تدوينات

الشرق الأوسط وشمال افريقيا في منظور السياسة الأمريكية في أفق نهاية 2023 (ج1)

علي عبداللطيف اللافي -كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

كيف ولماذا بدأت مُراجعة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة القائمة على ثانوية الشرق الأوسط وشمال افريقيا (العودة الى مبدأ “كارتر”)؟

1- أولا، منذ دخول “بايدن” للبيت الأبيض في جانفي/يناير 2021 توضحت معالم الاستراتيجية الأميركية الجديدة وغير المعلنة، أي تلك التي تُرسخ ثانوية الشرق الأوسط (وضمنيا “شمال” و”غرب” إفريقيا) وخاصة في ظل زيادة الاهتمام بالصين وشرق آسيا كمنطقة حيوية ولكن ومنذ حوالي 08 أشهر تقريبا  طالب البعض من صانعي ومهندسي القرارات الاستراتيجية في واشنطن باقتراح الخروج النهائيمن منطقة الشرق الأوسط وتحويل ملفات شمال افريقيا الى ملفات نائمة (الدفع للاستقرار) ومن ثم التركيز على المجال الحيوي للصين التي تبحث عن نظام عالمي جديد بل وتُحاول رسمه بأدواتها وسيطرتها الاقتصادية ومن هناك تحديدا حدث التوجس الأمريكي، ولكن بالتوازي مع بداية تنزيل تلك الاستراتيجية نبهت كثير من العقول الأمريكية أنه يجب أن يُوضع في الاعتبار أن الصينيين قد يقفزون بطرق غير متوقعة إلى المساحات المتروكة ذلك أن إهمال مخاوف دول الخليج وتوجساتها حيال ما يسمى بالخطر الإيراني (حسب مهندسي السياسات) ولا شك أن بكين ستسعى الى رفعالضغط الأميركي عن مصادر طاقتها (طبعا الصينيين يعلمون جيداً مدى قدرات الجيش الأميركي على قطع كل خطوط إمدادهم من منطقة الشرق الأوسط وشمال وغرب القارة السمراء)، وطبعا يَعي من قام بالتنبيه أن ملء الصين للفراغ الذي ستتركه واشنطن في تلك المناطق سيكون بمثابة وضع إبهامها على القصبة الهوائية لجميع منافسيهاومن ثم يفهم ارتفاع الأصوات الأمريكية المحذرة من مخاطر استراتيجية واشنطن التي تقضي بالانسحاب التدريجي من تلك المناطق وخاصة الشرق الأوسط تحديدا لصالح الاهتمام بمحيط الصين والشرق الآسيوي، وقد وُضعت الصين خطرا استراتيجيا أول على الولايات المتحدة – وهو ما يعني إزاحة روسيا إلى المركز الثاني- وذَكَّر بعضالباحثين الأمريكيين إدارة بلادهم بأهمية العودة إلى المبدأ الذي طرحه الرئيس الأسبق “جيمي كارتر” في أعقاب صدمة الطاقة التي حصلت في سبعينيات القرن الماضي، عقب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، وسيطرة الاتحاد السوفييتي على أفغانستان، والثورة في إيران، ومعلوم أن “مبدأ كارتر” يتلخص بالمطالبة بتركيز الاهتمام على منطقة الطاقة العالمية في الشرق الأوسط، وإبقائها تحت النفوذ الأميركيباعتبار أن السيطرة على مصادر الطاقة العالميةوحماية خطوط إمدادها، كانت إحدى عوامل جعل الولايات المتحدة القطب الأوحد المتحكّم بالنظام العالمي الجديد في ما بعد، عندما سقط الاتحاد السوفييتي.

 

2- ثانيا، بالنسبة لصانعي السياسات الأمريكية وواضعي أسس تنفيذها وتنزيلها، تبرز أهمية صياغة استراتيجية جديدة تعنى بالشرق الأوسط و”شمال”و”غرب” افريقيا ونزع العراق وسورية ولبنان واليمنعن خريطة المشروع الإيراني ومن ثم سيمر الأمريكيون وفق رؤية مهندسي سياساتهم الى محاولة إنجاح خطة وقف الهيمنة الإيرانية عن دول بعينها ومما لا شك فيه أن ذلك يستدعي بالتأكيد إعادة التفكير ومن منطلق المصالح المشتركة مع دول المنطقة بصياغة توجّه جديد يعنى بإزالة كيانات أوجدتها واستخدمتها إيران لتثبيت مشروعها، وبناء على ذلك التفكير والتخطيط قد تتغير السياسيات الأمريكية وتمر الى استهداف “حزب الله” وعبر استهداف ناعم للنظام السوري الحالي وربما قبل أو بعد ذلك محاولة تفكيك “الحشد الشعبي العراقي”وبعض الأدوات الإيرانية (ولا شك أن المقصود هو تلك التي صَنعها “قاسم سليماني” في العراق وهو ما قد يفسر استهدافه كشخص بتلك الطريقة وفي ذلك الوقت تحديدا)، ولاحقا وفي صورة تحقيق أغلب تلك الخطوات سيتم طبعا المضي في الانتهاء من ملف الحوثيين في اليمن، ولا شك أنه في ضخم كل ذلك لن يتناسى الفاعل الأمريكي الدور الروسي بدعم المشروع الإيراني والعكس بالعكس (المسيرات الإيرانية التي يتم الحديث انها كانت ورقة رئيسية بيد الروس في حرب أوكرانيا وخاصة في الأشهر الثلاث الماضية) خاصة وان هناك تقييم أمريكي ان روسيا هي التي تمدّ ايران بكل أسباب وطرق ونوافذ الالتفاف على العقوبات الغربية.

 

3- ثالثا، فعليا لا يُمكن الحديث عن وجود تغاض أمريكي عن محاولات الصين إمداد ترياق البقاء للنظام الإيراني عبر صفقات استثمار اقتصادية فاقت الـ400 مليار دولار في مشاريع الطاقة الإيرانية، بل أن الصحيح هو أن كثير من تفكير واضعي السياسات الأمريكيين منحصر في فكرة أن مواجهة إيران ليس بالضرورة أن تكون بتدمير ترسانتها من الصواريخ الباليستية ومشروعها النووي أو بتدمير أسطول طيرانها المسيّر والمتطوّرذلك أن مهندسي السياسات يَروا أن الأولوية هي لمربع أن يصبح النظام الإيراني هش سياسيا واستراتيجيا ومن ثم يتم إسقاطه أو ابقاؤه ضعيفا ومن ثم فالهدف بالنسبة للأمريكيين هو أن تصبح طموحات النظام الإيراني الحالي او البديل عنهتقتصر على الاهتمامات الداخلية لا غير)، وبعض أولئك – أي صانعي القرار الأمريكيين، بل هم يذهبون إلى خلاصة حالية مفادها أن تدمير قواعد ذلك النظام أمر غاية في السهولة وأن مؤشرات سقوطه  قد اقتربت، ولا شك أن مُمهدي صناعة القرار الأمريكي أو واضعي مشاريعها ترتكز أفكارهم بعد تقييم لجولات الحرب الروسية الأوكرانية على أن ميناء “سيفاستوبول” في شبه جزيرة القرم وتركيا وسورية مثلت القوة الروسية وبالتالي يجب إعطاء اهتمامي امريكي خاص بأهمية خسارة بوتين القرم وخاصة بعد ما حصل في “خاركيف” و”خيرسون” كما أن الاهتمام أيضا يجب أن يتركز حول تطوير العلاقة مع تركيا بل ومد مساحات كبرى لتحويلها الى علاقة استراتيجية في اكثير من منطقة وفي اكثر من ملف وتفكير أولئك يقوم على فكرة أن ذلك سيتسبب بضعف روسي في سورية التي استثمر بوتين وجوده في موانئها على البحر المتوسط للتمدّد نحو ليبيا وأفريقيا، وذلك معناه السياسي والاستراتيجي في المدى القريب هو في ربط مستقبل الوجود الروسي في البحر المتوسط وفي سورية بنتيجة الحرب الروسية على أوكرانيا ويقوم ذلك التفكير وينبني على فهم أن نية أنقرة للتقارب مع نظام دمشق تكتيكية وأن طرح التقارب هو أولا وأخيرا  للمناورة بل هو بغاية التخلص من بعض الضغوط الروسية قبل الاستحقاق الانتخابي التركي الهام في منتصف العام المقبل.

 

4- رابعا، الخلاصة أن

 

• انتخابات الأيام القادمة الأميركية (أي النصفية) قد تُغير الأكثرية لصالح الجمهوريين في أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما، أي أنها ستكون معبرا سهلا للاستراتيجية الأميركية الجديدة ومن ثم العودة إلى “مبدأ كارتر” وخاصة في ظل قناعة شبه مؤكّدة أن الاتفاق النووي مع إيران أصبح شبه مستحيل نظراً إلى الشروط الإيرانية التي لا يمكن للأوروبيين والأمريكيين التجاوب معها بل أن إدارة “بايدن” قد وُجهت لها سابقا انتقادات واسعة بناء على تقييم مفاده أنها قدمت موضوعيا تسهيلات اقتصادية للإيرانيين (معلوم أن النفط الإيراني والممنوح للصين ما زال خارج العقوبات الأميركية واليوم يمكن لإيران تسويق أكثر من مليون برميل. بينما كان الرقم 400 ألف برميل فقط في عهد “ترامب”)

 

• عصر الهيمنة الأمريكية المتفردة لم ولن تنتهي قريبا كما يتوهم البعض، وأن ما يتم حاليا هو متاعب وإرباك للأمريكيين تُسببها كل من “الصين”و”إيران” و”روسيا” وحلفائهم الموضوعيين ولكنهناك قدرة أمريكية على التكيف مع كل ذلك وأن تحويل ملفات الشرق الأوسط ومنطقتي “شمال” و”غرب” افريقيا هي عملية تتم بعقلية استراتيجية بناء على التفاعل والتعاطي مع المتغيرات الجيوسياسية وفي تنمية الدور الوظيفي لقوى دولية أخرى (بريطانيا-ألمانيا – اسبانيا –ايطاليا) وأيضا عبر وظيفية أذرع إقليمية خادمة للمشروع الأمريكي رغم التناقضات الظاهرة بينها (دول المحور القطري التركي – دول المحور السعودي/المصري/الاماراتي سابقا)…

 

** واشنطن و”شمال” افريقيا في أفق نهاية 2023

 

1- أولا، بناء على المعطيات والاستنتاجات سالفة الذكر يُمكن الاستخلاص أن السياسة الأمريكية الجديدة والمعدلة عبر العودة الى ما يعرف بمبدأ “كارتر”، لن تَشذَّ على التوجه الأمريكي السابق والذي مفاده تحويل الملفات الافريقية ككل الى ملفات نائمة (أي مستقرة ومتحكم في درجة تطورها وديناميكيتها)، إضافة إلى التفاعل مع كل التطورات ومتناغمة مع التحركات الصينية والروسية والإيرانية وخاصة في ظل صراع النفوذ بين الأطراف الإقليمية والدولية وخاصة في دول الساحل الإفريقي والتي مرتقب أن تكون عُرضة لتداعيات التغيرات المناخية وأيضا لتداعيات الامتداد المتنامي للتنظيمات الإرهابية، ولا شك أن الأمريكيين يراقبون بحذر التسابق الروسي- الصيني على وراثة النفوذ الفرنسي في غرب ووسط افريقيا وخاصة بعد ما حدث في تشاد والنيجر وبوركينافاسو بين بداية جويلية/يوليو  ونهاية سبتمبر/يلول الماضيين…

 

2- ثانيا، في نهاية نوفمبر 2020 (أي عشية فوز “بايدن”) تم ارسال رسائل أولية لحلفاء واشنطن في المنطقة وخاصة دول المحورين الإقليميين يومها بأنه لابد من توخي سياسة صفر مشاكل بين تلك الدول تحديدا وهو ما يُفسر خطوات التقارب التُركي المصري – والتي تم تعليقها من طرف القاهرة منذ أيام- ولقاءات التقارب بين الاماراتيين والأتراك التي ابتدأت في نوفمبر 2021 وزيارة “السيسي” للدوحة (رغم أن التهمة التي وجهت للراحل “محمد مرسي”في 2013 هي التخابر مع “قطر”)، وكما هو معلومحدثت المصالحة بين الدوحة وبقية عواصم الخليج أثناء اشغال القمة الخليجية 42، وكل ما سبق يعني أن دور القاهرة وان توسع وقد يتوسع في الشرق الأوسط بشروط أمريكية ضاغطة ترتبط أغلبها بالملفات الحقوقية إلا أن ذلك الدور انحصر وسينحصر مغاربيا وافريقيا ولا يعني ذلك تغييب القاهرة تماما وعلى ملفات بعينها على غرار الملف الليبي مقارنة ببقية الملفات الأخرى ذلك أن عودة الدبلوماسية الجزائرية لفاعليتها ونجاعتها بعد ان كانت مشلولة بين 2014 و2020 يعني ان الجزائر ستكون حاصرة بقوة في ملفات تونس وليبيا وموريتانيا وأيضا في ملفات مالي والنيجر وفي كل منطقة الساحل ودون اغفال عودة المغرب لغرب القارة ووسطها وخاصة بعد تطوير علاقاتها بالعديد من دول القارة وتطوير علاقاتها مع مدريد ودول أوربية أخرى رغم توتر علاقاتها مع باريس…

 

3- ثالثا، ستبقى أعين واشنطن مسلطة على موريتانيا وتونس والسودان وبعض دول غرب افريقيا نتاج أهمية تلك الملفات دون أي ارباك أو تدخلات تُعطي فرص مستقبلية لموسكو وبكين، أما الملف الليبي فهو استراتيجي لواشنطن والذي تعاطت معه برَويَة منذ مقتل سفيرها في بنغازي سنة 2012 وما يهمنا هنا ليس السياسات الأمريكية في كل دولة فذلك سنفصله لاحقا – الجزء 2-ولكن هو أن واشنطن يؤطرها بعد استقرار المنطقة وتحويل ملفاتها إلى ملفات نائمة وبعقلية حصار أي تواجد ولو ضعيف ل”موسكو” و”بكين” و”طهران” وعبر تفعيل وظيفية “روما” و”برلين” و”مدريد” و”لندن” و”الدوحة”و”ابوظبي” و”الرياض” و”أنقرة” بل وعواصم إقليمية أخرى (عمان – مسقط- المنامة)  لخدمة سياساتها في “شمال” و”غرب” افريقيا، وبما يُبقى الخطوط الحمراء الثلاث نافذة ومُفعلة (انسياب النفط –التصدي للتنظيمات الإرهابية- منع أي تطور للتواجد الروسي وخاصة العسكري منه)…

 

4- رابعا، العلاقة مع “القاهرة” و”الجزائر” و”الرباط” لم ولن تكون مثل العلاقة مع بقية عواصم شمال افريقيا الأربع الأخرى، ولا هيَ شَبيهَة للتعاطي مع عواصم افريقية أخرى (باستثناء “داكار” والتي تحولت وستتحول العلاقة معها إلى علاقة استراتيجية ومحورية مثل العواصم الثلاث سالفة الذكر)،وتَرتَكز تلك العلاقة لتمس خطوط استراتيجية رغم اختلاف المقاربة:
• استراتيجية العلاقة مع المؤسسة العسكرية مع الأولى
• استراتيجية العلاقة في توازنها مع العلاقة مع موسكو بالنسبة للثانية
• وفي ملامحها الاستراتيجية في كل المربعات بل وفي كل الاتجاهات والملفات مع الثالثة…

وكل ما سبق لا يُغيب أن واشنطن تنظر للحضور الصيني في كل العواصم الافريقية بعَين الريبة وأنها تُراقب الأوضاع المحلية في كل بلد مراقبة دقيقة وناعمة وتفاعلية حتى في أدق التفاصيل سواء الداخلية لكل دولة او في علاقات أي دولة في اتجاه الأطراف الإقليمية والدولية…

 

5- رابعا، الخلاصة أن واشنطن تقرأ التوازن في كل مربعات الإقليم (المتوسط – افريقيا – الشرق الأوسط) وتتعاطى بمنطق الملفات الكبرى والتي تتحكم فيها بقوة وفي كل مفاصلها (الطاقة –الثروات – البنوك المركزية – الشركات الكبرى –الفاعلين السياسيين – الأقليات – المسألة الدينية-الحركات الاحتجاجية وفاعلية المجتمع المدني)، وهي تعي بالكامل خطوات “بكين” و”طهرن” و”أنقرة” و”طوكيو” و”نيودلهي” والعواصم الأوروبية وخاصة في الشرق الأوسط ومنطقتي “شمال” و”غرب” افريقيا، كما لها استراتيجيات مرسومة في التعاطي مع ملفات الخلافات الحدودية بين البلدان او ملفات الصراع الجدلية على غرار ملفات “سد النهضة”و”الصحراء الغربية” و”الخلاف السنغالي/الموريتاني” وغيرها من الملفات التي قد تدفع الأحدث نحو مطبات كثيرة، ومن ثم فان تكييف الاستراتيجية الجديدة مع ما جد في آسيا أو افريقيا ومن صراع مع “بكين” و”طهران” و”موسكو” سيعني عدم ترك المساحات أولا وثانيا توظيف بعض ملفات لإرباك العواصم الثلاث سواء تكتيكيا او استراتيجيا (ففي “ليبيا” مثلا تم اغتيال ناشطين محسوبين على ايران وحزب الله في الجنوب – عدم وقوع الأمريكيين في فخ موسكو مثل الفرنسيين وهؤلاء اعتقدوا ان تفرغ موسكو للحرب مع أوكرانيا سيعني عدم وجود اجندات مفعلة لهم في افريقيا وبالتالي فوجئوا بما جد في النيجر وتشاد وبوركينا فاسو في الشاهر الأربع الماضية..) .
                   دورية 2424 بتاريخ 4 نوفمبر 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق