترة في العاصمة، وصرح رئيسها “الخلا أحمد السنوسي” لوكالة فرانس برس: “نقدم الإسعافات الأولية وننقل عشرات الجرحى بالسيارات إلى المستشفيات”، والثابت أن ما جرى من اشتباكات وما خلفته من ضحايا (أمنيين ومدنيين) قائم على تمديد المرحلة الانتقالية لمدة عامين بعدما كان من المقرّر أن تنتهي اليوم الجمعة 21 أكتوبر، ومعلوم أنه تم خلال الأسبوعين الماضيين بل ومنذ نهاية سبتمبر الماضي إقرار بقاء “ادريس يدبي الابن” في منصبه بصفته رئيساً للدولة حتى تنظيم انتخابات حرة وديمقراطية يفترض إجراؤها في نهاية الفترة الانتقالية الثانية التي سيتمكّن “ديبي الابن ” من الترشح فيها، وهو قرارات كانت واجهتها  نتائج توصيات ختم الحوار الوطني الشامل والسيادي الذي قاطعه جزء كبير من المعارضة، ليستكمل بذلك استهداف المعارضة السياسية والمسلّحة وإحراج المجتمع الدولي الذي كان قد دعم ديبي قبل 18 شهراً، وفعليا شُوهدت سحبٌ من الدخان الأسود وطلقات الغاز المسيل للدموع في العاصمة صباح أمس الخميس 20 اكتوبر بينما أقيمت حواجز في عدّة أجزاء من المدينة وأُحرق المحتجون والمعارضون الإطارات على الطرق الرئيسية في نجامينا.
  • رابعا، ما تم قبل يوم من الأحداث الدامية أنه تم منع التظاهر أول أمس الأربعاء 19 أكتوبر 2022 وتم المنع طبعا من قبل السلطات، ونقلت وكالات انباء أجنبية على غرار وكالة “فرانس براس” عن مواطنين وشبان أن المظاهرة قد خرجت للتظاهر للتنديد بحوار الواجهة وللمطالبة بتغيير السلطة، وأكد أحد من تم محاورتهم من طرف وكالة الأنباء الفرنسية “لم نشهد أيّ تغيير إيجابي في بلدنا….”، وقد تطورت الأحداث بين يومي الأربعاء والخميس (1-2-20 أكتوبر) لتصبح احتجاجات تدخلت فيها قوات الأمن التشادية ضد المظاهرة والتي بدأت بأعداد ضعيفة ولكن مع تطور الاحداث تكاثرت اعداهم وعمد البعض من الشبان لحرق العجلات ومن ثم تمت عمليات استنفار المعارضين لأنصارهم في وسط المدينة كما تواجد عشرات التجار ومساعديهم أمام محلاتهم حتى لا تُنهب وفق ما نقلته وكالة الانباء الفرنسية ووكالات أخرى اجنبية عن بعضهم…
  • خامسا، في الدائرة السادسة مثلا – أي معقل المعارضة الرئيسي-وحيث يقع منزل رئيس الوزراء صالح كبزانو، كانت الشوارع مهجورة وفقا لتقارير وكالات الانباء ولكن وصلتها الاحتجاجات مما جعل الإطارات وجذوع الأشجار وأكوام الطوب لاحقا متناثرة كميا في الشوارع، فيما أتم أيضا اغلاق المدارس والجامعات في كل دوائر العاصمة الأخرى أيضا، وقد استهدف المتظاهرون مقرّ حزب “الاتحاد الوطني للتنمية والتجديد” الذي ينتمي إليه “كبزابو” والذي “احترق جزئياً”، حسب ما صرّح به نائب رئيس الحزب “سيليستان توبونا” لــــــــ”فرانس برس”، وكان “كبزابو” قد انضمّ إلى الحكومة التي عيّنها المجلس العسكري بقيادة “محمد إدريس ديبي الابن”، بعدما كان معارضاً تاريخياً لوالده الذي حكم البلاد بقبضة حديد لمدة 30 عاماً وقد صرح بعض المعارضين لوكالات الأنباء الأجنبية على غرار ” سوكسيه” بالقول أن “السلطات تطلق علينا النار، انهم يقتلون شعبنا، انهم جُنود الجنرال الوحيد الذي رفض احترام كلمته في نهاية الأشهر الـ18، هكذا ينوي تنصيب سلالته بقتل الناس وذلك بعدما كان قد دعا الناس إلى التظاهر بشكل سلمي…”، والثابت اليوم أن تداعيات ما جرى ستكون كارثية في ظرف شهر ونصف من الآن – أي في افق نهاية نوفمبر المقبل-ما لم يتدخل الوسطاء ومنظمات إقليمية بعينها على غرار الاتحاد الافريقي بل أن تلك التداعيات لن تكون في التشاد لوحدها بل على كل مربعات الإقليم (مناطق “غرب” و”وسط” و”شمال” افريقيا – المتوسط – القرن الافريقي – الشرق الأوسط) لأن عدم احترام المجلس العسكري الحاكم لتعهداته السابقة بشان المدة الانتقالية سيعني أن ذلك قد يتم أيضا في كل من بوركينا فاسو وغينيا كوناكري وتنجر عليها ممارسات شبيهة في مالي وعندئذ ستتداخل  إدارة ملفات ليبيا والسودان وتونس أيضا بناء على انها ملفات مفتوحة على خيارات عدة وبناء على التقاطع والانقطاع بينها كملفات في نفس الإقليم وبناء عل أنها كثير من مربعاتها وجزئياتها مع صراع النفوذ الدولي على موانئ وسواحل وثروات وممرات الغاز في تلك الدول الافريقية، واولى التداعيات في الداخل التشادي هو في حصول راكم كمسي وكيفي للصراعات الاثنية والعرقية ومما قد يفسح المجال لمزيد امتداد التنظيمات الإرهابية وخاصة وان هذه الأخيرة قادرة على توظيف الاحداث والتقاطع معها من حيث الأهداف وترتيب اجنداتها المستقبلية خاصة وانها كتنظيمات ما هي في كثير من مركباتها سوى اطراف وظيفية لأجهزة مخابراتية وشركات ومحافل ومافيات عالمية، كما أن لغة التفهم والحوار ستتقلص امام سياسة الاختراق والمواجهة بين فصائل المعارض المسلحة وأجهزة الحكم العسكري بل ان تلك الفصائل ستعيد التمركز في مناطق سودانية وليبية متوترة بطبيعتها وهو ما يعني الترابط في التطورات بين البلدان الثلاث مضاف اليهم دولة النيجر خاصة وان بعض مكونات على غرار “التبو” موجودة وممتدة في أراضي الدول الأربع تقريبا وان بنسب مختلفة، والحقيقة ان التداعيات سواء محليا او إقليميا لا يمكن لا حصرها كميا ولا توقع بعض مفاصلها ولا توقع السرعة الزمنية لاشتعال حرائق كثيرة بناء عليها…
  • سادسا، الخلاصة أن ما حدث أمس الخميس 20 أكتوبر 2022 في التشاد ليس مجرد أحداث أو هي احداث استثنائية فقط بحكم أنها كانت “دامية” وتحديدا في بلد افريقي فقير مثلما تم في عقود سنوات سابقة سواء في التشاد أو في غيره من بلدان القارة السمراء ولكنها ليست عادية بكل المقاييس ولأسباب مختلفة ذلك أن موقع تشاد استراتيجي بل ومفصلي، فهو بلد قريب من شمال القارة، وهو أيضا بلد مفصلي في غربها وهو على تماس حدودي مع كثير من بلدان وسطها، كما أن تراكم العقود والسنوات الماضية على غرار تحكم أفراد قبيلة لا تتجاوز نسبة افرادها 5 من كل البلد، وكل ماسبق يؤشر على وجود مخاطر حقيقة وغير ظاهرة لكثير من المتابعين لا في أفق نوفمبر المقبل بل وفي أفق نهاية جوان/يونيو 2023 خاصة دون اغفال صمت الروس في هذا البلد رغم وجود سفارة قديمة فيها وذات حجم كبير منذ سنة 1987 دون ان نغيب انهم على تماس معه من خلال وجود قوات “فاغنر” القوي في افريقيا الوسطى ولا شك أن التمطيط في الفترة الانتقالية ونية ترشح الرئيس المؤقت “ديبي الابن” للرئاسية القادمة سيعني أن متاعب المراحل الانتقالية ستصبح مهيمنة على الاذهان والعقول لا في “نجامينا” والمدن التشادية فقط بل في كل بلدان القارة وفي كل دون المنطقة العربية من المحيط الأطلسي غربا الى الخليج شرقا ولكن الاحداث أيضا قد تعني ضغطا على الأطراف الإقليمية والدولية للدفع نحو ترتيبات خاصة بدعم الديمقراطية والاستقرار لا في التشاد وحدها بل في كل المنطقة وحتى لم تؤتي تلك الضغوط والدفع والتدافع اكلها في افق نهاية نوفمبر المقبل فان كواليس واضعي السياسات تؤكد أن دعم الاستقرار وتجارب الانتقال الديمقراطي ستكون مقدمة على غيرها بداية من جويلية/يوليو 2023 …             

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق