التشادتحاليلسياسيةشؤون إفريقية

تشاد: أي استراتيجيا للمجلس العسكري في التعاطي مع الأوضاع القاتمة؟

بعد أحداث 20 أكتوبر الدامية وفي ظل ما يجري في كل مربعات الإقليم

علي اللافي -كاتب و محلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

 

ما جرى الخميس 20 أكتوبر الجاري من أحداث داميةهو أعمق بكثير من الوقائع التي وصفتها ونقلتها وكالات الأنباء والفضائيات،خاصة وأن التشاد هو فعليا البلد الافريقي الأشد فقرا والأكثر صراعات منذ استقلاله سنة 1960 وأن تلك الأحداث تمت أيضا في ظل وضع متحرك ومضطرب في الإقليم (“غرب” و”وسط” افريقيا)وأيضا في ظل أوضاع انتقالية لأكثر من خمس بلدان في نفس الإقليم وفي ظل امتداد التنظيمات الإرهابية وخاصة في دول الساحل ووسط صراع متنام على النفوذ بين باريس وموسكو،والثابت أن ما وقع لم ولن تكون تداعياته محلية فقط لأن الأوضاع متشابهة بين حوالي ست دول افريقية ( تشاد- مالي – بوركينافاسو – النيجر – غينيا كوناكري – غينيا بيساو) كما أن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على اقتصاديات تلك الدول غير مسبوقة تاريخيا منذ  استقلالهاوكل ذلك سينعكس طبعا على كيفية إدارة المراحل الانتقالية في أغلبها، فما هي حيثيات وتفاصيل ما جرى في العاصمة والمدن التشاديةالكبرى، وما هي تداعياته المرتقبة في أفق نهاية سنة 2022 لا على التشاد فقط بل على كل دول “غرب” و”وسط” و”شمال” افريقيا، وما هي استراتيجيا المجلس العسكري الحاكم في التعاطي مع قتامة الأوضاع وخاصة في ظل حرص المعارضة الراديكالية وأجنحتها العسكرية على رفض التمديد في المرحلة الانتقالية؟

** حول المقدمات الموضوعية لأحداث 20 أكتوبر الدامية

ما سبق أحداث الخميس (20 أكتوبر 2022)، هي تراكمات عقود عقبت استقلال تشاد على فرنسا بداية ستينات القرن الماضي – وهي عقود تخللتها صراعات وتناحر على السلطة بين قبيلتي “زغاوة” و”القرعان” من جهة وعبر تدخل دول مجاورة في خلافات مع السلطة المركزية في كل المراحل السابقة-ورغم حسم تلك الصراعات والخلافات بداية تسعينات بناء على حكم العقود الثلاث الفارطة من طرف “ادريس ديبي الأب” (1991-2021)، فان ذلك ولَّد أحقادا وخلافات وتولدت عليه فعليا أكثر من 55 فصيلا معارضا أغلبها له أجنحة عسكرية مقاتلة ومتمركزة بين جنوب ليبيا والسودان والشمال التشادي، وهي فصائل مرتكز أغلبها على الوكالة للأطراف الإقليمية أولا وثانيا كلها تتخللها الولاءات  لعوامل اثنية وعرقية وايديولوجية وهو ما ينطبق بأكثر كارثية على مكونات وتركيبة السلطة العسكرية الحاكمة في “نجامينا” والتي لم تتغير طبيعتها لا قبل حادثة مقتل “ديبي الأب” ولا بعدها– أي خلال السنة ونصف الأخيرة بما في ذلك بعد جولتي الحوار في كل من الدوحة ( مارس – أوت 2022) ونجامينا (أوت- أكتوبر 2022) – حيث قرر “ديبي الابن” والمجلس العسكري ومن بقي معهم من المعارضين حتى اليوم الأخير من الجولة الختامية للحوار،حيث تم إقرار  تمديد الفترة الانتقالية ومن ثم سقطت كل جهود الوساطة بين المجلس العسكري الحاكم ومعارضيه الحقيقيين وبالتالي كانت مواجهات 20 أكتوبر 2022تعبيرا عن الانسداد وعودة لغة التصادم بين العسكريين وأذرع المعارضة في الشارع، ولقد حاول “الاتحاد الافريقي” وأطراف دولية وإقليمية ومجموعة الدول الخمس وبعض وسطاء على غرار دولة قطر، أن يلتزم المجلس العسكري الحاكم بتعهداته وبدأت فعلا جولات الحوار التمهيدي في العاصمة القطرية الدوحة في 13 مارس الماضي وتعثرت جولاته وبحث الوسيط القطري عبر أكثر من مشروع للوصول لمربعات حل وسط حتى يتم تتويج الوساطة ومن ثم الذهاب لنجامينا بتوافق أوسع، وفعلا ورغم انسحاب بعض فصائل رئيسية وخاصة بعد قول معارضين أنه تم اكتشاف محاولات اختراق أمني لهم، فقد تم التوصل الى مشروع توافقي تم على أساسه بدء الجولة الثانية في ما سُميَ بحوار الأسابيع الثلاث والذي تمطط من منتصف أوت الماضي الى بداية أكتوبر الحالي واثناء ذلك انسحبت فصائل عدة معارضة ووصلت أخرى مما جعل وزير الخارجية يتقدم باستقالته في نهاية سبتمبر الماضي وليتم في الأخير التوصل الى مخرجات مهزوزة للحوار النهائي ومن ثم اعلان تمديد الفترة الانتقالية ومن هناك كانت النتيجة منتظرة وهي الصدام…

** الخيط الناظم للأحداث وماهيتها

1- أولا، الثابت أن الاحتجاجات على تمديد المرحلة الانتقالية قد بدأ الترتيب لها منذ عصر الأربعاء الماضي (19 أكتوبر 2022) وأن السلطات كانت تَعرفُ وتَعي قُدرة بعض معارضين على التحشيد ولكنها لا تعرف تكتيكاتهم في الداخل التشادي أن فصائل المعارضة اكتسبت تجربة في التحشيد والمواجهة من خطي الحدود الليبية والسودانية ليس لها تجارب قريبة زمنيا في تحريك الشارع التشادي باستثناء مسيرات ضد الوجود الفرنسي في شهر جويلية/يوليو الماضي، وقام الاختلاف في الروايات حول عدد الضحايا وحول من المتسبب في ذلك وفي شرعية التظاهر من عدمه وحول حجم المظاهرات وتوسعها في دوائر العاصمة…

2- ثانيا،في الدائرة السادسةمثلا – أي معقل المعارضة الرئيسي-وحيث يقع منزل رئيس الوزراء “صالح كبزانو”، قالت تقارير وكالات الانباء أن الشوارعبدت خالية صبيحة يوم التظاهر ( أي الخميس 20 أكتوبر) ولكن وصلتها الاحتجاجات ظهرا مما جعل الإطارات وجذوع الأشجار وأكوام الطوب لاحقا متناثرة بكميات معتبرة، فيما تم لاحقااغلاق المدارس والجامعات في كل دوائر العاصمة الأخرى أيضا، وقد استهدف المتظاهرون مقرّ حزب “الاتحاد الوطني للتنمية والتجديد” الذي ينتمي إليه “كبزابو” والذي “احترق جزئياً”، حسب ما صرّح به نائب رئيس الحزب “سيليستانتوبونا”لــــــــ”فرانس برس”، وكان “كبزابو” قد انضمّ إلى الحكومة التي عيّنها المجلس العسكري بقيادة “محمد إدريس ديبي الابن”، بعدما كان معارضاً تاريخياً لوالده،وقد صرح بعض المعارضين لوكالات الأنباء الأجنبية على غرار “سوكسيه” بالقول أن “السلطات تطلق علينا النار، انهم يقتلون شعبنا، انهم جُنود الجنرال الوحيد الذي رفض احترام كلمته في نهاية الأشهر الـ18، هكذا ينوي تنصيب سلالته بقتل الناس وذلك بعدما كان قد دعا الناس إلى التظاهر بشكل سلمي…”

** التداعيات محليا وإقليميا ونقاط استفهام حول استراتيجيا المجلس العسكري في التعاطي مستقبلا مع الأوضاع

1- أولا، المؤكد أن تداعيات ما جرى الأيام الماضية ستكون كارثية في ظرف شهر ونصف من الآن وخاصة في صورة ما لم يتدخل الوسطاء ومنظمات إقليمية بعينها على غرار “الاتحاد الافريقي”، بل أن التداعيات لن تكون في حدود تشاد فقط بل تتعداه الى كل مربعات الإقليم (مناطق “غرب” و”وسط” و”شمال” افريقيا – المتوسط – القرن الافريقي – الشرق الأوسط) لأن عدم احترام المجلس العسكري الحاكم لتعهداته السابقة بشأن المدة الانتقالية سيعني أن ذلك قد يتم أيضا في كل من “بوركينا فاسو” و”غينيا كوناكري” و”النيجر” عليها ممارسات شبيهة في “مالي” وعندئذ ستتداخل إدارة ملفات ليبيا والسودان وتونس أيضا بناء على انها ملفات مفتوحة على خيارات عدة وبناء على التقاطع والانقطاع بينها كملفات في نفس الإقليم وبناء عل أنها كثير من مربعاتها وجزئياتها مع صراع النفوذ الدولي على موانئ وسواحل وثروات وممرات الغاز في تلك الدول الافريقية، وأولى التداعيات في الداخل التشادي هو في حصول تراكم كمي وكيفي للصراعات الاثنية والعرقية ومما قد يفسح المجال لمزيد امتداد التنظيمات الإرهابية وخاصة وأن هذه الأخيرة قادرة على توظيف الأحداث والتقاطع معها من حيث الأهداف وترتيب أجنداتها المستقبلية خاصة وانها كتنظيمات ما هي في كثير من مركباتها سوى أطراف وظيفية لأجهزة مخابراتية وشركات ومحافل ومافيات عالمية، كما أن لغة التفهم والحوار ستتقلص امام سياسة الاختراق والمواجهة بين فصائل المعارضة المسلحة وأجهزة الحكم العسكري بل ان تلك الفصائل ستعيد التمركز في مناطق سودانية وليبية متوترة بطبيعتها وهو ما يعني الترابط في التطورات بين البلدان الثلاث مضاف اليهم دولة النيجر خاصة وان بعض مكونات على غرار “التبو” موجودة وممتدة في أراضي الدول الأربع تقريبا وان بنسب مختلفة، والحقيقة ان التداعيات سواء محليا او إقليميا لا يمكن لا حصرها كميا ولا توقع بعض مفاصلها ولا توقع السرعة الزمنية لاشتعال حرائق كثيرة بناء عليها…

2- ثانيا، هامش الحركة والفعل أمام المجلس العسكري سيكون ضعيفا في أفق نهاية سنة 2022 فهو اما سيرتد لمنهج “ادريس ديبي الأب” طوال حكمه والذي امتد على ثلاث عقود أو هو سيجنح للاحتواء الناعم وركوب موجة الحوار ولكن بآلياته ووسائله في الاختراق وتكتيك ربح الوقت لان التراجع العلني غير ممكن بالنسبة اليه وخاصة في ظل الرئيس المؤقت لإعلان ترشحه للرئاسيات القادمة ولكن لا يمكن الاستهانة بقوة المعارضة حتى وان كانت مشتتة الولاءات والتركيبة والطبيعة ( عسكرية – مدنية) خاصة وان لها خليفة اقليمية من حيث الشراكات والوكالة ومن حيث امتداد التاريخي لتواجد اجنحتها القتالية والتنظيمية…

3- ثالثا، الخلاصة أن ما حدث الخميس الماضي(20 أكتوبر) في البلد ليس مجرد أحداث أو هي احداث استثنائية فقط بحكم أنها كانت “دامية”وتحديدا في بلد افريقي فقير مثلما تم في عقود سنوات سابقة سواء في التشاد أو في غيره من بلدان القارة السمراء ولكنها ليست عادية بكل المقاييس ولأسباب مختلفة ذلك أن موقع تشاد استراتيجي بل ومفصلي، فهو بلد قريب من شمال القارة، وهو أيضا بلد مفصلي في غربها وهو على تماس حدودي مع كثير من بلدان وسطها، كما أن تراكم العقود والسنوات الماضية على غرار تحكم أفراد قبيلة لا تتجاوز نسبة افرادها 1.5 من كل البلد،وكل ماسبق يؤشر على وجود مخاطر حقيقة وغير ظاهرة لكثير من المتابعينلا في أفق نوفمبر المقبل بل وفي أفق نهاية جوان/يونيو 2023 خاصة دون اغفال صمت الروس في هذا البلد رغم وجود سفارة قديمة فيها وذات حجم كبير منذ سنة 1987 دون ان نغيب انهم على تماس معه من خلال وجود قوات “فاغنر” القوي في افريقيا الوسطى ولا شك أن التمطيط في الفترة الانتقالية ونية ترشح الرئيس المؤقت “ديبي الابن” للرئاسية القادمة سيعني أن متاعب المراحل الانتقالية ستصبح مهيمنة على الاذهان والعقول لا في “نجامينا” والمدن التشادية فقط بل في كل بلدان القارة وفي كل دون المنطقة العربية من المحيط الأطلسي غربا الى الخليج شرقا ولكن الاحداث أيضا قد تعني ضغطا على الأطراف الإقليمية والدولية للدفع نحو ترتيبات خاصة بدعم الديمقراطية والاستقرار لا في التشاد وحدها بل في كل المنطقة وحتى لم تؤتي تلك الضغوط والدفع والتدافع اكلها في افق نهاية نوفمبر المقبل فان كواليس واضعي السياسات تؤكد أن دعم الاستقرار وتجارب الانتقال الديمقراطي ستكون مقدمة على غيرها بداية من جويلية/يوليو 2023 …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق