الرئيسيةتقاريرسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيامصر

تعثر مساعي تحسين العلاقات بين مصر وتركيا.. هل يعود شبح الصدام العسكري بين البلدين بسبب ليبيا مجدداً؟

مع إعلان القاهرة تعثر المباحثات ومساعي إعادة تطبيع العلاقات مع تركيا بسبب الغضب المصري من خطوات أنقرة الأخيرة في ليبيا، يعود إلى الواجهة مجدداً سيناريو تدهور العلاقات بين البلدين وشبح الصدام الذي كاد يتحول إلى مواجهة عسكرية كارثية بينهما عقب تفاقم الخلافات والتنافس الإقليمي بين البلدين حول الملف الليبي قبل نحو عامين. 

وعام 2020 تدخلت تركيا عسكرياً إلى جانب حكومة الوفاق في طرابلس ضد قوات حفتر والمليشيات المدعومة من مصر والإمارات آنذاك ونجحت قوات الوفاق من الوصول حتى حدود مدينة سرت الليبية بدعم من الجيش التركي قبل أن تخيم أجواء توتر غير مسبوقة على العلاقات التركية المصرية، حيث استنفر الجيش المصري قواته وحذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من اجتياز القوات المدعومة من تركيا مدينة سرت ملوحاً بالخيار العسكري وهو ما فتح الباب واسعاً أمام التكهنات حول شبح المواجهة العسكرية بين البلدين. 

وعقب قرابة عامين من تراجع التصعيد في الملف الليبي وتراجع الخلافات الإقليمية وخاصة بين مصر وتركيا التي سعت إلى إعادة تطبيع العلاقات مع القاهرة منذ أكثر من عام، عاد التوتر مجدداً بين البلدين مع توقيع أنقرة وطرابلس على اتفاق للتعاون في التنقيب عن الغاز والنفط في حدود مناطق اتفاق ترسيم الحدود البحرية الموقع بين البلدين والذي يتعارض ويتداخل مع مناطق اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان وهو ما دفع البلدين لإعلان رفض الاتفاق والتلويح بإجراءات لمنع أي تحركات تركية في المناطق المتنازع عليها. 

ومنذ أشهر طويلة، جرت مساع واسعة لإعادة تطبيع العلاقات بين تركيا ومصر، حيث جرت أكثر من جولة من المباحثات الاستكشافية وخطوات بناء الثقة والإجراءات المتبادلة وهو ما كان يتوقع أن ينتج عنه اتفاق على إعادة تبادل السفراء قد يمهد للقاءات سياسية على أعلى المستويات من البلدين، إلا أن التطورات الأخيرة يبدو أنها نسفت ما جرى التوصل إليه وأعادت الخلافات إلى المربع الأول. 

فعقب توقيع اتفاق التنقيب عن الموارد بين طرابلس وأنقرة، صدرت سلسلة إدانات مصرية يونانية للاتفاق وجرت اتصالات وزيارات على مستوى وزراء خارجية البلدين اللذين أكدا أن مذكرة التفاهم الموقعة بين ليبيا وتركيا بشأن التنقيب عن النفط والغاز في المتوسط “غير قانونية”، واتفقا خلال لقاء جمعهما بالقاهرة على أن “هذه الاتفاقية تهدد الاستقرار والأمن في البحر المتوسط”، واعتبرا أن “طرابلس لا تتمتع بالسيادة على هذه المنطقة” التي وقعت اتفاقية التنقيب فيها. فيما شدد وزير الخارجية المصري سامح شكري على أن حكومة طرابلس “المنتهية ولايتها ليس لديها الشرعية لتوقيع مثل هذه الاتفاقيات 

إلا أن التطور الأهم، كشف عنه وزير الخارجية المصري سامح شكري في تصريحات تلفزيونية، السبت، عندما أعلن أنه “لم يتم استئناف مسار المباحثات مع تركيا لأنه لم تطرأ تغيرات في إطار الممارسات من قبل أنقرة”، وقال: “الأمر يرجع مرة أخرى إلى ضرورة الالتزام بالمعايير والقواعد الدولية”، مشيراً إلى أنه “من الأمور التي تثير القلق هو عدم خروج القوات الأجنبية من ليبيا حتى الآن وعدم اتخاذ إجراءات حاسمة لتحقيق هذا الهدف”. 

ومنذ أكثر من عام، بدأت تركيا مساراً لإعادة تطبيع العلاقات مع دول المنطقة ونجحت تدريجياً في إعادة تطبيع العلاقات مع الإمارات والسعودية وإسرائيل ودول أخرى حول العالم، إلا أن المسار المتواصل مع مصر واجه صعوبات بالغة ولم يجر حتى اليوم تحقيق اختراق حقيقي يتمثل في إعادة تبادل السفراء أو عقد لقاءات سياسية على مستوى متقدم، حيث بقيت الاتصالات على مستوى الاستخبارات والدبلوماسية المنخفضة، قبل أن تعلن القاهرة عن تعثر هذا المسار بسبب تصاعد الخلافات حول ليبيا بعدما كانت تتجه الأنظار لمعرفة حجم التمثيل التركي في مؤتمر المناخ الذي ينعقد في مصر لمعرفة النقطة التي وصلت إليها العلاقات بين البلدين، وهو ما يعني إمكانية انخفاض مستوى التمثيل التركي في المؤتمر. 

وإلى جانب معيقات مختلفة تتعلق بالتنافس الإقليمي والخلاف الجوهري المتعلق بتنظيم الإخوان المسلمين ودعم المعارضة المصرية وقنوات المعارضة في تركيا وغيرها، كان ملف ليبيا وشرق المتوسط أحد أبرز الملفات الخلافية بين البلدين، حيث تدعم تركيا حكومة الدبيبة في طرابلس بينما لا تزال القاهرة تدعم برلمان طبرق والحكومات المنبثقة عنه، إلى جانب اصطفاف القاهرة إلى جانب اليونان في حسابات شرق المتوسط التي تعتبر حالياً بمثابة القضية الاستراتيجية الأولى لتركيا.  

واستناداً إلى مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين البلدين عام 2019، وقعت تركيا وليبيا، قبل نحو شهر، مذكرة تفاهم جديدة تتيح التنقيب المشترك عن النفط والغاز في المناطق التي يشملها اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين البلدين والذي لاقى رفضاً من أطراف إقليمية مختلفة أبرزها مصر واليونان.   

وبموجب الاتفاق الجديد، سوف تتعاون الشركات التركية مع الجانب الليبي في التنقيب بالمناطق الاقتصادية التابعة لليبيا بموجب اتفاق ترسيم الحدود بين البلدين، وهو ما أعاد إلى الواجهة الخلافات مع اليونان ومصر حيث جدد البلدين رفضهما للاتفاق، وسط حراك دبلوماسي وتنسيق مشترك للتعامل مع الخطوة التركية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة خطر تجدد الاحتكاكات العسكرية البحرية بين الجانبين.  

وبعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا عام 2019، وقعت مصر واليونان اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية يتعارض مع مناطق الاتفاق التركي الليبي، وبالتالي فإنه وفي حال بدأت تركيا بالفعل التنقيب في المناطق المتنازع عليها، هناك خشية حقيقة من حصول صدام دبلوماسي وربما عسكري خاصة إذا جرت أي محاولات تركية ليبية للتنقيب في المناطق التي تقع ضمن اتفاق ترسيم الحدود بين مصر واليونان.  

وعلى الرغم من أن تركيا ردت على الانتقادات المختلفة بالتأكيد على أن “المذكرات هي مسألة بين دولتين تتمتعان بالسيادة، وهي مكسب للطرفين وليس للدول الأخرى الحقّ في التدخّل في هذه الأمور”، إلا أن وزارة الخارجية التركية فضلت حصر ردها وانتقاداتها لليونان والاتحاد الأوروبي وتجنب الدخول في صدام مباشر مع مصر التي لم يذكرها بيان الخارجية التركية آنذاك، وهو ما يؤشر إلى رغبة تركية في امتصاص الرد المصري وتجنب التصعيد والدخول في دائرة من التصريحات المتبادلة التي قد تتدحرج لتعمق الأزمة بين البلدين، وهو ما لم يكن على ما يبدو كافياً للقاهرة التي تبدو غاضبة من التحركات التركية في ليبيا. 

وعلى الرغم من أن تركيا اتخذت خطوات مختلفة على صعيد بناء الثقة مع القاهرة لا سيما وقف بث العديد من قنوات المعارضة المصرية من أراضيها والحديث في الأيام الأخيرة عن توقيف شخصيات إعلامية ساهمت في الدعوة لتظاهرات 11.11 في مصر، ورغم نجاح أنقرة في قطع خطوات سريعة في مسار العلاقات مع الإمارات والسعودية حلفاء السيسي، إلا أن التطورات تظهر أن الخلافات حول الملف الليبي أعمق وأكبر من أن تحتويها الخطوات الإيجابية في الملفات الأخرى وهو ما يبقي مصير العلاقات بين البلدين مرهونا بالتطورات في هذا الملف. 

 

المصدر: القدس العربي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق