تحاليلسياسيةشؤون إفريقية

الساحل الافريقي بين تراكم المخاطر الأمنية والأزمات الإنسانية المرتقبة

بعد الكوارث المترتبة على فيضانات النيجر وفي ظل تحذيرات المنظمات غير الحكومية

علي اللافيكاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية                                                 

** تمهيد

1- أولا،ما حدث من تطورات في الساحل الافريقي منذ بداية 2022 ليس عاديا بكل المقاييس، فإضافة الى البناء التراكمي للتطورات المُترتبة على صعوبات المراحل الانتقالية في كل من “غينيا كوناكري” و”مالي” و”غينيا بيساو” و”تشاد” وفي ظل جولتي الحوار بين فرقاء الصراع في نجامينا، زادت الأمور تعقيدا في كل من “ليبيا” و”بوركينا فاسو” وخاصة في ظل انقلابين عسكريين في هذا الأخير ومقابل ذلك امتدت التنظيمات الإرهابية والتي وجدت مساحات شاسعة للتقارب بين فصائلها ومكوناتها وتم دعمها لوجستيا بناء على امتداد صراع النفوذ بين مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، كما أن تداعيات الحرب الروسية والأوكرانية تراكمت كميا وكيفيا على بلدان المنطقة وخاصة في ملفي “الطاقة” و”الغذاء”ذلك أن بُلدان مثل “بوركينافاسو” و”النجير” و”تشاد “هي الأكثر بل والأشد فقرا منذ نهاية الستينات وزادها فشل الحكومات والدكتاتورية كارثة على كارثة في التسيير والخدمات الاجتماعية…

2- ثانيا،حَذّرت “لجنة الإنقاذ الدولية” (آي آر سي)، وهي منظمة غير حكومية،الخميس 27 أكتوبر الحالي من الوضع الإنساني “الخطر جداً” في النيجر وعلى نطاق أوسع في منطقة الساحل الأفريقي، خصوصاً بسبب التدهور الأمني الذي تتسبّب فيه الجماعات الجهادية، وقال نائب رئيس المنظمة في أوروبا “هارلمديزير”في تصريحات صحفية لوكالات الانباء “جئت لأدقّ ناقوس الخطر، لتحذير المجتمع الدولي بشأن الوضع في منطقة الساحل وعدد المتضرّرين بسبب مزيج الصراعات وآثار التغير المناخي، وكان الوزير الفرنسي السابق الذي وصل مطلع هذا الأسبوع إلى النيجر، قد زار مواقع النازحين في “أولام”(غربي النيجر بالقرب من الحدود مع مالي) أي إلى حيث فرّ السكان من عنف الجماعات الجهادية. وقال إنّ “الوضع خطر جداً في النيجر وخطر جداً في بوركينا فاسو”، وهي دولة أخرى ضحية لعنف الجهاديين…

3- ثالثا، يجيب تقرير/مقال الحال على سؤالين رئيسيين هما”

  • سؤال أول: ماهي الازمات الإنسانية المرتقبة في دول الساحل الافريقية وخاصة بعد تشرد أكثر من 320 ألف بعد الفيضاناتالأخيرة في النيجر وكيف توفي حوالي 200 مواطنا نيجيريا نتاج غياب لجنة للوقاية من الكوارث الطبيعية؟
  • سؤال ثان: ما هي استراتيجيا المنظمات غير الحكومية في ظل معادلة تعدد الكوارث ووجود أزمات إنسانية مرتقبة في المدى القريب من جهة وتمدد التنظيمات الإرهابية وهو ما يعني مخاطر أمنية مرتقبة من جهة ثانية؟

** كيف تشرد أكثر من 320 ألف شخص بعد فيضانات النيجر؟

1- أولا،تسببت الأمطارالغزيرة التي تهطل على النيجر منذ جوان/يونيوالفيضانات الشديدة الناجمة عنها في مقتل 195 شخصاً وتشريد أكثر من 322 ألف شخص، مما يجعل موسم الأمطار هذا العام من أكثرها فتكاً في تاريخ البلاد التي يسودها عادة مناخ جاف، وبحسب حصيلة شُبه نهائية، ومن حيث التفاصيل توفي 136 شخصا في انهيار منازل و59 غرقاً بحسب أرقام خدمة الدفاع المدني التي نشرت في 22 أكتوبر الحالي وكذلك أُصيب نحو 211 شخصاً وتشرّد 322286 آخرون، وارتفعت الحصيلة على مرّ الأسابيع مع اقتراب موسم الأمطار من نهايته فقد تحدّثت الحصيلة السابقة بتاريخ 4 أكتوبر عن 192 حالة وفاة وتشريد 263671 شخصاً و211 جريحاً، ومعلوم أن المناطق الأكثر تضرّراً هي “مارادي” (وسط جنوب النيجر) مع 74 قتيلاً و”زيندر” (وسط شرق النيجر) 64 قتيلاً “ودوسو” (جنوب غرب النيجر) 27 قتيلاً و”تاهوا” (غرب النيجر) 18 قتيلاً، بينما كانت “نيامي” العاصمة النيجيرية التي يبلغ عدد سكانها مليوني نسمة في منأى نسبياً مع مصرع شخصين وتشريد أكثر من 1300 شخص، وكذلك دمّرت الأمطار كلياً أو ألحقت أضراراً بأكثر من 30 ألف منزل و83 قاعة دراسة وستة مراكز رعاية طبية و235 مخزناً للحبوب. كما نفق ما يقارب 700 رأس من الماشية، وفيما توقف هطول الأمطار على البلاد غمرت مياه نهر “كومادوغويوبي” أحياء “ديفا”(وهي المدينة الكبرى في جنوب شرق النيجر” -مسرح العنف الجهادي-مطلع الأسبوع، وهذا النهر بمثابة حدود طبيعية مع نيجيريا من حيث ينبع، وهو يمتد على طول 150 كيلومتراً تفصل بين البلدين، قبل أن يصب في بحيرة “تشاد”، وهي منطقة شاسعة مليئة بالجزر والمستنقعات كان يستخدمها تنظيم الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا ملجأ.

2- ثانيا،تسبب موسم الأمطار، الذي بدأ في جوان/يونيو الماضي ويمكن أن يمتد حتى منتصف نوفمبر المقبل في ضحايا بشكل منتظم في النيجر، بما في ذلك في المناطق الصحراوية الشمالية، لكن الخسائر البشرية فادحة بشكل خاص هذا العام، وفي نيجيريا المجاورة، لقي أكثر من 600 شخص حتفهم منذ جوان/يونيو الماضي في أسوأ فيضانات منذ عقد، وقال المدير العام للأرصاد الجوية في النيجر “كاتييلوغابتيالاوان”، لوكالة الانباء الفرنسية “بحسب جميع دراساتنا يمكننا ربط هذه الأمطار بالتغير المناخي”، موضحاً أن “الأمطار تهطل بغزارة” مع عدم قدرة الأرض على “امتصاص” المياه الجارية والتي “تدهور وضعها بفعل الإنسان…”، وأوضح “ديزير” أنّ النيجر تستقبل أكثر من 660 ألف نازح أو لاجئ، بسبب النزاعات التي تشهدها المنطقة وهجمات الجماعات المسلّحة بالإضافة إلى تداعيات التغيّر المناخي. وأشار إلى أنّ انعدام الأمن الغذائي “يطاول هناك 4.4 ملايين شخص”، مضيفاً أنّ “حالات سوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون سنّ الخامسة صارت مأسوية…”، ولفت “ديزير” إلى أنّ 43 في المائة فقط من احتياجات التمويل الإنساني متوفّرة لهذا البلد الفقير، فيما يشكّل عجزاً “يزيد على 317 مليون دولار أميركي”. وشرح أنّ الهجمات التي تشنّها الجماعات المسلّحة “تجعل وصول المساعدات الإنسانية أمراً صعباً…”، وتواجه النيجر أعمال عنف جهادية في أجزاء عدّة منها؛ في الغرب بالقرب من بوركينا فاسو ومالي، وفي الجنوب الشرقي بالقرب من نيجيريا وبحيرة تشاد خصوصاً، وشرح “ديزير” أنّ عدداً كبيراً من النازحين الموجودين في بوركينا فاسو والبالغ عددهم مليونَي شخص “موجودون في مدن محاصرة” أو “تحت حصار” الجهاديين، و”لم يعد في إمكانهم الحصول على الغذاء والمياه والدواء”. وشدّد على “وجوب ألا يتحوّل الساحل إلى أزمة منسية”، داعياً المجتمع الدولي إلى “الردّ” خصوصاً من خلال “التمويل” المناسب، وتعاني النيجر حيث قتلت الفيضانات نحو 200 شخص منذ يونيو/ حزيران الماضي، من أزمة غذاء خطرة عزّزها العنف الجهادي الذي منع المزارعين من العمل في حقولهم. وبحسب بيانات الأمم المتحدة، من الممكن أن تصل نسبة سوء التغذية الحاد بين الأطفال إلى 12.5 في المائة هذا العام، متجاوِزة عتبة الطوارئ البالغة 10 في المائة التي حدّدتها منظمة الصحة العالمية.

** الساحل الافريقي بين الوضع الكارثي والمخاطر الأمنية المحدقة والأوضاع الإنسانية الكارثية المرتقبة

1- أولا، منذ أشهر حذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأنّ عدد الأشخاص الذين فرّوا من منازلهم في منطقة الساحل الافريقي بات يقارب خمسة ملايين شخص، وهو في تزايد نتيجة هجمات الجهاديين وكذلك النزاعات الجارية وتفاقم الوضع بسبب سوء التنمية والاحترار المناخي، وقال المفوّض السامي لشؤون اللاجئين”فيليبوغراندي” في خلال زيارته تشاد منذ أسابيع إنّ البلد الأكثر تأثّراً في منطقة الساحل بهذه الأزمة الإنسانية في الوقت الحاضر هو بوركينافاسو، علماً أنّه تنقّل بين عدد من مخيّمات اللاجئين في هذا البلد الذي يستقبل أكثر من مليون منهم، وذكرت المفوضية الأممية، في بيان يومها (أي اثناء زيارة المسؤول الأممي) أنّ منطقة الساحل التي تضمّ “بوركينافاسو” و”مالي” و”موريتانيا” و”النيجر” و”تشاد”،تواجه أزمة إنسانية خطيرة أرغمت أربعة ملايين و820 ألفاً و871 شخصاً على الفرار من منازلهم” حتى نهاية يونيو/ حزيران 2022، من بينهم نحو ثلاثة ملايين نازح في داخل بلدانهم.

2- ثانيا، نفس المبعوث الأممي قال يومها من مخيم “كالامباري”(حيث يقيم نحو ثمانية آلاف لاجئ كاميروني على مسافة نحو 30 كيلومتراً إلى جنوب العاصمة التشادية نجامينا)، إنّ “البلد الأكثر تضرّراً هو بوركينا فاسو الذي يعدّ نحو مليونَي نازح داخلياً” كما اكد في نفس تلك لتصريحات أن “كنّا نسجّل قبل عامَين 500 ألف (نازح) في مالي وبوركينا فاسو، وهو ما كان يبدو لي هائلاً…” بل انه أضاف يومها في مؤمر صحفي عقده للغرض “هذا مقلق، والبلدان اللذان يثيران أكبر قدر من المخاوف هما بوركينا فاسو ومالي”، موضحاً أنّ “هذا ناجم عن أنشطة المجموعات المسلحة التي ترهب السكان وتفرّغ القرى وتدفع الناس إلى المدن الكبرى… لكنّ ذلك ناتج أيضاً من ردّ فعل الحكومات بالغ الشدّة…” وأوضح غراندييومها أيضا أنّه بمواجهة الجهاديين يأتي “تحرّك الحكومات الرئيسي أمنياً في حين ينبغي مواكبة ذلك”، لا سيّما عبر تطوير “التعليم… ومكافحة الفقر ونقاط التباين في الساحل”. وشدّد على أنّ “كلّ ذلك سوف يضعف التطرّف. العمل العسكري وحده لا يكفي”. وتابع غراندي الذي يزور اليوم الجمعة مخيّمات أخرى للاجئين في تشاد: “أضيف إلى ذلك الوضع المناخي الداهم الذي يحرم المجتمعات المحلية من موارد ويؤجّج النزاعات… نحن في حاجة إلى مزيد من المساعدات الإنسانية لكلّ دول الساحل”.

3- ثالثا، الخلاصةأن تصريحات المسؤولين الأمميين وطبيعة التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في كل دول الساحل الافريقي وتفاصيل الأرقام والمعطيات للكوارث الطبيعية والأزمات الاجتماعية الخاصة بالسكان تعني أننا إزاء وضع ينبأ بانفجارات غير مرتقبة وفي كل المستويات وخاصة على المستويين الأمني والإنساني وخاصة بعد ما حدث في النيجر خلال الأسبوعين الماضيين (خسائر في الأرواح وتشرد لمئات الآلاف وأخرى مادية في بلدا يعاني أصلا من قلة الامكانيات وضعف اللوجستيك) كما أن انقلابي بوركينافاسو (انقلاب جانفي/يناير – انقلاب سبتمبر/ايلول) وسيطرة أنصار الجماعات الجهادية على حوالي 40 بالمائة من مساحة البلد يعني أن المخاطر المحدقة خطيرة كما وكيفاوأن تداعياتها على سكانه غير مسبوقة بل هي تداعيات امتدت وستمتد لكل سكان الساحل الافريقي ودوله كما أن الازمات الانسانية قد تكون أكثر وأشد خلال الأشهر والسنوات القادمة وخاصة في صورة ما لم تنتبه الأمم المتحدة وبعض أطراف إقليمية ودولية أن تلك المخاطر والأزمات ستمسها ولو بعد فترة وتهدد مصالحها ولأنتداعياتها ستمتد ولا شك للضفة الجنوبية للمتوسط وتطال أوروبا ومصالح الأمريكيين والصينيين وكل شركائهم في الإقليم بكل مربعاته (المتوسط – الشرق الأوسط – المنطقة العربية – كل مناطق القارة السمراء) …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق