أمنيةتقاريرشأن دولي

حول المخاطر المرتقبة للتغيَّر المناخي على الشرق الأوسط وشمال وشرق افريقيا

كشفتها أشغال وتقارير مؤتمر المناخ في شرم الشيخ ("كوب 27")

عليعبداللطيف اللافي – كاتب مختص في الشؤون المغاربية والافريقية 

*** تمهيد                            

1- أولا، يهدف مؤتمر المناخ المنعقد حاليا في شرم الشيخ المصرية أي “كوب 27” إلى إيجاد حلول تتيح تكيّف البشرية مع التغيَّر المناخي، وعمليا تندرج ضمن جدول أعماله مناقشات حول “تمويلات أكثر وتعاون أكبر وطاقة أحفورية أقل” وخاصة بالنسبة للشرق الأوسط وشمال وشرقأفريقيا، وهي تحديات يتعيّن حسب الخبراء التركيز عليها وخاصة في شرق وشمال القارة السمراء نتاج تعدد الفوارق الاقتصادية الكبيرةفي المنطقتين مقارنة ببقية مناطق العالم وأيضا بسبب تعدد النزاعات المسلحة فيهما، ومعلوم أن المختصين في مؤتمر شرم الشيخ الحالي وقبله “كوب26” قد أكدوا صعوبة تجاوز الارتهان إلى الطاقة “الاحفورية”…

2-ثانيا،أكدت التقارير المتعاقبة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) على تقديم حالة بحث علمي تَنسِب فرضية ارتفاع حرارة الغلاف الجوي إلى انبعاث الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري والناجمة عن أنشطة بشرية ويولّد ذلك الارتفاع في درجات الحرارة تغيّراً مناخياً أضحت تداعياته ملموسة، لكن تأثيره على مختلف أنحاء الكوكب غير متماثل ذلك أن منطقتي شمالأفريقيا والشرق الأوسط من بين الأكثر عرضة للاضطرابات المقبلة ثم تأتي بعدهادولشرق افريقيا، وفي 2019 تحديدا انبعث من كوكب الأرض 34 مليون كيلو طن من ثاني أوكسيد الكربون ونتجت 7 في المائة من هذه الانبعاثات، أي 2.5 مليون كيلو طن، من دول منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط (معطيات وأرقام موقع “أوريان 21”)

3- ثالثا، يستعرض تقرير/مقال الحال مختلف المخاطر التي سببها وسيسبها التغير المناخي على كل منطقتي شمال وشرق افريقيا وأيضا على الشرق الأوسط وذلك من خلال الإجابة على السؤالين التاليين: كيف يمكن الحد من آثار التغيّر المناخي والتي باتت حقيقة واقعة في شمال وشرق افريقيا والشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر؟ وكيف يُمكن لدول ومجتمعات تلك المناطق التَكيّف للحدّ من التأثيرات الضارة؟

*** مخاطر التغييرات المناخية على الشرق الأوسط وشمال افريقيا: معطيات وأرقام

1- أولا،بدأت تأثيرات التغيّر المناخي تظهر في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط بين عامي 1960 و1990، إذ ارتفعت درجة الحرارة بمقدار 0.2 درجة مئوية كل عشر سنوات، ثمّ تسارع النسق منذ ذلك الحين، والمنطقة تعرف مناخات وطبيعة متنوعة على النطاق المحلي رغم أنّ الجفاف هو سمتها الأساسية، لكنها باتت تميل نحو ارتفاع في درجات الحرارة، وضغط متزايد على الموارد المائية، وزيادة في عدد الظواهر المناخية وشدتها، مثل الجفاف، والفيضانات، إضافة إلى ارتفاع متوسط مستوى سطح البحر، وخلال مؤتمر باريس “كوب15″، توقع خبراء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ زيادة في درجات الحرارة العالمية تراوح بين 2 و4 درجات مئوية بحلول عام 2050، وبفعل بيئتها، يُفترض أن تشهد منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط ارتفاعاً أكبر. إذ يُتوقّع أن ترتفع درجات الحرارة بمعدل 3 إلى 4 درجات مئوية في سيناريو ارتفاع عالمي بدرجتين، وأن يصل هذا المعدل إلى 8 درجات مئوية في سيناريو ارتفاع عالمي بـ4 درجات، وسيتركز معدل ارتفاع الحرارة في أشهر الصيف، ما يثير مخاوف تعدد موجات الحر، وستكون المناطق الصحراوية في الجزائر والسعودية والعراق في الخطوط الأمامية على جبهة الاحتباس الحراري، ويتوقع خبراء المناخ أن يبلغ معدل درجات الحرارة في الليالي الأكثر حرارة حالياً أقل من 30 درجة مئوية، ويفترض أن يتم تجاوز هذه العتبة بحلول 2050، وفي سيناريو الارتفاع بـ4 درجات مئوية، قد تصل إلى 34 درجة بحلول نهاية القرن، ويُفترض أن تقارب درجات الحرارة القصوى، التي تبلغ 43 درجة مئوية حالياً، 47 درجة مع انتصاف القرن الحالي، و50 درجة مئوية في عام 2100 في السيناريو الأكثر تشاؤما…

2- ثانيا،منذ بداية القرن الواحد والعشرين تدوم موجات الحرارة ما معدّله 16 يوماً، ويفترض أن تبلغ مدّتها بحلول عام 2050 ما بين 80 إلى 120 يوماً، وحتّى 200 يوم إذا ما زادت الحرارة العالمية بـ4 درجات مئوية، ومعلوم أن المؤشرات المتعلّقة بالأمطار هي الأقل وضوحاً، فالنماذج افتراضية لدرجة تبقى معها التوقعات حذرة،ويمكننا مع ذلك أن نرى بعض الاتجاهات التي لا تبشّر بخير بالنسبة إلى منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وفي حال زيادة الحرارة درجتين مئويتين، يُفترض أن تشهد البلدان المتاخمة للساحل الجنوبي للبحر المتوسط انخفاض كمية التساقطات السنوية، كما أن تزايد التبخر الحراري قد يخلّف تصحراً في المنطقة، في حين أنّ ساحل المحيط الهندي الخاضع لنظام الرياح الموسمية سيشهد أمطاراً أكثر. لكن مع ذلك، لن تكون المنطقة محصَّنة من اشتداد الظواهر الجوية، ما سيزيد من خطر الفيضانات كما الجفاف. علماً أنّ الجفاف الذي يضرب شرق حوض المتوسط منذ 1998 هو الأسوأ من نوعه منذ 900 عام.

3- ثالثا،سيجعل الطقس الأكثر حرارة مناطق عدة غير صالحة للسكن. في بقية المناطق، قد يصبح الوصول إلى المياه إشكالياً أكثر مما هو الآن. 11 من أصل 17 بلداً هي الأكثر تضرّراً من الإجهاد المائي تقع في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ويعاني 90 في المائة من أطفال المنطقة من حالة إجهاد مائي مرتفع، إلى مرتفع للغاية، ما يخلّف عواقب وخيمة على نموّهم النفسي والجسدي، ويضخم التغيّر المناخي حالة الندرة الموجودة مسبقاً، كما يتعيّن أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، وخصوصاً النمو السكاني، والافتقار إلى بنى تحتية لمعالجة مياه الصرف الصحي، ويجب ألا نتجاهل أنّ الزراعة تستهلك 80 في المائة من مياه المنطقة، في مقابل 70 في المائة عالمياً

4- رابعا،من المنتظر أن يتسبب ذوبان الجليد والتمدد الحراري للمحيطات في ارتفاع مستوى سطح البحر بحوالي 85 سم في عام 2100، ويحد المحيط الأطلسي والبحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي وبحر قزوين منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وباستثناء الأخير، الذي يتوقّع أن ينخفض مستواه إلى 9 أمتار، تشكّل البحار والمحيطات تهديداً للتجمعات السكانية على السواحل، وبالتالي فإنّ مدناً مثل الإسكندرية في مصر، والبصرة في العراق، معرّضة لخطر ارتفاع مستوى سطح البحر، ما قد تكون له عواقب على ملايين الأشخاص، وتقع ممالك الخليج أيضاً في مناطق معرّضة للخطر، لا يؤثر اضطراب المناخ على درجات الحرارة والموارد المائية فحسب، إذ إنّ له تأثيراً تسلسلياً، فهو يهدّد أيضاً بزعزعة استقرار المجتمعات والدول في منطقة تعيش نزاعات بالأساس، يتعلّق أحد المخاوف الرئيسية المرتبطة بالتغيّر المناخي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط بالأمن الغذائي. في الواقع، تعتمد المنطقة هيكلياً على واردات المنتجات الغذائية، ولا سيما الحبوب. إذا كانت بلدان المنطقة تمثّل 4 في المائة فقط من سكان العالم، فهي تقوم بثلث مشتريات الحبوب، وبالإضافة إلى هذا الارتهان، فإنّ خسارة الإمكانات الزراعية للأراضي بسبب التغيّر المناخي من شأنه أن يفاقم وضعاً يشهد توتراً. بالنسبة إلى عدّة بلدان، يقدّر انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 20 في المائة.

*** حياة 36 مليون شخص في شرق افريقيا مهددة بسبب التغييرات المناخية

1- أولا،أكد تقرير صادر عن مكتب منسق الشئون الإنسانية بالأمم المتحدة عن معاناة ما لا يقل عن 1ر36 مليون من سكان إقليم شرق أفريقيا والقرن الأفريقي من الجوع وشح مياه الشرب بسبب الجفاف الممتد منذ قرابة عامين ونصف على غير المعتاد، وجاء فى التقرير أن الجفاف الذي يضرب الصومال و إثيوبيا و كينيا يبدو – بفعل التغيرات المناخية – وكأنه بات ” مزمنا و ممتدا ” بعد أن كان في السابق جفافا ” موسميا و متقطعا ” و انه سيطال الجانب الأعظم من سكان البلدان الثلاثة مؤثرا على حياة 21 مليونا على الأقل من سكانها، كما نبه التقرير إلى أن 9ر2 مليون من أطفال القرن الأفريقي يعانون سوء التغذية فى الوقت الراهن و كذلك تعانى 1ر986 الف من المراضع و النساء الحوامل في اثيوبيا و الصومال و كينيا من اعتلالات ناتجة عن سوء التغذية بسبب نقص المعروض من المحاصيل الناتج عن التغيرات المناخية و الجفاف، وبالنسبة لمياه الشرب قال التقرير إن ما لا يقل عن 3ر16 مليون من أبناء القرن الأفريقي يواجهون مشاكل في الوصول الى مياه الشرب نتيجة الجفاف ، كما أدت حالة الجفاف في منطقة القرن الافريقي إلى نفوق 9ر8 مليون رأس من الماشية بعد ان دمر الجفاف مساقى المياه الطبيعية و كلأ المراعىفى البلدان الثلاثة .

2- ثانيا،بحسب تقرير مكتب الشئون الانسانية بالأمم المتحدة، تسببت التغيرات المناخية المتمثلة في حالة الجفاف الممتد والأثار التي صاحبتها من دمار الزراعات والمراعي الطبيعية فى نزوح ما لا يقل عن مليونا من السكان عن قراهم ومواطنهم الطبيعية وبعضهم من هلك جوعا وعطشا خلال النزوح، وقد بادرت وكالات الأمم المتحدة الاغاثية و الإنسانية و منظمات العمل التطوعي المتعاونة معها بتقديم مساعدات اغاثة عاجلة لنحو 14 الفا و 191 اسرة صومالية و توزيع عبوات طعام بإجمالي 12 الفا و278 عبوة تحتوي على 25 كج من الطحين و مثلها من الأرز و 15 كج من السكر و 3 كيلوجرامات من زيت الطعام على مدار الاشهر التسعة الاولى من العام الجاري…

 *** الخلاصة

واقعيا يُنتظر أن تنضب الفرص الاقتصادية وتصبح طرق الهجرة خطرة أكثر فأكثر، وهو ما يعني أنه لن يتأخر ظهور مهاجري المناخ في المنطقة سواء كانوا متحدرين من المنطقة أو أجانب، وفعليا تشترك دول المنطقة في إدارة أزمة ما بعد الكارثة، وأطلقت بعض البلدان برامج تهدف إلى تحسين قدرتها على التأقلم، أو تقليل انبعاثاتها. إلا أنّه علينا ألا نغفل أن الجيل الحالي من القادة لا يدرك بالضرورة تحديات المستقبل بما في ذلك الأنظمة التي تنظم مؤتمرات المناخ أو تلك التي تنوي تنظيمه مستقبلا بحثا عن الاستعراض ويمكن التأكيد في الأخير ان افريقيا هي الأكثر تعرضا للمخاطر الناتجة للتغير المناخي رغم أنها الأقل تلويثا للمناخ…

المصدر : صحيفة الرأي العام بتاريخ 10نوفمبر 2022

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق