تحاليلمصر

هل أن أنقرة والقاهرة ستعُودان الى مُربَعي التَقارب والحوَار؟

بعد خفض وتيرة البيانات المتضادة واجراء أكثر من ثلاثة لقاءات تنسيقية مختلفة

أبو رسلان

              لم يُمكن مبدأ “صفر مشاكل” والذي فضلت الولايات المتحدة أن يكون قاعدة للتعامل بين مختلف حلفائها في المنطقة منذ دخول “بايدن” للبيت الأبيضالعلاقات التركية المصرية من الوصول الى درجة كبيرة من الودية حتى أن وزير الخارجية المصري قد أعلن منذ شهرين تقريبا تعليق المُشاورات والمُباحثات بين الطرفين وأصبحت هناك أجواء من التصريحات المتبادلة البيانات المتضادة بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية المهمة، ولكن الأيام الأخيرة شهدت لقاءات مصرية تركيةوهو ما يعني أن هناك شيء يجري في الكواليس وما وراء الأضواء لان تلك اللقاءات ما كانت لتتم الا بناء على خطية مُعينة تُرتب بها العاصمتين مستقبل العلاقة بينهما، فما هي تفاصيل وحيثيات تلك اللقاءات وهل وراء الأكمة ما وراءها في العلاقة بين البلدين خاصة وأن السلطة في كلاهما تعيش على خَطي تَعدد الحضور الإقليمي لكليهما من جهة وكل منهما تعيش على تطور الأوضاع الداخلية وخاصة في مربعي الملفين السياسي والاجتماعي؟    

1- أولا، التقى الأربعاء الماضي (16 نوفمبر الحالي) وزير البيئة والتخطيط العمراني التركي مورات موروموزير الخارجية المصري سامح شكري (وهذا الأخير يرأس الدورة الحالية لقمة المناخ كوب 27المنعقدة بمدينة شرم الشيخ، في اجتماع رسمي، جرى بحضور القائم بالأعمال التركي في مصر” صالح موتلو وهو اللقاء الأول من نوعه منذ فترة طويلة وطبعا تماهى مبدأ عقد ذلك اللقاء مع قول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحات أدلى بها في ختام مشاركته في قمة زعماء مجموعة العشرين في جزيرة بالي الاندونيسيةـ إنه يُمكن لبلاده أن تعيد النظر في علاقاتها مع كلّ من مصر وسورية، وذلك بعد الانتخابات التركية المقبلة في جوان/يونيو 2023.
2- ثانيا، بالتوازي مع ذلك اللقاء الأول عقد لقاء مصري تركي ثان على مستوى أمني (استخباري تحديدا)منذ أقل من أسبوعين وقد تطرّق ذلك اللقاء لعدد من الملفات الأمنية الحساسة التي تُحظى باهتمام مشترك لدى البلدين، والحقيقة أن تلك النوعية من الاجتماعات واللقاءات تسير بوتيرة شبه منتظمة، حتى قبل الإعلان الرسمي عن مشاورات لتطبيع العلاقات بين تركيا ومصر منذ سنة ونصف تقريبا، وقالت مصادر إعلامية ومواقع مختصة في تقارير لها أن ذلك الاجتماع تطرق إلى الموقف الراهن لمسار استعادة العلاقات بين البلدين، والتنسيق فيما يخص بعض القضايا الإقليمية محل الاهتمام المشترك، وأنه جرى خلال اللقاء التأكيد على قاعدة عدم اتخاذ مواقف مضادة من جانب البلدين تجاه الآخر في المنصات الدولية، كما أن اللقاء، وفق ما أتيح من معلومات، تناول أيضاً بعض الملفات الروتينية، المتعلقة بتسيير العلاقات الاقتصادية بين البلدين. وتطرق الحديث كذلك إلى مشروعات في مجال الغاز،مرتبطة بالوضع في ليبيا دون الوصول إلى اتفاق محدد بشأنها، وإن غلبت الإيجابية على المشاورات بشأنها.
3- ثالثا، تم أيضا في 13 نوفمبر الحالي لقاء بين وزير الصناعة والتجارة المصري أحمد سمير مع هاكان بولجورلو الرئيس التنفيذي لشركة “أرتشليك” التركية الدولية المتخصصة في تصنيع الأجهزة المنزلية لبحث مشروعات الشركة المستقبلية في السوق المصرية، وقال الوزير المصري عقب الاجتماع إن اللقاء “استعرض مشروعاً تخطط الشركة لإطلاقه في السوق المصرية نهاية العام المقبل، لتصنيع الأجهزة المنزلية، باستثمارات تبلغ 100 مليون دولار، وبطاقة إنتاجية تبلغ 1.5 مليون جهاز سنوياً، ويوفر 2000 فرصة عمل مباشرة، بهدف تلبية احتياجات السوق المحلية والتصدير للخارج…”، وأشار إلى أن الشركة “تستهدف أن تتخذ من مصر مركزاً لتصنيع منتجاتها وتصديرها للأسواق الخارجية، وأن تخصص 60 في المائة من إنتاجها للتصدير“. ، ولفت نفس الوزير إلى أن استثمارات الشركة التركية في السوق المصري “تتضمن إلى جانب الإنتاج وتشغيل العمالة، نقل التكنولوجيا والمعرفة وإنتاج منتجات ذات قيمة مضافة عالية“.
4- رابعا، أدانت مصر وبأشد العبارات حادث التفجير الذي وقع في مدينة إسطنبول، الأحد قبل الماضي، والذي أسفر عن وقوع عدد من القتلى والجرحى. وأعرب المتحدث باسم الخارجية المصرية يومها السفير أحمد أبو زيد في بيان رسمي عن “تعازي جمهورية مصر العربية لذوي الضحايا والشعب التركي الصديق والجمهورية التركية”، متمنياً الشفاء العاجل للمصابين، وأكد المتحدث باسم الخارجية المصرية “موقف بلاده الرافض لكافة أشكال العنف والإرهاب، مهما كانت مسبباته”، داعياً “جميع دول العالم إلى التضامن في مواجهة هذه الظاهرة البغيضة وتجفيف منابع دعمها، مادياً أو فكرياً أو بأي شكل من الأشكال…”، وفي سياق ثان كان وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو” قد أعلنأخيراً، أن بلاده دخلت عملية التطبيع مع مصر لكنها تسير ببطء، وقال جاووش أوغلو خلال ندوة بعنوان “السياسة الخارجية التركية في بحر إيجة وشرقي البحر الأبيض المتوسط”: “لقد دخلنا عملية التطبيع مع مصر، وهذه عملية مزدوجة، إذا كانت مصر صادقة في تطبيع العلاقات…”، وعن إعلان شكري وقف القاهرة محادثات التطبيع مع تركيا، قال أوغلو إن هناك دولاً أخرى دخلنا معها في عمليات تطبيع، لكن العملية مع مصر تتقدم ببطء مقارنة مع البلدان الأخرى…”، وأضاف رعيمالدبلوماسية التركي “لسنا السبب في بطء عملية التطبيع مع مصر، والاتفاقيات التي أبرمناها مع ليبيا ليست ضد مصالح مصر. إذا وقعت مصر اتفاقية مع تركيا، فستحصل على صلاحيات بحرية أكبر بكثير من الاتفاقية التي أبرمتها مع اليونان. نحن نتحدث عن 40 ألف كيلومتر مربع…”، وتابع إن “الاتفاقية الأمنية التي أبرمناها مع ليبيا ليست ضد مصر”، مؤكداً، أن تركيا “ليس لديها أي مشاكل مع مصر، وأن مصر بلد مهم للجميع“.
5- خامسا، كانت مصر أعلنت موقفاً متشدداً من الاتفاقية الموقعة بين تركيا وحكومة الوحدة الوطنية الليبية، التي تقضي بالسماح لأنقرة بحقوق التنقيب عن النفط والغاز في المياه الاقتصادية الليبية – متفقة في ذلك مع اليونان، العدو الرئيس لتركيا في شرق المتوسط، وكان شكري قد أعلن في أكتوبر الماضي – ما أشرنا اليه أعلاه توقف الجلسات الاستكشافية المشتركة بين بلاده وتركيا بعد انعقاد جولتين منها، وذلك بسبب انزعاج القاهرة الشديد، من استمرار نشاط بعض المعارضين المصريين في التحريض ضد النظام والدعوة للتظاهر، من الأراضي التركية، وخصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها مصر، وقابلت السلطات التركية هذا الأمر بإرسال إشارات إيجابية كثيرة للقاهرة ومن بينها ترويج أخبار حول القبض على معارضين مصريين في تركيا وهو ما دفع بوسائل إعلامية للنقل عن مصادر مطلعة على المباحثات التي تُجريها أنقرة والقاهرةوالقول أن استعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدينقد يكون وشيكا وفي حد أدنى سيعيد المباحثات بين البلدين الى مربعاتها التي توقفت عندها في نهاية سبتمبر  الماضي…
6- سادسا، الخلاصة أن هُناك كثير من الألغاز يُحيط العلاقة بين أنقرة والقاهرة منذ وصول بايدن للبيت الأبيض بغض النظر عن الخلافات او الاتفاقات من مدة الأخرى وأن محددات التقارب من عدمه تحددها معادلات أخرى فيها الأمني وفيها الإقليمي والمصالح الاقتصادية الاستراتيجية كما فيها مربعات التوازن الإقليمي ورؤية الأطراف الدولية وعبر محددات مركبة ومعقدة وغامضة وهو ما يعني موجود مربعات خفية ودقيقة الأهمية بما يعني عكس ما هو ظاهر وهو ما قد يفسر عقد تلك اللقاءات الثلاث وإدانة القاهرة للعملية الإرهابية ومما لاشك أن هناك عوامل وتطورات غير معلنة في قضايا الإقليم قد سرعت بالتقارب الجديد وذلك لا يعني ان وضع السلطتين في انقرة والقاهرة لم يكن أيضا قد أوجد مساحة جزئية لذلك التقارب وسيحدد في المستقبل أيضا الذهاب اشوط في ذلك التقارب او العودة الى مربع تعليقه أيضا…      

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق