تحاليلرأي

التداعيات المرتقبة والخطيرة للتغييرات المناخية على منطقتي “الشرق الأوسط” و”شمال افريقيا”

قُبيل قمة المناخ في شرم الشيخ وفي ظل تقارير أممية محذرة من الانعكاسات السلبية

علي عبداللطيف اللافي-كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

قبل أقل من أسبوع من مؤتمر الأطراف “كوب 27” المناخي في مدينة شرم الشيخ المصرية، تبدو الصورة قاتمة حول الانعكاسات السلبية الملموسة لاستمرار تغير المناخ وخاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة في دول ضفتي المتوسط وفي كل منطقتي “شمال افريقيا” و”الشرق الأوسط” إضافة الى انتشار الجفاف بشكل غير مسبوق منذ نحو 5 قرون، ومع ندرة الأمطار وموجات الحر الشديدة والجفاف في شمال افريقيا تحديدا والثابت أن كل ذلك قد يؤدي إلى نزوح ملايين الأشخاص في المنطقتين (الشرق والاوسط وشمال افريقيا) خاصة وأنهما أكثر مناطق العالم افتقاراً إلى المياه، مع ما يرافق ذلك من خطر توسع للمدن مضر بالبيئة واحتمال اندلاع نزاعات على الموارد ويستعرض مقال/دراسة الحال التداعيات المرتقبة والخطيرة للتغييرات المناخية على المنطقتين وقبل ذلك سرد ملخص لمضمون التقرير الأممي الصادر في سبتمبر الماضي والذي ينبه الى اهم المخاطر المحدقة بالعالم وبالمنطقتين أساسا…

** تقرير ” 13سبتمبر/ايلول” الأممي المفزع والمحذر من العواقب

  • أولا، التقرير الصادر في “جنيف” منتصف شهر سبتمبر/أيلول الماضي يعتبر أداة سنوية لقياس التغيرات المناخية المرتبطة بما تحقق، أو لم يتحقق في الفترة الفاصلة بين دورتي قمة المناخ وفي التقرير يقول الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريس”، “لقد قمنا بشن حرب على الطبيعة، والآن تضربنا الطبيعة بطريقة مروعة” وأثناء زيارته إلى المناطق المنكوبة في باكستان منذ أسابيع قال إنه “جنون وانتحار جماعي من البشرية…”، لكن الانبعاثات المتزايدة في ظل أزمات الطاقة العالمية ليست الخطر الوحيد على المستقبل، وحسب خبراء التغييرات المناخية الذين سيرفعون تقريرهم إلى قادة الدول والمؤسسات المعنية في قمة “كوب 27” فالبشر لم يأخذوا اتفاقية باريس للمناخ في 2015، على محمل الجد، وتملص كثيرون من مسؤولياتهم عن خفض الغازات الدفيئة المدمرة للغلاف الجوي، والتي سببت الاحترار الذي شهده العالم سنة

 

ثانيا، سنة 1992 اتفقت دول العالم على أن تضمن “استقرار تركيزات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي عند مستوى يمكن أن يمنع التأثير الخطير على النظام المناخي”. لكن الوضع المناخي للكرة الأرضية لا يبشر بخير مقارنة بما اعتمدته الأمم المتحدة في “اتفاقية المناخ” قبل 30 سنة، كانت طموحات العلماء في بداية التسعينات تدور حول تجاوز العقبات والعوائق من أجل ضمان أن تبقى النظم البيئية تتكيف بشكل طبيعي مع تغير المناخ، بما في ذلك إنتاج الغذاء الذي يجب ألا يتعرض للتهديد، والتنمية الاقتصادية التي يتوجب استمرارها على أساس الاستدامة، بيد أن السنوات الأخيرة كشفت عن وضع معاكس، لعل أهم ما خرج به مقررو التقرير الصادر تحت مظلة منظمة “متحدون في العلوم”، وبمشاركة كل من “منظمة الأرصاد الجوية الدولية” و”برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمناخ” و”مشروع الكربون العالمي”، كان تحذيرهم الصريح من أن “التغير المناخي ينتقل بالبشر إلى منطقة مجهولة من الدمار

3-ثالثا، منذ فيفري الماضي قررت بعض الدول -بما فيها الكبرى والثرية- استغلال الغزو الروسي لأوكرانيا في زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري، وإن كان بعضها يحاول إخفاء حجم استخدام الفحم، وتشير مقدمة التقرير الأممي إلى معضلة “زيادة استخدام الوقود الأحفوري رغم حقيقة أن الأعراض الناجمة عنه تتفاقم بسرعة، وفيما يبين كيف تتسبب الانبعاثات في الفيضانات والمجاعات، يكشف التقرير أن تركيز غازات الاحتباس الحراري يستمر في الارتفاع في الغلاف الجوي، وأن الانبعاثات الحالية أعلى من التي سادت قبل جائحة كورونا، وأن تركيز ثاني أكسيد الكربون زاد عما كان عليه خلال ​​العقد الماضي، والأمر نفسه ينطبق على غازات الدفيئة، وخصوصاً الميثان وأكسيد النيتروز،  ويُذكر معدو التقرير الأممي بحقيقة استمرار ارتفاع درجة حرارة الأرض، ويرجحون أن تشهد السنوات الخمس المقبلة زيادة بأكثر من 1.5 درجة، بما ينسف “اتفاق باريس للمناخ”، مؤكدين أنه بين عامي 2018 و2022، ارتفعت درجة حرارة الأرض بمقدار 1.17 درجة في المتوسط، وأن مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي انكمشت بطريقة لافتة لم تسجل طيلة 30 سنة، وفي القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيكا”، وصل الجليد إلى ثاني أصغر حجم على الإطلاق منذ بدء تسجيل التغير فيها.

4- رابعا، يرصد نفس التقرير الاممي زيادة عدد الكوارث المتعلقة بالطقس والمناخ خمسة أضعاف خلال الخمسين عاما الماضية، وأنه “بينما يشعر مليارات البشر بالآثار السلبية لتغير المناخ، فإن الأشخاص الأكثر ضعفاً تتفاقم ظروفهم، فمزيج من درجات الحرارة المرتفعة مع معدلات الرطوبة العالية في منطقة جنوب آسيا، جعل شعوبها تعيش مستويات خطر لم تعشه طيلة عقود ماضية، وحين لا يستطيع البشر العمل في الهواء الطلق، والذي سيكون مستحيلا في الحر، سينعكس ذلك كارثياً على مستوى معيشة الكثير من المجتمعات ولا تزال تعهدات الدول بشأن خفض الانبعاثات غير كافية لضمان أهداف “اتفاقية باريس”، فطموح الوصول إلى الأهداف بات يتطلب أن يكون مقدار التخفيض حتى عام 2030 سبعة أضعاف ما تم تحديده إذا كانت هناك رغبة في ألا يزيد الاحترار العالمي عن 1.5 درجة وفقا للتقرير: “من أجل تحقيق هذه التعهدات، ينبغي مضاعفة الجهود العالمية أربعة أضعاف للوصول إلى الحد من ارتفاع درجات الحرارة إلى درجتين، ومضاعفة الجهود سبع مرات للوصول إلى 1.5 درجة”، ما يعني أنه حتى إذا تحققت وعود جميع البلدان، فسيظل هناك حاجة إلى خفض غازات الاحتباس الحراري بما يعادل 12.5 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون من أجل تحقيق أهداف اتفاقية باريس، ويتوافق ذلك مع ضرورة خفض إجمالي الانبعاثات السنوية الصادرة عن الصين، والولايات المتحدة، والهند، واليابان، وروسيا، والبرازيل مجتمعة.

5- خامسا، يؤكد نفس التقرير الأممي أن أصغر زيادة في درجة حرارة الأرض تزيد من خطر تجاوز نقطة أو أكثر من نقاط التحول في النظام الفيزيائي الحيوي، ما يمكن أن يؤدي إلى أحداث كارثية لا يمكن السيطرة عليها، ومن ذلك ذوبان القمم الجليدية القطبية، وجفاف غابات الأمازون المطيرة، والاضطرابات في الرياح الموسمية السنوية بالمناطق الاستوائية، ونشرت مجلة “نايتشر” الأميركية دراسة لأستاذ علم الجليد “جايسون بوكس” أوضح فيها مستوى الخطر الذي باتت تسببه ظاهرة الاحتباس الحراري على الغطاء الجليدي في جزيرة غرينلاند، حيث تنكمش سنوياً البقعة الجليدية بمقدار 59 ألف كيلومتر، ونشر العالمان “تيموثي لينتون” و”يوهان روكستروم” دراسة في مجلة “ساينس”، أشارا فيها إلى “وجود خطر حقيقي بسبب أوضاع ينتفي فيها التوازن المناخي البيئي بسبب الاحتباس الحراري مع ارتفاع درجة الحرارة 1.1 درجة مئوية. ارتفاع درجة الحرارة ما بين 1.5 إلى 2 درجة سيدمر الغطاء الجليدي في غرينلاند، وبعض المناطق الشمالية للأرض، ومناطق غرب القارة القطبية الجنوبية…”
ويخشى البعض من أن استمرار التركيز على التغيرات المناخية ومخاطرها قد يصبح مع مرور الوقت أمراً يكره الناس الحديث عنه، بيد أن ارتفاع درجات الحرارة، وانتشار الجفاف وغيرها تؤثر على قطاعات كثيرة، منها توليد الطاقة الذي يتأثر بجفاف الأنهار.

** مخاطر جسيمة مرتقبة على منطقتي الشرق والاوسط وشمال افريقيا واهم التداعيات قد تقود الى نزوح الملايين

  • أولا، لا يختلف اثنان وبناء على مضامين التقرير الأممي والتي استعرضناها في الفقرة السابقة بل ان بوادر التغيرات المناخية سجلها ويسجلها كل القريبين من عالم الفلاحين من مهندسين ونقابيين في القطاع الفلاحية وخاصة في مصر والسودان وموريتانيا ولعل ما أشار اليه مؤخرا نقيب الفلاحين المصريين حسين أبو صدام يفسر التداعيات الفعلية والمباشرة حيث قال في تصريح ليومية عربية صادرة في لندن “يهاجر الشباب من المناطق الريفية إلى الخارج أو إلى المدن الكبيرة للعمل”، وأشار النقيب المصري ً إلىأن عوامل مناخية تقف وراء هذه الهجرة، ورغم أن مصر والسودان يعانيان أساساً من عدد سكانهما الكبير مقارنة ببقية الدول الافريقية والعربية ومن كونهما أحد أكثر بلدين  جفافاً في العالم فإن الظواهر الجديدة المرتبطة بالتغير المناخي، مثل “ظهور طفيليات جديدة”، تجعل من الزراعة أقل ربحية من ذي قبل”، على ما يؤكد أبو صدام، ومعلوم أن مفوضية الأمم المتحدة السامية بشؤون اللاجئين، بأن “90% من اللاجئين في العالم يأتون من مناطق معرضة بقوة لتأثيرات التغير المناخي”.

 

ثانيا، نائبة مديرة المنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب كانت واضحة في الإشارة الى المخاطر الحقيقة عبر قولها “إذا لم يستطع السكان توفير غذائهم وزراعة الأرض، فلا سبيل آخر أمامهم إلا النزوح”، مشيرة إلى أن الكوارث الطبيعية المتكررة في عام 2021 “دفعت ثلاثة ملايين شخص تقريباً إلى مغادرة ديارهم في أفريقيا والشرق الأوسط وأضافت المديرة “نتوقع أن يشهد الوضع تدهوراً”، مؤكدةأنه ينبغي “إيجاد مصادر بديلة للتوظيف وللدخل” للجم الهجرة المناخية، ويتوقع خبراء في المناخ احتمال أن تفقد مصر، بحلول عام 2060، نصف إنتاجية القطاع الزراعي، كما ان باحثين وخبراء دوليين  أن “هناك أيضاً انجذاباً لنمط الحياة في المدينة والخدمات المتاحة فيها…” وفعلا فان تلك المخاطر ستتنامى في صورة عدم وجود خطط وقائية وإجراءات استباقية وما لم يُعمَل على الحد من التغيرات المناخية، يرى البنك الدولي أنه سيكون هناك بحلول عام 2050، حوالى 216 مليون مهاجر لأسباب مناخية، إذ ستضطر عائلات بكاملها إلى النزوح داخل بلدانها، وسيشمل النزوح 3 مليوناً في دول شمال أفريقيا الخمس، ومعلوم أن شمال افريقيا أساسا معرضة للأخطار أكثر من غيرها، لأن شواطئها كثيفة السكان ومهددة بفعل ارتفاع مستوى مياه البحر، حيث إن 7% من سكانها يعيشون على ارتفاع أقل من خمسة أمتار من سطح البحر، وفق المؤسسة الأوروبية للمتوسط.

 

ثالثا، في شمال افريقيا تحديدا وبشكل تلقائي يتجه المواطنون إلى المدن الكبرى، مثل القاهرة والجزائر وتونس وطرابلس ومحور الرباط-الدار البيضاء وطنجة، غير أن البنك الدولي يحذر من أن “بؤر الهجرة المناخية” تلك معرضة هي نفسها لارتفاع مستوى مياه البحر ولعل المثال الأبرز هو مدينة الإسكندرية المصرية ووفق معطيات الخبراء سيضطر مليونا شخص إلى الانتقال إلى مكان آخر، أي نحو ثلث سكان المدينة، وستفقد المدينة 214 ألف وظيفة إذا ارتفع مستوى البحر 50 سم، وفي سياق متصل يحذر الخبراء الاقتصاديون من أن تجمعات سكانية على غرار مدن كبرى وساحلية في المغرب والجزائر ومصر وتونس ستزيد الضغوط على الموارد وهو ما “قد يؤدي إلى نزاعات عنيفة على حد تعبيره، في منطقة يعتمد 22% من سكانها على الزراعة وخاصة في مصر والسودان وفي هذه الأخيرة أوقعت النزاعات بين القبائل على الماء والكلأ والأراضي مئاتالقتلى منذ مطلع العام الحالي في ولايات عدة بل وبحسب اليونيسف، تقع 11 دولة من أكثر 17 بلداً افتقاراً إلى المياه في العالم، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أما في العراق على سبيل المثال، إذا لم يتخذ أي إجراء بحلول عام 2050، و”في حال ارتفاع الحرارة بمقدار درجة مئوية وانخفاض الأمطار بنسبة 10%، سيفقد هذا البلد البالغ عدد سكانه 42 مليون نسمة، 20% من مياهه العذبة” وفق البنك الدولي، أما الأردن، أحد أكثر بلدان العالم جفافاً، فقد اضطر إلى مضاعفة وارداته من المياه من إسرائيل هذا العام، فيما يعاني قطاع غزة الخاضع لحصار إسرائيلي، من نقص مزمن في المياه منذ سنوات.

 

رابعا، الخلاصة أن المجتمع الدولي تعهد في مؤتمري “كوبنهاغن” و”باريس” للمناخ بــــــــــــــ”مساعدة الدول النامية على مواجهة تداعيات التغير المناخي” من خلال المساهمة في إمداد هذه الدول “بطريقة مختلفة للزراعة وإدارة أفضل للمياه، ومعلوم أن أن 24 دولة أفريقية حثت في مطلع سبتمبر/ أيلول الماضي على احترام هذه الالتزامات بأسرع وقت ممكن وستجدد هذه الدعوة خلال مؤتمر الأطراف حول المناخ (كوب 27) الذي ينطلق بعد أيام (تحديدا في السادس من نوفمبر الحالي في مصر، ومن المهم القول ان تقرير سبتمبر الذي أصدرته ونشرته المنظمة الأممية مفزع وخطير كما ان المخاطر المرتقبة والتداعيات على منطقتي شمال افريقيا والشرق الأوسط هي في الواقع اكثر هولا مما ذكرنا ما لم تسارع الدول والمنظمات الدولية والخبراء الى القيام بخطوات عاجلة واستباقية حتى لا تزداد الكوارث وخاصة في شمال القارة وهي المنطقة التي تتأثر  وستأثر سياسيا واجتماعيا بما يجري في غرب ووسط افريقيا من تحولات وعدم استقرار وخاصة في ظل امتداد كبير للتنظيمات الإرهابية وفي ظل تداعيات صراع النفوذ بين الأطراف الإقليمية والدولية ومما لاشك ان المخاطر المناخية والكوارث الطبيعية ستزيد الأمور تعقيدا على تعقيدات سابقة وهي كثيرة ومتنوعة والتي مست ولا شك كل المجالات…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق