تحاليلسياسيةشأن دوليشؤون إفريقية

تداعيات عودة “نتنياهو” واليمين الأكثر تشددا للحكم في اسرائيل على الفلسطينيين والعرب والأفارقة

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون المغاربية والافريقية

لا يَختلفُ اثنان في أن انضمام تحالف “الصهيونية الدينية” برئاسة “بتسلئيلسموتريتش”و”ايتمار بن غفير” إلى الحكومة المرتقبة التي سوف يشكلها “بينامين نتنياهو” سيدفعها وبلا شك باتجاه تبني سياسات متشددة ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والمواطنين العرب في إسرائيل، وفعليا تترقب الدول الغربية تشكيلة تلك الحكومة لمعرفة سياساتها تجاه قضايا عديدة(الملف النووي الإيراني – اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان -الأزمة الأوكرانية)، وطبعا من المستبعد جدا أي تحريك سياسي للملف الفلسطيني/الإسرائيلي  وهو ما يعني أن التداعيات المرتقبة على الفلسطينيين والعرب والأفارقة ستكون كبيرة خاصة وأن شركاء “نتانياهو” الجُدد وطبيعة الرجل وأفكاره وسياساته السابقة سيسعىافراغ مقررات اعلان الجزائر من مضمونه ذلك أنه سيدعم سياسات الاستيطان وتهميش علاقته بالعرب بما في ذلك المطبعين وسيعمد الى مزيد دعم سياسة اختراق الأجهزة الإسرائيلية للقارة السمراء، فما هي تحفظات الغرب الحالية على حكومة “ناتنياهو” المرتقبة، وماهي طبيعة التداعيات المرتقبة فلسطينيا وافريقيا وعربيا…

1- أولا،تنتظر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعديد من دول المنطقة الإعلان عن تشكيلة الحكومة المقبلة كي تتمكن من تحديد توجهاتها إزاء قضايا مختلفة، في مقدمتها الاتفاق النووي مع إيران، والحرب الروسية ضد أوكرانيا وكذلك الاتفاق الذي تم الإعلان عنه لترسيم الحدود البحرية مع لبنان، ومعلوم أن الحكومة المرتقبة سوف تتشكّل مبدئيا من أحزاب “الليكود” و”شاس” و”الصهيونية الدينية”و”يهودوتهتوراه” وجميعها أحزاب يمينية، فيما يتسبب الغياب المحتمل لأحزاب الوسط في التشكيلة الحكومية المرتقبة بقلق دولي من التشكيلة السياسية الجديدة،ولا ريب في أن المتأثر الأكبر بالتشكيلة القادمة للحكومة هم الفلسطينيون ذلك أن وجود “سموتريتش”و”بن غفير” في الحكومة واعتمادها على أصواتهما يعني المزيد من الاستيطان في الأراضي الفلسطينية…

2- ثانيا،لا يتوقع المراقبون تغييرا في سياسة الحكومة تجاه مواضيع تسهيلات الحياة اليوميةوستستمر الاتصالات بين مسؤولين من الطرفين للتعامل مع القضايا الاقتصادية والأمنية لكن لن تكون هناك أي آمال بإعادة إحياء عملية السلام ومعلوم أن الاستيطان لم يتوقف حتى في عهد في عهد الحكومة الحالية والثابت أن توجهات “نتنياهو” ترتكز وتميل الى ضم أجزاء من الضفة الغربية لإسرائيل فضلا عن أن “سموتريتش”و”بن غفير” وهما الأشد تطرفا منه، قد يُمارسان الضغط عليه للقيام بذلك فعلا وإذا ما ذهب في تلك الخطوة فمن المرتقب طبعا تفجير أزمة غير مسبوقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، وقد كان المجتمع الدولي في الغالب أكثر تشددا مع الحكومات التي شكلها “نتنياهو” بشأن الاستيطان أكثر من الحكومة الحالية إلا أن الفلسطينيين يشتكون من كون الانتقادات الدولية للنشاط الاستيطاني كانت خجولة، ومعلوم أن “سموتريتش”و”بن غفير” قد انتقدا مرارا ما أسمياه “تساهل الجيش الإسرائيلي مع الفلسطينيين”بل هما كانا قد دَعيا إلى سياسة إطلاق نار جديدة قد تسهّل قتل فلسطينيين بينما دعت الولايات المتحدة إسرائيل إلى مراجعة لسياسة إطلاق النار المتبعة في الضفة الغربية، وحتى لا نكون واهمين فليس ثابتا إذا ما كان تزايد الاهتمام الدولي بالأراضي الفلسطينية سيقيّد يد الحكومة الإسرائيلية الجديدة بشأن الاستيطان والانتهاكات اليومية، إلا أن الولايات المتحدة وبريطانيا طالبا خلال اليومين الماضيين كافة الأحزاب الإسرائيلية باحترام حقوق الأقليات.

3- ثالثا، رغم نجاح نتنياهو قبل عامين في إبرام اتفاقيات تطبيع مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، فإن مربعات التطبيع توقفت منذ ذلك الحينولكن “نتنياهو”كان قد وعد خلال حملته الانتخابية بمواصلة التطبيع مع الدول العربية والإسلامية ولكن الرجل الموسوم أيضا بالتشدد قد يعمد الى اذلال المطبعين العرب بسياساته الخرقاء دائما ويتوقع المراقبون العرب والأجانب أنه في ظل حكومة يمينية إسرائيلية تضم “سموتريتش”و”بن غفير” ستجد صعوبة في إقناع أي دول عربية أو إسلامية أخرى بتطبيع علاقاتها مع الكيان الاسرائيلي في ظل غياب برامج السلام عن سياسات الحكومة بل وقد تعمد دول طبعت سابقا الى التحفظ على موصلة نهج التطبيع بل وقد تنخرط في التصدي لمشاريع الحكومة الإسرائيلية الجديدة على غرار ما فعلت المملكة الأردنية عندما افسلت فعليا صفقة القرن خلال السنوات الماضية، ومعلوم أنه وقبيل تنظيم الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة أعلن “نتنياهو”بنفسه معارضته للاتفاق الذي أبرمته حكومة “يائيرلابيد” مع لبنان لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وقال يومها إنه سيتعامل مع الاتفاق كما تعامل مع اتفاق “أوسلو” مع الفلسطينيين ولكن من المهم التأكيد أنه ورغم معارضته لاتفاق أوسلو لكنهلاحقا لم يلغه رسميابل هو أوقف تطبيقه وانتهكه بصور متكررة وهو ما يعني أن رئيس الحكومة الجديد/القديم من الصعب أن يُلغي الاتفاق مع لبنان لاسيما أنه مدعوم من الولايات المتحدة وفرنساوهو يُدرك أنه إذا فعل  ذلك فسيكون في مواجهة مع البلدينبل وقد يتسبب فعليا بمواجهة مع لبنان وليس من السهل طبعا التحكم في تداعياتها على كل المنطقة وخاصة في ظل ما يجري إقليميا ودوليا ( الحرب الروسية/الاكرانية – ما يجري من تطورات في الساحل الافريقي – الحرب الباردة في شرق المتوسط بين تركيا واليونان – مظاهر أولية لموجة ثالثة للربيع العربي وما قد يرتب عنها يوم الغائه للاتفاق…)

4- رابعا، “نتنياهو”والذي يتمتع بعلاقات طيبة للغاية مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، يتوقّع أن يسعى لترميم علاقاته المتوترة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبعد أن عارض تزويد أوكرانيا بالسلاح، أعلن في أكتوبر الماضي أنه “سيسعى في مهمة وساطة بين روسيا وأوكرانيا” خاصة وانه قال قبيل الانتخابات أنه إذا أصبح رئيسا للوزراء فمن المفترض أن تثار مسألة الوساطة مرة أخرى ولكنه وفي نفس التصريح أكد أنه مستعد للنظر في تزويد “كييف” بأسلحة دفاعية، وهنا لا يمكن تغييب ان الخلافات بينه وبين الرئيس الأميركي “جو بايدن” ليست خافية على أحدوالسؤال هنا هو: كيف ستؤثر تلك الخلافات بين الرجلين على العلاقات المستقبلية بين بلديهما وقد سبق لنتنياهو أن وجه انتقادات إلى الحكومة الحالية بسبب ما أسماه تقاعسها عن رفع الصوت ضد عودة “واشنطن” إلى الاتفاق النووي مع إيران، وقد انتقد بشدة إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما لتوصلها للاتفاق العام 2015 ثم تفاخر بدوره في إقناع الرئيس السابق دونالد ترامب بالانسحاب منه عام 2018 كما لم يتردد برفض عودة إدارة البيت الأبيض الحالية للاتفاق دون توضيح نيته في المواصلة على السياسة الإسرائيلية الحالية بإبقاء الخلافات بهذا الشأن في غرف النقاش وعدم نقلها إلى العلن.

5- خامسا، عمليا من السابق لأوانه التنبؤ بالتركيب الدقيق للائتلاف الحكومي حتى يتم فرز جميع الأصوات، هذا أولا،أما ثانيا فانه لا شك في أن الإدارة الأميركية ستواصل العمل مع الحكومة الجديدة بغض النظر عن تطرفها بناء على رؤية كل الإدارات الأمريكية القائمة على فكرة أن هناك دوما “مصالح وقيم مشتركة بين البلدين…” (وهي قناعة لم تتغير في أي إدارة أمريكية منذ أربعينات القرن الماضي ولكن ذلك لا يعني انه لن تكون هناك خلافات تكتيكية واختلافات في وجهات النظر لكثير من المواضيع من زوايا مختلفة بل ويمكن توقع توتر محدود ولفترة معينة في أكثر من ملف، أما أوروبيا فمعلوم أن سنوات “نتنياهو” خلال رئاسته للحكومة السابقة قد اتسمت بالتوتر مع الاتحاد الأوروبي بينما سَعَى “لابيد” لإعادة تصحيح تلك العلاقة بعقد مجلس الشراكة الإسرائيلي – الأوروبي لأول مرة بعد 10 سنوات من الانقطاع،  لكن “نتنياهو” عاد الآن وبحكومة بها يَمين هو الأكثر تَشدُدا منذ بداية الستيناتوهو ما قد يفسّر أن الاتحاد الأوروبي لم يُعلق على نتائج الانتخابات الإسرائيلية بعد.

6- سادسا، لم تربح الحكومات والأنظمة العربية التي طبعت مع الكيان الإسرائيلي ولم تستفد فعليا لا اقتصاديا ولا حتى سياسيا رغم أن بعض أنظمة عربية حاولت التغطي بالتطبيع للحفاظ على بقاء أركانها في الحكم ولمدة أطول، ومن ثم فسيتم ارباك تلك الأنظمة أكثر لتنخرط في التطبيع الثقافي والتربوي بينما سيتم الضغط اكثر على الأنظمة التي لم ترفض التطبيع علنا وبقيت مترددة في توخيه بشكل مباشر، وسيحاول نتانياهو وخاصة اذا ما سلك مسلكا يُجنبه التوتر الظرفي مع الأمريكيين والأوروبيين نحو شق الصف العربي ومن ثم افراغ غير مباشر لإعلان الجزائر من مضمونه وخاصة اذا ما عقدت القمة العربية المقبلة في موعدها الكلاسيكي أي في مارس 2023، ومن ثم ستنتهج حكومة “نتانياهو” سياسة مفادها مزيد من الاعتداءات على الفلسطينيين وتوسيع الاستيطان بالتوازي مع احداث الشرخ بين الفلسطينيين عبر اسقاط ناعم للمصالحة الفلسطينية بل وستمر الى البحث عن تحقيق اختراقات جديدة ولو ناعمة في المنطقة المغاربية ورغم أن ذلك صعب عليها في أفق السنوات القادمة…

7- سابعا، ستكون التداعيات على افريقيا وخاصة وسطها وغربها غير مباشرة مع أن الصهيونية لها وجود فعلي في كثير من دول المنطقتين ولها اختراقات سابقة وعميقة بدون أن تكون لها أي تمظهر سياسي معلن على عكس شرق افريقيا وذلل لا يُغيب أن تتواصل سياسة التطبيع الاقتصادي عبر اختراقات كبرى وذلك جار حتى في أغلب بلدان شمال افريقيا وبعض دول الشرق الأوسط – رغم ادعاء بعضها للممانعة- وليس خاف التغلغل الصهيوني في دولة “جنوب السودان” وبعض دول افريقية أخرى عديدة من مختلف المناطق وبعضها مهيأة خلال السنوات الثلاث القادمة لإعلان استعدادا للتطبيع الرسمي، وفي كل الحالات فان الثابت أن حكومة “نتنياهو” وحلفائه الجدد (وهم الأكثر تشددا في تاريخ دولة الكيان) سيكونون غير مُبالين بالدرجة الأولى بالتطبيع مع أي دول بل هم معنيين أساسا بإلغاء كل حقوق الفلسطينيين وملاحقتهم في كل الدول العربية والافريقية وستبحث أجهزة الكيان ومن بينها الموساد عن تنفيذ الاغتيالات لا في الضفة فقط بل في كل شبر من العالم (أي اين يوجد خصومهم وخاصة ناشطي حركات المقاومة)، أما الدول المطبعة عربيا وافريقيا فان بعض حكامها سيدفعون فاتورة التطبيع لصالح “نتنياهو” وحلفائه الجدد وسيكون ذلك عبر أشكال مختلفة ومن بينها تقيمهم مزيدا من التنازلات والامعان في الاذلال السياسي والثقافي وربما عبر التخلي عنهم سياسيا (أي عبر دفعهم ثمن التطبيع بدلا عن مكاسب كانوا يرتقبونها وربما حتى مساهمة الكيان في اسقاط حكمهم)…

المصدر : يومية الصباح بتاريخ 6 نوفمبر 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق