إقتصادإقتصاديةالرئيسيةتقاريرشؤون إفريقيةشمال إفريقيامصر

مؤتمر مصر الاقتصادي: أزمات كبرى بلا حلول

عكس المؤتمر الاقتصادي الذي شهدته العاصمة الإدارية الجديدة، خلال 3 أيام، حجم الأزمة العميقة التي تمر بها الدولة المصرية منذ سنوات. استهدف المؤتمر في مشروعه الذي روج له رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، إجراء حوار مجتمعي موسع مع خبراء مصريين وعالميين، وممثلي الأحزاب والسياسيين من الداعمين للنظام والمخالفين لرأيه، من أجل العمل معا للخروج من الأزمة الحادة التي تواجهها الدولة، ووضع “خريطة الطريق الاقتصادية للدولة خلال الفترات المقبلة”، واقتراح سياسات وتدابير واضحة تسهم في زيادة تنافسية ومرونة الاقتصاد المصري.

التزمت إدارة المؤتمر الذي اختتم أول من أمس، بجدول الأعمال الموزع على الحضور، والذي بدأ بجلسة أولى مطولة لرئيس الوزراء، وأعقبتها عشرات الجلسات النمطية، حضرها 7 وزراء و95 مسؤولا حكوميا و90 من ممثلي الأحزاب والقوى السياسية، و300 خبير أجنبي و50 خبيرا وأساتذة جامعات و25 خبيرا بنكيا، و60 عضوا مشاركا في الحوار الوطني. رغم سيطرة القطاع الحكومي والرسمي على مناقشات الحوار التي استغرقت أكثر من 30 ساعة، في القاعة الرئيسية فقط، لم يتخلى النظام عن طريقته في التعامل مع تلك الأحداث الكبرى، حينما هيمن رأس السلطة على الحوار.

دعم نظام تآكلت شعبيته

تحول المؤتمر الاقتصادي من ساحة حوار إلى فرصة لإعادة الدعم لنظام تآكلت شعبيته، في ظل تردي الأوضاع المعيشية والغلاء فاحش، عكستها تصريحات وكيل مجلس الشيوخ المصري، النائبة فيبي فوزي، بأن المؤتمر “جاء مجسما بامتياز لفكر القائد والمسؤول الذي وثق فيه الشعب ومنحه تأييده غير المسبوق، إيمانا بأن يمتلك رؤية واضحة المعالم لمستقبل بلد أراد أن ينهض”.
لم تكن فوزي في الجانب الداعم بمفردها، فمئات التصريحات التي نشرتها الصحف والإعلام الرسمي، والتي ملأت الفضاء الإذاعي والتلفزيوني ضجيجا طيلة أيام المؤتمر، لم تكن إلا في جانب الدعم السياسي غير المشروط، بينما الكلام في الإصلاح الاقتصادي أتى على استحياء بصورة ترجّ ونداء.

أفصح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي هيمن على فضاء الحوار، في اليومين الأول والأخير، عن تمسكه بالسياسات التي اتخذها خلال السنوات الماضية، مؤكدا أنه فعلها لمجابهة التحديات ومحاصرة الضغوط التي تستلزم حلولا حاسمة من الدولة، وتفهما من الرأي العام.
حرص الرئيس على دعم صورته بأنه “البطل المخلص” الذي هبط بقدرة إلهية، مستدعيا مشهد “المسيح” الذي يذوق العذاب عن البشر لكي يطهرهم، بينما يريد السيسي أن يخلصهم من الفقر والعوز، ويصنع لهم دولة في رأيه، تارة شبه دولة وأخرى قائمة بلا عمد، يعيش بها الناس مثل “حديقة الحيوان” التي جار عليها الزمن، ولا يخشون أن تمتد إليها يد الإصلاح، لخوفهم من المجهول.

الإصلاح الاقتصادي

عندما شعر السيسي بقسوة تشبيهاته، عرج على مخاطبة وجدان المصريين البسطاء قائلا: “لم يكن الإصلاح الاقتصادي مغامرة بشعبيتي بل استثمار للرصيد الموجود لدى الناس”.
أكد السيسي إنفاق 7 تريليونات جنيه بما يعادل 320 مليار دولار على البنية الأساسية، لبناء مدن حديثة تستوعب الزيادة السكانية، أضافت رصيدا للدولة قيمته 10 تريليونات جنيه، يقول وزير الإسكان عاصم الدسوقي إنها ستأتي للدولة تباعا، على فترة زمنية طويلة. يتهم السيسي الجهاز الإداري للدولة بأنه لم يكن مستعدا بالكفاءة اللازمة لتنفيذ خطط الإصلاح المطلوبة، بما استدعى معالجته، بلجوئه إلى الجيش بالتنفيذ والإشراف على التنفيذ الفوري، وكثيرا ما يطلب التمويل من الجيش.

يركز السيسي على أن هناك جيشاً يبني دولة واقتصادا يديره الجيش بكفاءة، وهي النقطة الخلافية بينه وبين رجال الأعمال، الذين يتعرضون حاليا لضغوط بمجرد تلميحهم بتصاعد نبرته وأفعاله التي تسلب قدرا عظيما من المؤسسة العسكرية، وسببت ضغوطا دولية على مصر بدرجة جعلت صندوق النقد الدولي يضع في أول شروطه لمنح الحكومة القرض المعطل منذ 6 أشهر أن تبدأ في التخلص من الشركات التجارية التي يقيمها الجيش ويزاحم بنشاطه القطاع الخاص.

شروط صندوق النقد

تستفز شروط صندوق النقد مشاعر الوطنية لدى جميع المصريين، بينما السيسي يدعم مخاوف رجال الأعمال ومؤسسات التمويل الدولية، بحرصة الشديد على وضع الأعمال التجارية للجيش على فوة المدافع، مؤكدا أن “قدرات الدولة لم تكن كافية لتلقي ضربات هائلة مثل الصراعات والحروب ومواجهة الإرهاب”.

رغم تأكيد على ضرورة إعادة تنظيم وهيكلة الدولة ووعده بأن يتم ذلك في هدوء شديد لكل المؤسسات، فإن عنوان المؤتمر الاقتصادي الضخم، لم يثمر عن الشكل النهائي لوثيقة لسياسات الملكية للمشروعات العامة، وخرج بتوصيات جماعية شاملة، لم تحدد أي مسار اقتصادي للدولة.

طلب السيسي من المستثمرين أن يتقدموا بشراء أية شركات يملكها الجيش أو القطاع الحكومي، مستهدفا ما أوصى به صندوق النقد، بجعل القطاع الخاص يكون قاطرة التنمية، بما يوفر 65% من احتياجات الدولة من الاستثمارات، وهي سياسة تلقى معارضة شعبية، وعليها خلافات كما يذكر الكاتب محمد سيف الدولة لـ”العربي الجديد”، حول “ماذا نبيع وبأي ثمن ولمن وكيف نمنحها للمصريين قبل الأجانب؟”.

وحسب مراقبين، تعلم الحكومة أن الضربات المتتالية التي تلقاها القطاع الخاص، عبر سنوات طويلة، جعلت دوره متراجعا في الناتج القومي وتوفير فرص العمالة، وأن الدعوات الحالية، بفتح المجال أمامه لشراء شركات سيادية، وبها كثير من المشاكل المتعلقة بنقل الأصول، أدت من قبل إلى تعثر بيع القطاع العام، في برنامج الخصخصة أمر يحتاج إلى تعديلات تشريعية تضمن مستحقات المصريين قبل الأجانب وتحميها من الملاحقة بعد الشراء ووقف المصادرة لأملاك رجال الأعمال، ووضعهم تحت التحفظ، بزعم اتهامات تتعلق بدعم الإخوان أو الإرهاب.

ملاحقة رجال الأعمال

تظل قضية مصانع” جهينة” وشركات استيراد الأعلاف والكيماويات، نقطة حمراء أمام الصحافة الدولية، عندما يرصدون ظاهرة الملاحقة الأمنية لرجال الأعمال المصريين.

يريد المستثمرون أن يشعروا بالأمان السياسي وحريتهم بالمشاركة في صناعة القرار، بينما الأبواب مؤصدة أمام أصحاب الرأي المخالف، بالغرف التجارية والصناعية وجمعيات المستثمرين والنقابات والبرلمان، إذ لا يدخلها شخص إلا برضى تام من رجال النظام وعبر الأجهزة الأمنية.

حاول الرئيس المصري أن يظهر في مداخلاته المطولة، أن هناك فلسفة للحكم، تستدعي من القائم على الدولة أن يحافظ عليها وأن يتبعها قبل أي اتخاذ قرار اقتصادي، حتى لا يصطدم بمحاذير الحفاظ على الاستقرار الهش للدولة، مستشهدا بما قام به من رفع جزئي للدعم الوقود، ومؤكدا أنه استثمر جزءاً من شعبيته عندما اتخذ ذلك الذي اعتبره أنقد البلاد وساعد على استقرارها.

ويأتي ذلك، رغم ترحيبه بمقترحات تقدم بها الحضور، تطرق إلى “غياب الوعي والفهم لتشخيص ما نحن فيه لدى النخبة المسؤولة، وكذا متطلبات عبور الفجوة التي تعاني منها البلاد”.

الخروج بـ200 توصية

دمجت الحكومة خلاصة المؤتمر من نتاج المناقشات والحوار الوطني الذي يجري على مسار آخر، مؤكدة على لسان ضياء رشوان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، سعيها لإتاحة مساحة مشتركة وجسور افتقدناها، بينت للجميع أن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. أكد رشوان، خروج المؤتمر بنحو 200 توصية، تتعلق بالسياسة النقدية وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، والصناعة والتعاونيات الزراعية والإنتاجية. استهدفت التوصيات سرعة الوصول إلى اتفاق مع صندوق ا لنقد، باعتباره بوابة الحل السريع للأزمة المالية التي تمر بها الحكومة، ووضع سعر صرف مرن يرضيه وفقا للعرض والطلب، بما يبشر بمزيد من التراجع في ظل الضغط المتزايد على الجنيه أمام العملات الصعبة وندرة الدولار بالأسواق.

تضمنت التوصيات العمل على تفعيل سوق المشتقات للعملة والعقود الآجلة، كأداة تحوط ضد مخاطر تذبذب العملات لأهم الشركاء التجاريين والذهب، وتوسيع تعزيز مشاركة القطاع الخاص في الملكية العامة والتخارج الحكومي بالطرح في البورصة وزيادة رأس مال الشركات ودخول مستثمرين استراتيجيين. سيتولى صندوق مصر السيادي كما هو مخطط نقل عدد من الشركات العامة للقطاع الخاص، والملاحظ أن الحكومة خلال المؤتمر لم تذكر الشركات العربية ولا الدولية التي تلقت منها عروضها للشراء.

وظلت النقاط الخاصة بالصناعة هامشية، تتعلق بدعم التعاونيات، وتسهيل إجراءات الشركات، فلا خطة نوقشت عن دعم الابتكار والتخصص الصناعي الذي يمكن أن يوجه البلاد إلى صناعات خاصة بالتصدير وأخرى كثيفة العمالة تستقبل ملايين الخريجين والعاطلين حاليا من العمل.

فتحت التوصيات نافذة جديدة للعشوائيات بموافقتها على تحويل المناطق الصناعية إلى سكنية، وهو الأمر الذي كان تعارضه الحكومة على مدار 30 عاماً، خشية تداخل المناطق الملوثة للبيئة مع السكنية، وتشابك البنية التحتية وخاصة المتعلقة بشبكات الصرف والمياه والكهرباء مع البيوت، بما يعرضها للمخاطر.

كما فتحت التوصيات الباب واسعا أمام القطاع الخاص، المصري والأجنبي، في إدارة مرافق النقل، متجاهلة أن القوانين التي عدلها البرلمان عام 2015، كفيلة بتنفيذ تلك السياسات، في قطاعات المترو والسكك الحديدية والكهرباء والمياه.

استهدفت التوصيات وضع رؤية استراتيجية للصناعة الوطنية، خلال 3 أشهر، فتركت الساحة مفتوحة لمناقشات أخرى، وعدت الحكومة بأن تكون لقاءاتها سنوية.

يقول رئيس لجنة الزراعة بمجلس النواب هشام الحصري إن الرئيس تحدث برؤية ثاقبة عن الأوضاع الاقتصادية، في مصر.

وأضاف زميله، وكيل اللجنة الاقتصادية بالمجلس، محمد عبد الحميد، أن الصناعة المصرية ستشهد انطلاقة كبيرة خلال المرحلة المقبلة في ضوء المناقشات التي دارت داخل المؤتمر، معربا عن ثقته التامة في قدرة الحكومة على تنفيذ التوصيات. وحسب مراقبين، لا يفرق النواب والساسة الحضور بين مؤتمر وطني جامع لحل أزمة يعرفون أنها ضاغطة على كل أسرة، ومشاكل اعترف الرئيس بأن الحكومة غير قادرة على حلها، ومنها توفير الأموال للتعليم والصحة والزراعة وتهدئة الأسعار الأساسية، فالمؤتمرات في نظرهم لا تناقش كيفية إهدار الأموال العامة في مشروعات مكلفة، ومواجهة الفساد، فمازالت المؤتمرات تجري، في إطار الدعم السياسي، بغض النظر عن نهاية المسار للطريق الذي يتجه إليه النظام.

 

المصدر: العربي الجديد

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق